الجواب من الشيخ محمّد جواد آل الفقيه: التشيُّع . . . مَا هُوَ ؟ لكي تنثبت من الحقائق ، ونرفض كل ما يشيعه المغرضون حول عقيدة الشيعة ، ونشوئها في الاسلام ، يلزمنا ـ في هذا الحال ـ الرجوع الى عهود بعيدة ، مضت عليها قرون متعاقبة . ولكن ، حينما يتحد المضمون ، تتلاشى عنده كل المواقيت ، وكل مؤشرات القرب والبعد ، فهو لا يتغير ، ولا يتبدل ، ولا يخضع لأي ضوابط ، زمانية كانت أو غيرها . المضمون بالنسبة لنا واحد ، ألا وهو « الاسلام » فهو في كياننا اليوم ، كما كان بالأمس ، وكما كان قبل قرون ، وكما يكون غداً ، لا يتغير ولا يتبدل . والتشيع بالنسبة لنا ، هو من صميم ذلك المضمون . ليس طارئا ، وليس جديداً على الاسلام ، بل هو أصل من أصوله ، دعا اليه رسول الله (ص) ، كما دعا الى بقية أركان الدين . فليس التشيع ، سوى حب أهل البيت عليهم السلام ، ومودتهم ، والتمسك بهم . وموالاة علي عليه السلام بعد رسول الله (ص) وأخذ معالم الدين من معدنه . قال تعالى : « قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ » « 42 ـ 23 » هذا هو التشيع ببساطة . قال الأزهري : الشيعة ، هم الذين يهوون عترة النبي (ص) ، ويوالونهم (1) . وقد نشأ التشيع لعلي ( عليه السلام ) في عهد الرسول الله (ص) الذي أوصى المسلمين في مواطن كثيرة ، بالتمسك بأهل البيت ( عليه السلام ) كما دعاهم الى ولاء علي (ع) ونصَّ على ذلك في حجة الوداع الاخيرة . حيث جاء في خطبته (ص) : معاشر المسلمين ، ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : اللهم بلى . قال : « من كنت مولاه ، فهذا علي مولاه ، اللهم والِ من والاه ، وعادِ من عاداه وانصر من نصره ، واخذل من خذله » . وقد روي هذا الحديث بطرق مختلفة ، وألفاظ متغايرة ، بمضمون واحد . فقد رواه من الصحابة اكثر من مائة وعشرة صحابياً . ومن التابعين أربعة وثمانون تابعياً ، ورواه من العلماء ، ثلاثمائة وستون عالماً (2) عدا من ألَّف فيه . وهذا الحديث هو المسمى بحديث الغدير ، نسبة لغدير خُمّ . وقد تمسك به الشيعة الإمامية كدليل هام في إثبات الخلافة لعلي عليه السلام بعد رسول الله (ص) ، بالاضافة الى الأدلة الاخرى الكثيرة ، التي سنذكرها فيما بعد . وعرف من الشيعة في عهد رسول الله (ص) جماعة ، منهم أبو ذر رضي الله عنه . . قال أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني : « إن لفظ الشيعة على عهد رسول الله (ص) كان لقب أربعة من الصحابة ، سلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود الكندي وعمار بن ياسر (3) الى آخره . من جهة أخرى ، فقد ورد لفظ الشيعة ( شيعة علي (ع) ) على لسان النبي (ص) في عدة مناسبات . وما علينا الآن إلا أن نعرض بعض الاحاديث النبوية الشريفة المتضمنة لذلك . 1 ـ عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : « كنا عند النبي (ص) فأقبل علي بن أبي طالب ، فقال رسول الله ( ص ) : قد أتاكم أخي ! قال جابر : ثم التفت رسول الله (ص) الى الكعبة ، فضربها بيده ، ثم قال : والذي نفسي بيده ، إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة . . ثم قال : إنه أولكم إيماناً معي ، وأوفاكم بعهد الله تعالى ، وأقومكم بأمر الله ، وأعدلكم في الرعية ، وأقسمكم بالسوية ، واعظمكم عند الله مزيِّة . قال : ونزلت فيه « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ » . قال : وكان أصحاب محمد (ص) اذا أقبل عليهم علي عليه السلام ، قالوا : قد جاء خير البرية » (4) . 2 ـ أخرج الحافظ جمال الدين الذرندي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما . « ان هذه الآية لما نزلت ، قال (ص) لعلي : هم أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين . . (5) الخ . 3 ـ أخرج أحمد في المناقب أنه ( ص ) قال لعلي ( ع ) : أما ترضى أنك معي في الجنة والحسن والحسين ، وذريتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذريتنا ، وشيعتنا عن ايماننا وشمائلنا . » 4 ـ واخرج الديلمي : يا علي ان الله عز وجل قد غفر لك ، ولذريتك ، ولولدك ، ولأهلك ولشيعتك ، ولمحبي شيعتك . 5 ـ وأخرج الطبراني عن علي (ع) قال : يا علي ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ، ويقدم عليه أعداؤك غضابا مُقمَحين (6) . . 6 ـ وأخرج ابن مردويه ، عن علي عليه السلام قال : قال لي رسول الله ( ص ) ألم تسمع قول الله : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ » هم انت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض ، اذا جائت الامم للحساب ، تدعون غُرَّاً محجلين . 7 ـ وفي النهاية ( لإبن الاثير ـ مادة قمح ) : وفي حديث علي (ع) قال له النبي (ص) : ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين ، ويقدم عليه عدوك غضاباً مقمحين . ثم جمع يده الى عنقه يريهم كيف الإقماح . 8 ـ عن ربيع الأبرار ، يروى عن رسول الله ( ص ) أنه قال : يا علي ، اذا كان يوم القيامة ، أخذتُ بحُجزة الله تعالى ، وأخذت أنت بحُجزتي وأخذ ولدك بحجزتك ، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم . فتُرى أين يؤمر بنا ؟ (7) وأما الأحاديث الأخرى التي تدعو المسلمين الى التمسك بعلي ( عليه السلام ) وأهل البيت الطاهر فان استقصاءها وذكرها يحتاج الى وضع مجلد ضخم . لكننا نذكر بعضاً منها هنا ، لأجل التبرك بها من جهة ، ولاطلاع القاریء الكريم على مدى ما تحمل من أهمية ، من جهة أخرى . 1 ـ روى الجويني بسنده عن ابن عباس (رض) قال : قال رسول الله (ص) : من سره أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي ، فليوال علياً من بعدي ، وليقتدِ بالأئمة من بعدي ، فانهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهماً وعلماً ، ويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي (8). 2 ـ وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أنس ، أسكب لي وضوءاً ( قال : ) ثم قام فصلى ركعتين ثم قال : يا أنس ، أول من يدخل عليك من هذا الباب ، أمير المؤمنين ( وسيد المسلمين ) وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين . قال أنس : قلت : اللهم اجعله رجلا من الانصار ـ وكتمته ـ اذ جاء علي صلوات الله عليه ، فقال : من هذا يا أنس ؟ فقلت : علي . فقام ( ص ) مستبشراً ، فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه ، ويمسح عرق وجه علي بوجهه . فقال علي عليه السلام : يا رسول الله ، لقد رأيتك صنعت شيئا ، ما صنعت بي من قبل ؟ قال (ص) : وما يمنعني ، وأنت تؤدي عني ، وتسمعهم صوتي ، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي . 3 ـ وعن ابي ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا خاتم الأنبياء ، وأنت يا علي خاتم الأوصياء الى يوم الدين . ولفظ أبي ذر : أنا خاتم النبيين ، كذلك علي خاتم الأوصياء الى يوم الدين . 4 ـ وعن جابر بن عبد الله ( الأنصاري ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي . ( هذا الحديث رواه الجويني بعدة طرق ، وهو حديث مشهور وهو المسمى بحديث ( المنزلة ) . ورواه مسلم في صحيحه عن سعد بن ابي وقاص عن أبيه » راجع فضائل الصحابة / 4 ـ 1870 ) . 5 ـ وجاء في حديث طويل ، عن أبي أيوب الأنصاري : يا عمار ، إن علياً لا يردك عن هدى ، ولا يدلك على ردى . يا عمار ، طاعة علي طاعتي ، وطاعتي طاعة الله عز وجل . ! 6 ـ وعن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : علي بن أبي طالب حلقة معلقة بباب الجنة ، من تعلق بها دخل الجنة . 7 ـ وعن انس بن مالك ، قال : إن سائلا أتى المسجد وهو يقول : من يقرض المليّ الوفي ؟ وعلي ـ عليه السلام ـ راكع يقول (9) بيده خلفه للسائل خذه ، أي اخلع الخاتم من يدي . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عمر ، وجبت . قال : بأبي انت وأمي يا رسول الله ، ما وجبت ؟ قال : وجبت له الجنة . والله ما خلعه من يده ، حتى خلعه من كل ذنب وخطيئة (10) . 8 ـ وعن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : أقبل عبد الله بن سلّام ، ومعه نفر من قومه ، ممن قد آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، إن منازلنا بعيدة ، وليس لنا مجلس ، ولا متحدث دون هذا المجلس ، وان قومنا لما رأونا آمنا بالله ورسوله ، وصدقناه ، رفضونا ، وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ، ولا يناكحونا ( أي لا يتزوجون منا ولا نتزوج منهم ) ولا يكلمونا ، فشق ذلك علينا . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ » ( 55 ـ المائدة ) ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج الى المسجد ، والناس بين قائم وراكع ، وبصر بسائل . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : هل أعطاك أحد شيئاً ؟ قال : نعم ، خاتم من ذهب. فقال النبي (ص) : من أعطاكه ؟ قال : ذلك القائم ـ وأومأ بيده الى علي بن أبي طالب ـ . فقال النبي (ص) : على أي حال أعطاك ؟ قال : اعطاني وهو راكع ! . فكبَّر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قرأ : « وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ » ( 56 ـ المائدة ) . فأنشأ حسان بن ثابت يقول : أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي وكل بطيیء في الهوى ومسارع أيذهب مدحي والمحبين ضائعاً وما المدح في جنب الإله بضائع فأنت الذي اعطيت اذ كنت راكعاً فدتك نفوس القوم يا خير راكع فانزل فيك الله خير ولاية وبينها في محكمات الشرائع (11) وقصة التصدّق بالخاتم ـ هذه ـ من أشهر المشهورات ، وقد رواها الجويني بعدة طرق ، وبأسانيد مختلفة ، كما رواها غيره من أرباب الحديث . ونكتفي هنا بهذا العرض لبعض الروايات في هذا المضمون ، والتي هي نزر قليل من الكثير الكثير ، اذ لو أردنا استقصاء وذكر الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله في فضل أمير المؤمنين علي عليه السلام ، والمشتملة على النص بالولاية منه (ص) له (ع) من بعده ، وعلى إلزام المسلمين بالأخذ عن أهل البيت (ع) معالم دينهم لألزمنا ذلك بافراد كتاب مستقل ، ولأخرجنا عن الموضوع . ومجمل القول : فان الشيعة يعتقدون بأن الإمامة ، لا تكون إلا بالنص من الله تعالى ، على لسان النبي ، أو على لسان الإمام الذي قبله ، وأن الإمام لا بد وأن يكون معصوماً من جميع الرذائل ، ومن السهو والخطأ والنسيان ، كما لا بد وأن يكون أفضل الناس بعد النبي (ص) . ولا يهمنا من بحث الإمامة هنا « اثبات انهم هم الخلفاء الشرعيون ، وأهل السلطة الإلهية ، فان ذلك أمر مضى في ذمة التأريخ ، وليس في اثباته ما يعيد دورة الزمن من جديد أو يعيد الحقوق المسلوبة الى أهلها ، وانما يهمنا منه ، ما ذكرنا من لزوم الرجوع اليهم في الأخذ بأحكام الله الشرعية ، وتحصيل ما جاء به الرسول الأكرم على الوجه الصحيح الذي جاء به ، وان في أخذ الأحكام من الرواة والمجتهدين الذين لا يستقون من نمير مائهم ، ولا يستضيئون بنورهم ، ابتعاداً عن محجة الصواب في الدين . » (12) الهوامش 1. متن اللغة 3 / مادة شيع 2. راجع كتاب الغدير ج 1 من ص 8 الى ص 151 . 3. الشيعة وفنون الاسلام ص 31 . 4. فرائد السمطين 1 / 156 . 5. الصواعق المحرقة / 159 . 6. حق اليقين 1 / 171 و 205 . 7. أصل الشيعة وأصولها 110 / 111 . 8. فرائد السمطين / للجويني بسنده / 53 . 9. يقول : يشير . 10. فرائد السمطين 1 / 145 و 147 و 123 و 178 و 180 و 188 . 11. فرائد السمطين 1 / 189 / 190 . راجع مجمع البيان وشواهد التنزيل ، وذخائر العقبى . فانه أشار فيه الى هذه الآية وثماني آيات نزلت في علي . راجع ص 88 ـ 89 ـ ومن أحب الاستزادة في فضائل الامام ، فليراجع صحيح مسلم م 4 ص 1870 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ، وغيرها . 12. عقائد الشيعة الامامية / 99 . مقتبس من كتاب : أبو ذر الغفاري / الصفحة : 44 ـ 53
