من سماحة السيّد جعفر علم الهدى لا ريبّ إنّ الله تعالى لا يعمل عملاً عبثاً ولغواً ، ولا يصدر منه الترجيح بلا مرجّح . وقد ورد في الروايات أنّ اختيار الأئمة (عليهم السّلام) كان قبل أن يخلق الله العالم وآدم ، فقد جعلهم أنواراً محدقين بعرشه ، يسبّحون الله ويقدّسونه ، ولمّا كان الله تعالى عالماً بوجود المؤهّلات والمواصفات الخاصة ؛ لأنّه هو الذي أودعها فيهم ، وخلقهم بتلك الكيفية ، اختارهم للإمامة ، وفضلهم على جميع خلقه . ففي الكافي بسنده عن عبد الأعلى قال سمعت أبا عبد الله (عليه السّلام) يقول : « ما من نبي جاء قط إلاّ بمعرفة حقّنا ، وتفضيلنا على من سوانا ». الكافي : ص437 . وفي الخصال بسنده عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) عن النبيّ (صلّى الهف عليه وآله) أنّه قال في وصية له :« يا عليّ إنّ الله عزّوجلّ أشرف على الدنيا ، فاختارني منها على رجال العالمين ، ثمّ اطّلع ثانية فاختارك على رجال العالمين بعدي ، ثمّ اطّلع ثالثاً فاختار الأئمة من ولدك على رجال العالمين ، ثمّ اطّلع رابعاً فاختار فاطمة على نساء العالمين ». الخصال : ج 1 ، ص206 . وفي كتاب التوحيد للصدوق وروى عنه في البحار : ج26 ، ص260 : قال أبو عبد الله (عليه السّلام) : « إنّ الله عزّوجلّ خلقنا فأحسن خلقنا ، وصوّرنا فاحسن صورتنا ، وجعلنا عينه في عباده ، ولسانه الناطق في خلقه ، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة ، ووجهه الذي منه يؤتى ، وبابه الذي يدل عليه ... ».
الجواب: سماحة السيّد جعفر علم الهدى الآيات النازلة في حقّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) والمفسّرة بولايته وإمامته كثيرة جدّاً ، ولا يمكن استيعابها ، ونذكر بعض هذه الآيات من باب النموذج : وعليك بمراجعة كتب التفسير ، وكتاب مصباح الهداية في إثبات الولاية للسيّد عليّ البهبهاني : 1- قوله تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } {المائدة/55}. وقد اتّفق المفسّرون أنّها نزلت في علي ابن أبي طالب (عليه السّلام) حيث أعطى خاتمه للسائل في حال الركوع ، وقد أثبتت الآية له الولاية ، كولاية الله والرسول (صلّى الله عليه وآله). قال شاعر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حساّن بن ثابت الأنصاري : أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي وكلّ بطئي في الهوى ومسارع فأنت الذي أعطيت مذ كنت راكعاً فذنك نفوس القوم يا خير الراكعين فأنزل فيك الله خير ولاية وبيّنها في محكمات الشرائع 2- قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } {المائدة/67}. وفي تفسير الدر المنثور للسيوطي عن ابن عبّاس إنّ الآية نزلت هكذا : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ـ (أنّ عليّاً مولى المؤمنين )ـ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } . وقد كان نزول الآية قبل واقعة الغدير ، فاضطر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أن يجمع المسلمين في غدير خمّ ، وقد كانوا أكثر من مائة ألف صحابي ومسلم ، فخطب فيهم خطبة بليغة . ثمّ قال : « ألست أولى بكم من أنفسكم ». قالوا : بلى قال : « اللهم اشهد » . ثمّ قال : « مَن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ». 3- قوله تعالى : { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } {الرعد/7}. روى الحموي في فرائد السمطين عن أبي هريرة الأسلمي قال سمعت رسول الله يقول : { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ } وضع يده على صدر نفسه ، ثمّ وضعها على يد عليّ ويقول : { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } . 4- قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } {النساء/59} روى في غاية المرام أربع روايات من طرق السنّة أنّ المراد من { وَأُوْلِي الأَمْرِ } الأئمة من العترة الطاهرة . وأمّا من طرق الشيعة ، فالروايات متواترة . 5- قوله تعالى : { قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } {الرعد/43}. والروايات المسندة إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أو أهل البيت (عليهم السّلام) في تفسير هذه الآية متّفقة من طرقنا وطرق أهل السنّة على أنّها نزلت بشان علي ابن أبي طالب (عليه السّلام) ، فراجع المناقب لابن المغازلي ، وتفسير القمّي ، وتفسير البرهان . 6- قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } {التوبة/119}. عن مولانا الرضا (عليه السّلام) : « الصادقون هم الأئمةالصدّيقون بطاعتهم ». وعن مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام) : قال في جمع من المهاجرين والأنصار : « أ سألكم بالله أتعلمون أنّه لمّا نزلت هذه . قال سلمان لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) : في عامّة هذه الآية أم خاصّة . فقال (صلّى الله عليه وآله) : " أمّا المامورون فعامّة المؤمنين أمروا بذلك ، وأمّا الصادقون فخاصة لأخي وأوصيائي من بعده إلى يوم القيامة " ». قالوا : اللهم نعم. وقد استفاضت الروايات من طرقنا وطرق العامّة أنّ الصادقين هم أهل بيت النبيّ المطهّرون . وقد ذكر في غاية المرام عشر روايات من طرقنا ، وسبعة أخبار من طرق العامّة . 7- قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } {البينة/7}. روى السيوطي في الدر المنثور أنّه دخل عليّ على رسول (صلّى الله عليه وآله) وعنده صحابة فقال النبي(صلّى الله عليه وآله) : « إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة » . فنزل قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ... الآية } ، فكان كلمّا دخل عليّ على الصحابة قالوا : جاء خير البرية . أقول : من المعلوم أنّ خير البرية أولى بالخلافة من غيره ، وإلاّ لزم ترجيح المرجوح ، وهو قبيح جدّاً .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الدليل العقلي يتركّب من مقدّمتين : المقدّمة الأولى : إنّ الله تعالى ورسوله لا يتركان الأُمّة بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم سُدى ، ولا يعقل أن يكون أبو بكر وعمر أحرص على مصير المسلمين بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من الله ورسوله ؟ وهل يصدر من الله تعالى العبث واللغو حيث يرسل رسوله ليجتهد ويسعى في تشييد أركان الدين ويبذل كلّ طاقاته في سبيل تبليغ الدين ونشره ، ثمّ لا يعيّن الخليفة من بعد رسوله بحيث تذهب جميع جهود النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأتعابه هدراً ، إذ لابدّ من شخص مطاع يشرف على استمرار بقاء الشريعة ، ويحفظها من التبديل والانحراف. ثمّ كيف يترك العاقل أهله ورعيّته من دون كفيل وراعٍ مع أنّ كلّ عاقل يعيّن من بعد وفاته وصيّاً يقوم مقامه في التحفّظ على أهله وأولاده وأمواله وسائر شؤونه. المقدّمة الثانية : إنّ الذي يليق بالوصاية والخلافة لابدّ أن يكون أفضل من جميع الصحابة في جميع الفضائل والصفات الكريمة ، لأنّ ترجيح المرجوح على الراجح قبيح لا يصدر من الله ورسوله ، وقد ثبت أنّ عليّاً عليه السّلام كان أفضل الصحابة وأعلمهم وأتقاهم وأشجعهم وأكرمهم. فمن الطبيعي أن يختار الله ورسوله عليّاً للإمامة والخلافة. هذا مضافاً إلى آلاف الأحاديث والروايات الواردة من طرق الفريقين أهل السنّة والشيعة الناطقة بفضل عليّ عليه السّلام ، والمصرحة بإمامته ، أضف إليها الآيات الكريمة المستفاد منها ، ومن تفاسيرها إمامة عليّ عليه السّلام وخلافته. وعليك مطالعة الكتب الإعتقاديّة مثل : كتاب الغدير ، وفضائل الخمسة من الصحاح الستّة ، وليالي بيشاور ، ومصباح الهداية في إثبات الولاية. وهناك كتب مؤلّفوها من علماء أهل السنّة يمكن الإستدلال بها مثل كتاب مناقب المغازلي وشاهد التنزيل وغيرها.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: عليك بمطالعة كتاب الغدير للشيخ عبد الحسين الأميني الجزء الأوّل والثاني لأجل معرفة معنى قول النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم « من كنت مولاه فعلي مولاه » . وممّا يضحك الثكلى أن يقال انّ المراد إظهار حبّه وموالاته ، وكيف يمكن دعوى أنّ النبي الأعظم جمع المسلمين بعد حجّة الوداع في غدير خم وهم يبلغون مائة وعشرين ألفاً لكي يظهر لهم انّ علياً يحبّه الله ورسوله صلّى الله عليه وآله ، مع ذلك الإهتمام الشديد الذي أبداه النبي صلّى الله عليه وآله في تبليغ هذا المطلب حيث أمر بإرجاع المسلمين الذي تجاوزا غدير خم في طريقهم إلى بلادهم وصبر إلى ان يلتحق به من تأخّر خروجه من مكّة ثمّ جمع الناس في ذلك الحرّ الشديد وخطب خطبة رائعة ، فهل يعقل انّه فعل ذلك لمجرّد ان يبيّن للناس انّه يحبّ علياً عليه السلام وانّه يجب على الاُمة حبّ علي عليه السلام ، مع انّ القرآن الكريم سبقه في ذلك وأوجب محبّة ذوي القربى ومودّتهم وجعله أجراً للرسالة. قال الله تعالى ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [ الشورى : 23 ] . وهذا نظير ان يعلن الطيّار للمسافرين أنّه ينوي الهبوط في صحراء ثمّ يهبط بالطائرة إلى ذلك الصحراء ويأمر الركاب بالخروج من الطائرة والإجتماع في موضع تحت وطأة الشمس المحرقة ثمّ يقول لهم لم يكن لي غرض من هذا الفعل إلّا ان أظهر لكم حبّي الشديد لمساعدي وعليكم أن تحبّوه لأننّي أحبّه والآن اركبوا الطائرة لكي تستمرون في سفركم ، فهل تصدّق هذا الكلام أو ترمى الطيّار بنحو من الجنون ، ثمّ هل يسكت الركاب ولا يعترضون على هذا العمل الصادر من الطيّار ؟! ثمّ انّ الأدلّة على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلّى الله وآله وسلّم ليست منحصرة في حديث « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » بل الآيات والأحاديث النبويّة الدالّة على ذلك كثيرة ومتواترة.