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هناك روايات عديدة من طرق أهل السنّة فضلاً عن الشيعة ، تدلّ على انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : علي وشيعته هم الفائزون يوم القيامة . وقد ذكرها علماء أهل السنّة في كتبهم ، منهم ابن حجر في كتابه « الصواعق المحرقة » ، الذي كتبه في ردّ الشيعة الذي يعبّر عنهم بالروافض. فقد روى جلال الدين السيوطي ، وهو من كبار علماء أهل السنّة بل هو مجدّد طريقة أهل السنّة في القرن التاسع الهجري ، كما قاله صاحب فتح المقال في تفسيره « الدرّ المنثور » ، عن ابن عساكر الدمشقي ، بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، وهو من كبار صحابة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله ، انّه قال : كنّا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله إذ أقبل علي بن أبي طالب ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله : والذي نفسي بيده انّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ، فنزل : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) . وفي نفس ذلك التفسير ، روى عن ابن عدي عن ابن عبّاس ، انّه لما نزلت هذه الآية ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين . وفي مناقب الخوارزمي الحنفي ، بسنده عن جابر بن عبد الله ، قال : كنّا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله إذ أقبل علي فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : قد أتاكم أخي ؛ ثمّ التفت إلى جهة الكعبة وأخذ بيد علي وقال : والذي نفسي بيده انّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ـ إلى أن قال : ـ فنزل قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، فكان كلّما جاء علي قال الصحابة : جاء خير البريّة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لا يدلّ قلّة العدد على بطلان المعتقدات ، كما لا يدلّ كثرة العدد على انّ الحقّ معهم. وإذا كان الأمر كما قلت ، لقال النصارى أو اليهود أو المشركين : لو كان الإسلام حقّاً فلماذا يمثل المسلمون الأقليّة في العالم ؟! والظاهر أنّك لا تقرأ القرآن الكريم ، حيث انّ القرآن يصف المؤمنين بقلّة العدد ، ويصف الكفّار والفاسقين بكثرة العدد. قال الله تعالى : ( وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) (1). وقال تعالى : ( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (2). وقال تعالى : ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ) (3). وقال تعالى : ( ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ ) (4). وقال تعالى : ( فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (5). وقال تعالى : ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (6). وقال تعالى : ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ) (7). وقال تعالى : ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) (8). وقال تعالى : ( وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (9). وقال تعالى : ( إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ) (10). وقال تعالى : ( ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (11). وقال تعالى : ( فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ) (12). وقال تعالى : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) (13). وقال تعالى : ( مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) (14). وقال تعالى : ( يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) (15). وقال تعالى : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّـهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) (16). وقال تعالى : ( وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) (17). وقال تعالى : ( وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ) (18). وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ) (19). إلى غير ذلك. الهوامش 1. هود : 40. 2. سبأ : 13. 3. ص : 24. 4. الواقعة : 13 ـ 14. 5. الحديد : 26. 6. الحديد : 27. 7. المائدة : 49. 8. يونس : 92. 9. الأعراف : 187 ، يوسف : 21 ، يوسف : 40 ، يوسف : 68 ، النحل : 38 ، الروم : 6 ، الروم : 30 ، سبأ : 28 ، سبأ : 36 ، غافر : 57. 10. هود : 17. 11. يوسف : 40 ، الروم : 30. 12. الإسراء : 89 ، الفرقان : 50. 13. البقرة : 100. 14. آل عمران : 110. 15. المائدة : 103. 16. يوسف : 106. 17. المؤمنون : 70. 18. يونس : 60 ، النمل : 73. 19. الشعراء : 8 ، الشعراء : 67 ، الشعراء : 103 ، الشعراء : 121 ، الشعراء : 139 ، الشعراء : 158 ، الشعراء : 174 ، الشعراء : 190.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: من أهمّ الاختلافات بين السنّة والشيعة الإماميّة انّ أهل السنّة يعتقدون انّ الله تبارك وتعالى والنبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله تركا الاُمّة سدى بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله ولم يعيّن الله تعالى خليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله بل على الاُمّة أن يختاروا شخصاً ليكون هو الخليفة ولا يلزم أن يكون عادلاً فضلاً عن كونه معصوماً ، ولكن الشيعة يعتقدون أنّ الله تعالى عيّن في زمان النبيّ صلّى الله عليه وآله خليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وأنّ النبيّ نصب عليّاً عليه السلام يوم غدير خمّ خليفة وإماماً وحجّة على العباد من بعد وفاته ، وهكذا تستمرّ الخلافة والإمامة في الأئمّة الأحد عشر من ذريّة رسول الله صلّى الله عليه وآله. ومن أهمّ ما يستدلّ به الإماميّة على ذلك : أوّلاً : دليل العقل حيث انّ نفس الدليل الدالّ على وجوب بعثة الأنبياء والرسل وإنزال الكتب وهو دليل اللطف يدلّ على أنّه لابدّ أن ينصب الله تعالى ويعيّن وصيّ النبي والقائم من بعده ويجب أن يكون معصوماً من الذنوب والكذب والخطأ والسهو والنسيان لكي يرجع إليه الاُمّة فيما يختلفون فيه بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وليس للاُمّة اختيار الخليفة إذ لا يؤمن على من يختاره الاُمّة أو أهل الحقّ وأهل الحلّ والعقد من الخطأ والاشتباه والهوى واتّباع النفس الأمّارة والظلم والجور ، مع انّ منصب الإماميّة مثل الرسالة والنبوّة منصب الإلهي ، قال الله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة : 124 ] ، فالله أعطى إبراهيم مقام الإمامة وقيادة المجتمع والولاية على الناس بعد أن كان رسولاً نبيّاً بل وبعد كونه خليلاً لأنّ ابتلاء إبراهيم كان بأمره بذبح ولده إسماعيل ؛ فلمّا خرج إبراهيم من الامتحان موفقاً وناجحاً حيث تصدّى لذبح ابنه أعطاه الله تعالى منصب الإمامة ، وهذا الإبتلاء كان في زمان شيخوخة ابراهيم كما يقول : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) [ ابراهيم : 39 ] ، أيّ أعطاه الله منصب الإمامة بعد كونه رسولاً نبيّاً ؛ فهذا المنصب مهمّ جدّاً. وثانياً : الروايات الكثيرة الصادرة من النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله التي تدلّ ان الإمامة والوصاية ثابته للإمام علي عليه السلام وأولاده الطاهرين : منها : حديث الغدير المتواتر بين الفرقين ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » . وقد صرح بعض أهل السنّة كالغزالي ، انّ النبي صلّى الله عليه وآله أخذ البيعة لعلي عليه السلام في غدير خم حتّى من زوجاته ـ اُمّهات المؤمنين ـ ؛ ولأجل وضوح هذا الدليل يرجى مراجعة الجزء الأوّل من كتاب الغدير للشيخ الأميني قدس سرّه. ومنها : قول رسول الله صلى الله عليه وآله : « مثل أهل بيتي كسفينه نوح من ركبها نجى ومن تركها غرق وهوى » . وهذا الحديث يدلّ بوضوح على انّ المتمسّك بحبل أهل البيت يكون ناجياً بخلاف من لم يتمسّك بهم حتّى لو اختاره جميع الاُمّة للإمامة والقيادة فانّه هالك لا محالة. ومنها : قول النبي الأعظم في الحديث المعروف والمشهور الذي رواه الفريقان السنّة والشيعة بطرق عديده ويعرف بحديث الثقلين ، قال صلى الله عليه وآله وسلّم : « إنّي تارك ـ مخلف ـ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » . وهذا المضمون بتمامه موجود في روايات أهل السنّة وهو يدلّ على اُمور : 1 : يجب التمسّك بأهل البيت عليهم السلام كما يجب التمسّك بالقرآن الكريم ولا يكفي أحدهما عن الآخر ؛ فيبطل قول من قال : « حسبنا كتاب الله ». 2 : يجب إطاعة العترة الطاهرة كما يجب إطاعة القرآن الكريم. 3 : لا يهتدي المسلم بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله إلّا بمتابعة الكتاب وإطاعة العترة الطاهرة. 4 : العترة الطاهرة معصومة من الذنوب والكذب والخطأ والاشتباه لأنّهم جعلوا عدلاً للقرآن الكريم وهو معصوم قطعاً ، مضافاً إلى انّه لا يعقل الأمر بإطاعة غير المعصوم وجعل طاعته بمنزلة طاعة القرآن الكريم. 5 : كما انّ القرآن الكريم مستمرّ إلى يوم القيامة ويجب التمسّك به إلى يوم القيامة كذلك يوجد من العترة الطاهرة في كلّ زمان إمام معصوم يجب التمسّك به كما يجب التمسّك بالقرآن الكريم ؛ لانّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : « وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » ، فلو لم يكن مثلاً في زماننا إمام معصوم من أهل البيت عليهم السلام لزم افتراق القرآن عن العترة الطاهرة ، والحال انّ النبي صلى الله عليه وآله يصرح في هذا الحديث بأنّهما لا يتفترقان إلى يوم القيامة. ومن الروايات قول النبي صلّى الله عليه وآله : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميته جاهلية » ؛ فمن هو إمام زمانك الذي إذا لم تعرفه يكون موتك موت الجاهليّة ؟ لا يمكن ان يقال بانّ المراد القرآن الكريم لأنّ القرآن إمام كلّ الأزمنة وهذا الحديث يدلّ على انّ لكلّ زمان اماماً خاصّاً إذا لم يعرفه المسلم يموت ميتة الجاهليّة ؛ فالإماميّة يسألون أهل السنّة من هو إمام زمانهم في هذا العصر ومن هو حجّة الله على العباد في هذا الزمان ؟! وهناك أدلّة وروايات اُخرى كثيرة جدّاً ينبغي لمعرفتها مراجعة الكتب المفصّلة. وقد أشار الإمام الحجّة في أجوبة أسئلة سعد بن عبد الله الأشعري إلى هذا الدليل العقلي : قلت فأخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم ؟ قال : مصلح أو مفسد ؟ قلت : مصلح. قال : فهل يجوز ان تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد. قلت : بلى. قال : فهي العلّة وأوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك ؛ أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله تعالى وأنزل عليهم الكتاب وأيّدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الاُمم وأهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى ، هل يجوز مع وفور عقلها وكمال علمهما إذا هما بالاختيار ان يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان انّه مؤمن ؟ قلت : لا. فقال : هذا موسى كليم الله مع وفود عقله وكمال علمه ونزول الوحي إليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلاً ممّن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين ، قال الله تعالى : ( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ) [ الأعراف : 155 ] ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) [ البقرة : 55 ] فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوّة واقعاً على الأفسد دون الأصلح ، وهو يظنّ انّه الإصلاح دون الأفسد علمنا انّ لا إختيار إلّا لمن يعلم ما تخفى الصدور وما تكن الضمائر وتتصرّف عليه السرائر ، وان لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد ، ولما أرادو أهل الصلاح » . أقول لتوضيح المطلب انّ النبي المعصوم تارة يختار أحداً بأمر الله تعالى فلا محالة يكون الذي اختاره صالحاً وتارة يفوض الله إليه بأن يختار أحداً أو جماعة بنفسه ومع اعمال قوّة عقله وتفكير فقد يقع اختياره على المفسد مع إعتقاد انّه صالح ، ومراد الإمام انّ هذا القسم الثاني تحقّق بالنسبة للنبي موسى عليه السلام.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: المذهب الشيعي هو الإسلام الحقيقي ، وما عداه من المذاهب يوجد فيها الإنحراف عن خطّ الإسلام الصحيح ، فالإسلام هو التشيّع والتشيّع هو الإسلام. والسبب في ذلك انّ المذهب الشيعي يرجع في جميع أحكامه وتشريعاته واعتقاداته وقوانينه وعلومه ومعارفه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمّة المعصومين من ذريّته الذين هم عترة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته. وقد صرّح النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في أحاديث كثيرة رواها الفريات ـ الشيعة والسنّة ـ وقال : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » . وقال : « الحقّ مع علي وعلي مع الحقّ » . وقال : « علي مع القرآن والقرآن مع علي » . وقال : حينما نزل قوله تعالى : ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) [ الرعد : 7 ] : « أنا منذر وعلي الهادي » . وفي حديث « أنا المنذر وأنت يا علي الهادي » . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحديث الشريف المتفق عليه : « مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تركها غرق وهوى ». وقال في حديث الثقلين المتواتر لدى الفريقين : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » . وهذا الحديث يدلّ على اُمور غفل عنها أهل السنّة أو تغافلوا : الأوّل : انّ العترة الطاهرة من أهل البيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يجب إطاعتهم كما يجب إطاعة القرآن الكريم. الثاني : انّ العترة الطاهرة معصومون من الخطأ كما انّ القرآن الكريم معصوم. الثالث : انّه لا يكفي في تحصيل الهداية مجرّد التمسّك بالقرآن الكريم ، ومن قال : « حسبنا كتاب الله » ، فقد أخطأ خطأ عظيماً بل يجب التمسّك بالعترة الطاهرة كما يجب التمسّك بالقرآن لأجل تحصيل الهداية ، فالإسلام الصحيح بعقائده وعلومه وأحكامه وتشريعاته وانظمية ومعارفه وعباداته ومعاملاته وسياساته إنما يمكن معرفته بالتمسّك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة ولا يغني أحدهما عن الآخر وكيف يكفي القرآن الكريم وقد صرّح بأنّ فيه ( آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... ) [ آل عمران : 7 ] ، وقال الله تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) [ الحشر : 7 ] . الرابع : يجب أن يكون في كلّ عصر وزمان إلى يوم القيامة إمام معصوم من العترة الطاهرة ليتمسّك به الناس كما يتمسّكون بالقرآن الكريم ولو لا ذلك لحصل الإفتراق بين القرآن الكريم والعترة ، مع انّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قد صرّح بأنّهما لن يفترقا حتّى يدرا عليّ الحوض ، فمن هو إمام أهل السنّة في هذا العصر ؟ وإذا كان لهم إمام فلا يفيدهم لأنّه لابدّ أن يكون الإمام المقترن طاعته بطاعته القرآن الكريم من أهل البيت ومن العترة الطاهرة ومن ذريّة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم حسب هذا الحديث الشريف. وقد روى أهل السنّة ـ وكذلك الشيعة ـ قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة » ، فكلّ مسلم لابد أن يعرف الإمام الذي هو منصوب من قبل الله ورسوله للإمامة في عصره وزمانه ، ومن المعلوم ان هذا الإمام لابدّ ان يكون معصوماً إذ لا يعقل أن يموت شخص ميتة جاهليّة لمجرّد انّه يعرف قائداً وأميراً أو ملكاً ظالماً عاصياً ، فمن الإمام الذي يجب معرفته في هذا العصر والزمان ؟ فالشيعة اُخذوا عقائدهم وعلومهم من أئمّة أهل البيت عليهم السلام الذين أمر الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتمسّك بهم وفرض طاعتهم وولايتهم والإسلام الصحيح متجسّد في أقوالهم وأفعالهم. ولنعم ما قال الشاعر : إذا شئت ان تبغي لنفسك مذهباً ينجيك يوم الحشر من لهب النار فدع عنك قول الشافعي ومالك وأحمد والمنقول عن كعب أحبار ووال اناساً قولهم وحديثهم روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى أحسنت ، وكلّ مَن يكون مسلماً لابدّ أن يعرف فضل أهل البيت (عليهم السلام) ، ويحبّهم ويواليهم ، فإنّ موّدتهم واجبة بنصّ القرآن الكريم : { قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } {الشورى/23} . ونحن ننصحك بقراءة الكتب الاعتقادية لكي تكون على بصيرة من دينك ، فإنّ الأمر خطير جدّاً حيث قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : « مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » . فاُنظر مَن هو إمام زمانك اليوم ؟ وقال : « ستفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلّها في النار ، إلاّ واحدة ». فاُنظر هل أنت من الفرقة الناجية ؟ ننصحك بقراءة الكتب التالية : 1 فضائل الخمسة من الصحاح الستة 2 المراجعات 3 ثمّ اهتديت 4 الغدير خصوصاً الجزء الأوّل والثاني 5 الشيعة هم أهل السنّة 6 ليالي بيشاور 7 إحقاق الحقّ 8 أصل الشيعة وأصولها 9 النصّ والاجتهاد 10 لماذا اخترت مذهب أهل البيت (عليهم السّلام).
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: نسبة المذهب الشيعي إلى عبد الله بن سبأ ، فينبغي أن لا يصدر من شخص يدّعي المعرفة والعلم في هذا العصر الذي ظهرت فيه الحقائق التاريخيّة ، وانتشر فيه الكتب والمؤلّفات ، وقد ظهر بالعيان إنّ عبد الله بن سبأ على تقدير وجوده كان رجلاً مغموراً ، يتبرّأ منه جميع الشيعة ، وهذه كتبهم مليئة بلعنه ، والتبرّي منه ، فكيف يتبرّأ فرقة ممّا كان هو المؤسّس لها ، وهذا نظير أن يتبرّأ الشافعيّة من محمّد بن إدريس الشافعي إمامهم ؟ فراجع كتاب « عبد الله بن سبأ » لترى أنّ أعداء الإسلام ، وأعداء التشيّع اختلقوا هذه الشخصيّة لكي يكتموا الحقّ والهدى والبيّنات ، وادّعوا أنّ مؤسس المذهب الشيعي هذه الشخصيّة الخياليّة التي ليس لها واقع في الخارج. ثمّ إنّ أوّل مَن أطلق اسم الشيعة على أتباع عليّ عليه السّلام ، والمعتقدين بولايته وإمامته هو النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فهو المؤسس الحقيقي للتشيّع حيث دعا المسلمين إلى ولاية عليّ عليه السّلام وخلافته ، وأخذ منهم البيعة يوم غدير خمّ بعد أن قال : « مَن كنت مولاه ، فعلي مولاه » . حتّى إنّ عمر بن الخطّاب بايعه وقال : « بخٍ بخٍ لك يا عليّ ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة ». وهناك روايات كثيرة وردت في كتب أهل السنّة تصرّح بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله سمّى أتباع عليّ عليه السّلام ، ومعتقدي خلافته بالشيعة ، وقال : إنّهم هم الفائزون يوم القيامة. ففي الحديث الذي رواه السيوطي في تفسيره « الدرّ المنثور » في قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) [ البيّنة : 7 ] ، قال جابر بن عبد الله : كنّا عند النبيّ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم ، فأقبل عليّ ـ عليه السّلام ـ فقال النبيّ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة » ، ونزلت : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، فكان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم إذا أقبل عليّ ـ عليه السّلام ـ قالوا : جاء خير البريّة. [ الدر المنثور ، المجلّد : 6 / الصفحة : 379 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ] وقال أيضاً : وأخرج ابن عدي ، عن ابن عبّاس قال لمّا نزلت : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، قال رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم لعليّ ـ عليه السّلام ـ : « هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين » . [ الدر المنثور ، المجلّد : 6 / الصفحة : 379 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ] وفي « الصواعق المحرقة » لابن حجر المتعصّب العنيد قال : الآية الحادية عشرة : قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما إنّ هذه الآية لمّا نزلت قال صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم لعليّ ـ عليه السّلام ـ : « هو أنتَ وشيعتك تأتي أنتَ وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي عدوّك غضباناً مقمحين » . قال : « ومَن عدوي » ؟ قال : « مَن تبرّأ منك ولعنك » . [ صواعق المحرقة ، الصفحة : 246 / الناشر : دار الكتب العلميّة ـ بيروت / الطبعة : 3 ] إلى غير ذلك من الروايات ، فراجع لكي تعلم أنّ مؤسس التشيّع هو رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وهو الذي أطلق لفظ الشيعة على أتباع عليّ عليه السّلام كسلمان ، وأبي ذرّ ، والمقداد ، وعمّار بن ياسر وأمثالهم.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی لا يحتاج الشيعة في إثبات حقّانيّة مذهبهم إلى مثل هذه الأمور بعد وجود الأدلّة الدامغة ، والبراهين القاطعة على صحّة عقائدهم ، وبعد الاستدلال بالأدلّة العقلية والنقلية (الشرعية) القطعيّة على ذلك ، بل أهل السنّة غالباً يعترفون بدلالة الآيات والأحاديث النبوّية المتواترة لفظاً أومعنوياً أو اجمالاً على ولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) والأئمة من ذرّية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعترته الطاهرة ، لكن التقليد الأعمى ، والتعصّب لا يجعلهم أحراراً في العقيدة بحيث يذعنون للحقّ الثابت لديهم : { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ } {النمل/14} ، خصوصاً وأنّ السلطة كانت من يوم السقيفة ولحدّ الآن بيد الغاصبين للخلافة ، فيضاف إلى ذلك عامل الخوف والطمع ، مضافاً إلى أحقاد كامنة في صدور القوم وذراريهم ؛ لأنّ عليّاً (عليه السّلام) قتل آبائهم وأبناء عشريتهم في سبيل الدفاع عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والإسلام ، ولنعم ما قالت الزهراء (عليها السّلام) : « وما نقموا من أبي الحسن ، نقموا والله منه نكير سيفه ، وقلّة مبالاته لحتفه ، وشدّة تنمّره في ذات الله ». فراجع كتاب " الغدير " ، " إحقاق الحقّ " ، " ثمّ اهتديت " ، " ا لشيعة هم أهل السنّة " ، " المرجعات " ، " النصّ والاجتهاد " ، " فضائل الخمسة من الصحاح الستة " ، وغيرها .
سماحة السيّد جعفر علم الهدى شيعة علي (عليه السلام) كانوا في زمان الخلفاء الثلاثة في المدينة المنوّرة ، ومنتشرين في القبائل والقرى المحيطة بها ، وقدكان الكثير من الصحابة يعتقدون بولاية علي (عليه السلام) وخلافته ، بل بايعوا عليّاً (عليه السلام) في غدير خمّ بالخلافة بأمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، لكن بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) سارع بعض المهاجرين والأنصار لتعيين الخليفة ، وتركوا جنازة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، واجتمعوا في السقيفة (سقيفة بني ساعدة) ، وتنازعوا وتشاجروا ، وكان الأنصار مصّرين على أن يكون الخليفة منهم ، وقال المهاجرون : بأنّهم هم الأحقّ والأولى بالخلافة ، واستفادوا من الخلاف الموجود بين الأنصار ، فبايع عمر بن الخطّاب وأبو عبيدة الجرّاح مع أبي بكر ، وعيّنوه خليفة ، واضطرّ بعض الأنصار أن يبايع ، ولكنّ البعض الآخر لم يبايع ، ثمّ خرجوا من السقيفة شاهرين السلاح يأمرون كلّ مَن يلقاهم بالبيعة مع أبي بكر ، فبايعه أكثر أهل المدينة ، لا لأجل أّنّهم كانوا راضين بخلافته ، بل للخوف ، ولأجل أنّهم فوجئوا ببيعة الآخرون . وبما أنّ عليّاً (عليه السلام) كان مشغولاً بتجهيز النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يتواجد في السقيفة ، فتخيّل أكثر الصحابة أنّ عليّاً (عليه السلام) تنازل عن الخلافة ، ورضي بخلافة أبي بكر ، لكنّ الإمام (عليه السلام) أعلن بعد ذلك رفضه وسخطه ، وقامت سيّدة النساء الزهراء (سلام الله عليها) بثورة عظيمة ضدّ الغاصبين ، وخطبت الخطب المتعددة ، وأعلنت للناس أنّ عليّاً (عليه السلام) هو الخليفة والإمام بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وذكرّتهم بالبيعة لعليّ (عليه السلام) في غدير خمّ ، واحتجّ الكثير من المهاجرين والأنصار على غصب الخلافة ، وخطبوا في المسجد ، وطلبوا من أبي بكر أن يعطي الخلافة لأهلها ، وكان عليّ (عليه السلام) يدور علي بيوت المهاجرين والأنصار ، ويطلب منهم النصرة للقيام بوجه الغاصبين ، لكنّ القوم اعتذروا بأنّهم قد بايعوا أبا بكر ، ولو كان عليّ (عليه السلام) يطلب الخلافة ، لكانوا يبايعونه ، ولكّنه اشتغل بتجهيز النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يتصدّى لطلب الخلافة ، فبايعوا أبا بكر . ثمّ إنّ كثيراً من الصحابة كانوا خارج المدينة في قبائلهم وعشائرهم ، ولمّا فوجئوا بخلافة أبي بكر أذعن بعضهم وبايع باعتقاد أنّ عليّاً (عليه السلام) تنازل عن الخلافة ، أو لأغراض دنيوّية ، واعترض البعض الآخر ولم يبايع ، فقتل الكثير منهم بتهمة الارتداد عن الدين مثل مالك بن نويّرة وقبيلته . والحاصل : إنّ الجميع كانوا يعلمون ويعرفون حقّ المعرفة أنّ عليّاً (عليه السلام) كان أحقّ بالخلافة ، ولكنّ الأحقاد الكامنة في الصدور حالت بينهم وبين الاذعان بخلافته ، كما صرّحت بذلك فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها : « وما نقموا من أبي الحسن ، نقموا والله منه نكير سيفه ، وقلّة مبالاته لحتفه ، وشدّة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمّره في ذات الله عزّ وجلّ ».
سماحة السيّد جعفر علم الهدى ج 1 ـ بما أنّ الوقت لا يسع لمراجعة الكتب الأصلية ، فنحن نحيل المتتبّع إلى الرجوع إلى المصادر ، والغالب أّنّ هذه الكتب مطبوعة . نعم قد يكون هناك اختلاف في الصفحات أو الأجزاء ، لكن الوصول إلى المطلب يصير سهلاً بعد مراجعة الفهارس . نعم هناك نكتة لابدّ من الإشارة إليها ، وهي أنّ بعض الطبعات الحديثة وقع فيها النقص والاسقاط والحذف بسبب التعصّب الأعمى ، فالمتتبّع إذا كان من أهل الدقّة والتحقيق لابدّ أن يراجع إمّا النسخ الخطّية الموجودة في المكتبات ، أو يراجع الطبعات القديمة لأهل السنّة ، وقد أشار علماؤنا الأعلام إلى هذه النكتة ، وذكروا الكثير من مواردها . ونحن نذكر مورداً من باب المثال : الزمخشري من كبار علماء أهل السنّة ، وله تفسير المسمّى بـ " الكشّاف " ، طبع الطبعة الثانية سنة (1319) هجرية في المطبعة الأميرية الكبرى ببولاق مصر ، بأمر الشيخ مصطفى البابا الحلبي وإخوانه ، وقد ذكر في الجزء الثالث (ص 301) ، شعراً من إنشاء نفسه يذّم فيه جميع المذاهب الأربعة ، لكن يد التزوير والخيانة اسقط هذا الشعر في الطبات الأخيرة مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة (1373) هجرية ، وإليك بعض أبياته : إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به و اکتمه کتمانه لي أسلم فإن حنفياً قلت ، قالوا : بأنني أبيح الطلا ، وهو الشراب المحرّم وإن مالکياً قلت ، قالوا : بأنني أبيح لهم أکل الکلاب و هم هم وإن شافعياً قلت قالوا : بأنني أبيح نکاح البنت ، و البنت تحرم وإن حنبليا ًقلت قالوا : بأنني ثقيل حلولي ، بغيض مجسِّم وإن قلت من أهل الحديث و حزبه يقولون تيس ليس يدري و يفهم تعجبت من هذا الزمان و أهله فما أحد من ألسن الناس يسلم وأخرني دهري و قدم معشراً علی أنّهم لا يعلمون و أعلم ومذ أفلح الجهّال أيقنت أنني أنا الميم والأيّام أفلح أعلم ج 2 ـ لقد اجتهد المحقّق الأميني (عليه الرحمة) وقضى عمره الشريف في مراجعة كتب علماء أهل السنّة ، وسافر إلى أكثر البلدان الإسلامية لتحصيل النسخ الأصلية ، أو الطبعات القديمة لكّل كتاب ، ونقل عن هذه المصادر الموثوقة ، فحزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء ، وقد أشار إلى هذه المصادر وطبعاتها وصفاحتها ، ونحن نعتمد على نقله وفحصه أكثر ممّا نعتمد على فحصنا . وعلى كلّ حال فالمتتبّع يتمّكن من الوصول إلى المصادر في هذا العصر الذي يسهل الرجوع إلى أُمهّات الكتب ولو بواسطة المواقع الإسلامية للمكتبات العامّة وغيرها . ج 3 ـ المصادر التي تذكر في مجال العقيدة كثيرة جدّة لا تحصى ولا تعدّ ، وإذا كان مؤلّفوها كلّهم من الشيعة ، فذلك يعني كون أكثر علماء أهل السنّة من الشيعة . مضافاً : إلى أنّ هؤلاء المؤلّفين بعضهم كالبخاري ومسلم وأحمد بن حنبل والترمذي والذهبي والسيوطي وأمثالهم من أساطين وأركان أهل السنّة ، ونحن ننقل عنهم ، كما أنّ مؤلّفي الكتب الأُخرى ممّن يدّعى أنّهم مختلف فيهم يروون عن هذه المصادر غالباً ، أو يكون أسنادهم بعينها نفس أسانيد هذه الكتب . مضافاً : إلى أنّ لهم مؤلّفات أُخرى تكون من مصادر نفس علماء أهل السنّة . نعم ، هناك بعض المتعصّبين من أعداء أهل البيت (عليهم السلام) يرمون بالرفض كلّ مَن قال شعراً ، أو ألّف كتاباً في فضائل علي وأهل بيته (عليهم السلام) ، ولكن لو كان الأمر كذلك لكان جميع أو أكثر أهل السنّة شيعة وروافض ، وهذا يدلّ على حقّانية مذهب التشيّع من جهة أُخرى . ولنذكر بعض علماء أهل السنّة الذين ألّفوا في أهل البيت (عليهم السلام) لترى هل يمكن الالتزام بأنّ جميع هؤلاء من الشيعة . 1- موّدة القربى : للمير سيّد علي الشافعي الهمداني . 2- ينابيع الموّدة : للشيخ سليمان البلخي الحنفي . 3- معراج الوصول في معرفة آل الرسول : للحافظ جمال الزرندي . 4- مناقب وفضائل أهل البيت : للحافظ أبي نعيم الأصبهاني صحاب كتاب حليّة الأولياء. 5- مناقب علي بن أبي طالب : لابن المغازلي الفقيه الشافعي . 6- رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبيّ الهادي : للسيّد أبي بكر بن شهاب الدين العلوي . 7- الاتحاف بحبّ الأشراف : للشيخ عبد الله الشبراوي . 8- إحياء الميّت بفضائل أهل البيت : للسيوطي . 9- فرائد السمطين : للشيخ إبراهيم الحميويني . 10- ذخائر العقبى : للمحبّ الطبري . 11- الرياض النضرة : للمحبّ الطبري إمام الحرم الشافعي . 12- الفصول المهمّة : لنور الدين ابن الصبّاغ المالكي . 13- تذكرة خواصّ الأُمّة : للسبط ابن الجوزي . 14- كفاية الطالب : لمحمّد بن يوسف الگنجي الشافعي . 15- مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : لمحمّد بن طلحة الشافعي . 16- المناقب : لأخطب خوازرم . 17- جواهر العقدين : للسمهودي . 18- الصواعق المحرقة : لابن حجر . وهذا الكتاب ألّفه لردّ الشيعة ومع ذلك فإنّه يعدّ من المصادر عندنا ، وهل يعقل أن يكون مثل هذا الشخص المتعصّب العنيد شيعيّاً . إلى غير ذلك من كتب علماء أهل السنّة الذين ألّفوا كتباً أُخرى على طبق مذهب أهل السنّة كالسيوطي فإنّ له عشرات الكتب كتفسير الدرّ المنثور والإتقان ، وهذه الكتب كلّها مصادر نستفيد منها ، ونستشهد بها .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: بالعكس تماماً فقد كان في زمان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كثير من الصحابة يعرفون وينعتون بأنّهم شيعة عليّ عليه السلام أمثال سلمان ، والمقداد ، وعمّار ، وأبي ذرّ ، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت ، وابن التيهان ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبي سعيد الخدري ، وجعفر بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة ، وأبي أيّوب الأنصاري ، وأُبيّ بن كعب ، وخالد بن سعيد بن العاص ، والزبير بن العوّام ، وسعد بن عبادة الأنصاري ، وقيس بن سعد ، وأبي دُجانة الأنصاري ، وسهل بن حنيف الأنصاري ، وأخوه عثمان ، وحبشي بن جنادة ، وأبي فضالة الأنصاري ، وعبد الرحمن بن عبد الربّ ، وأبي عمرة بن محصن ، وعبد الله بن ثابت ، وبريدة الأسلمي ، وغيرهم. وقد روى أهل السنّة روايات كثيرة تدلّ على أنّ أوّل مَن أطلق اسم الشيعة على أتباع عليّ وأصحابه هو النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فكان يعبّر عن الصحابة الذين اتبعوا عليّاً عليه السلام ، وأذعنوا بإمامته وولايته بالشيعة ، وإليك بعض الروايات من باب النموذج : 1 ـ روى ابن جرير الطبري في تفسيره ، بسنده عن أبي الجارود ، عن محمّد بن عليّ : ( أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) [ البينة : 7 ] . فقال النبيّ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « أنت يا عليّ وشيعتك » . [ تفسير الطبري ، المجلّد : 24 / الصفحة : 556 / الناشر : دار عالم الكتب / الطبعة : 1 ] 2 ـ روى السيوطي في الدرّ المنثور في تفسير قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) [ البينة : 7 ] ، قال : وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال كنّا عند النبيّ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم فأقبل عليّ ـ عليه السلام ـ فقال النبيّ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة » ، ونزلت : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، فكان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم إذا أقبل عليّ ـ عليه السلام ـ قالوا : جاء خير البرية. [ الدرّ المنثور ، المجلّد : 6 / الصفحة : 379 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ] 3 ـ وروي أيضاً : قال وأخرج ابن عدي ، عن ابن عبّاس قال لمّا نزلت : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم لعليّ ـ عليه السلام ـ : « هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين » . [ الدرّ المنثور ، المجلّد : 6 / الصفحة : 379 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ] 4 ـ وقال أيضاً : وأخرج ابن مردويه عن عليّ ـ عليه السلام ـ : قال قال لي رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم ألم تسمع قول الله : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) « أنتَ وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جئت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين » . [ الدرّ المنثور ، المجلّد : 6 / الصفحة : 379 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ] 5 ـ قال المتعصّب العنيد ابن حجر في الصواعق المحرقة الآية الحادية عشرة : قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما إنّ هذه الآية لمّا نزلت قال صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم لعليّ ـ عليه السلام ـ : « هو أنتَ وشيعتك تأتي أنتَ وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي عدوك غضباناً مقمحين » . قال : ومَن عدوي ؟ قال : « من تبرّأ منك ولعنك » . [ الصواعق المحرقة ، الصفحة : 246 / الناشر : دار الكتب العلميّة ـ بيروت / الطبعة : 3 ] وذكره الشبلنجي في نور الأبصار. [ نور الأبصار ، المجلّد : 1 / الصفحة : 299 / الناشر : ذوي القربى / الطبعة : 1 ]
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: إنّ القائل ليس من أهل السنّة ، بل هو ناصبي خبيث معاند لأهل البيت عليهم السلام ، ولذا عمد إلى كلّ كتاب ومؤلّف من مؤلّفات أهل السنّة ممّا فيه فضائل أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم فذكر أنّ المؤلّف من الرافضة لكي ينكر فضائل أهل البيت عليهم السلام ، ويدعي أنّ هذه الفضائل يرويها الروافض والشيعة ، وليست واردة من طرق أهل السنّة لكي يذعن بها أهل السنّة ، ولكن غاب عنه نقطتان رئيسيتان : الأولى : هل إنّك أنكرت هذه الكتب ، لكن ماذا تصنع بالقرآن الكريم حيث وردت آيات كثيرة في ولاية أهل البيت عليهم السلام ، ووجوب مودّتهم وطاعتهم وعصمتهم ، بل هناك « 300 » آية نزلت في حقّ أهل البيت عليهم السلام. الثانية : إنّ هؤلاء المؤّلفين حتّى لو كانوا من الشيعة ، لكنّهم جمعوا الأحاديث والروايات المتفرّقة في مؤلّفات علماء أهل السنّة ، ويذكرون مصادرها ، وينسبون كلّ رواية إلى الكتاب المعتبر عند أهل السنّة ، والكثير منهم يروي عن الصحاح أهل السنّة أو عن مؤلّفيها في کتبهم الأُخرى. نعم ذنب بعضهم هو أنّه يروي إلى جانب ذلك عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام فصار رافضيّاً ؛ لأنّه روى عن الإمام الصادق عليه السلام ، أو الباقر عليه السلام ، ولم ينحصر روايته عن أبي هريرة وأمثاله ، فلو كان يروي عن عمر بن سعد ، وعمران بن حطّاب الخارجي ، لم يكن به بأس ، لكنّه روى عن العترة الطاهرة ، فصار رافضيّاً خبيثاً ، معروفاً بالكذب ؟ اُنظر : إلى الأنساب كيف يصير مسخاً ، ويخرج عن الإنسانيّة ، لا لمجرّد التعصّب الأعمى والتقليد ، بل للبغض والحقد الدفين تجاه النبيّ صلّى الله عليه وآله وعترته الطاهرة عليهم السلام. بعض التعليقات 1 ـ محمّد بن جرير علماء الشيعة يذعنون بأنّ محمّد بن جرير الطبري مشترك بين السنّي والشيعي ، وقد طرح علماء الرجال بذلك ، وحينما يقصدون محمّد بن جرير الشيعي يعبّرون عنه غالباً بمحمّد بن جرير الإمامي ، وحينما يقصدون السنّي يعبّرون عنه بصاحب التفسير أو صاحب التاريخ ، وإذا كان بعض أهل السنّة لا يفهمون هذا الفرق والتمييز ، فما هو ذنب علماء الشيعة ؟ 2 ـ السدّي عند الشيعة شخصيّتان : ألف ـ إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة من الكوفة : ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب علي بن الحسين ، ومن أصحاب الباقر عليهم السلام. قائلاً : « أبو محمّد القرشي المفسّر الكوفي ، وفي أصحاب الصادق عليه السلام ». ب ـ محمّد بن مروان السدّي : ذكره الكشّي في ترجمة محمّد بن مروان البصري قائلاً : « وليس هو الذي روى تفسير الكلبي ذلك يسمّى محمّد بن مروان السدّي ». والمعروف الذي يتبادر إليه « السدّي » في الأحاديث هو الأوّل ، خصوصاً في مجال التفسير. والظاهر أن كلاهما شيعيّان ، أو على الأقلّ يميلان إلى أهل البيت عليهم السلام ، فيكونان رافضيّان عند أهل السنّة. 3 ـ ابن قتيبة : الذي ينقل من كتابه « الإمامة والسياسة » ، ومن كتابه « المعارف » هو الأوّل العالم السنّي ، وكلّ ما ينقل الشيعة موجود في كتابيه ، فليراجع النصوص المنقولة عنهما من الكتابين المطبوعين في مطابع أهل السنّة. 4 ـ ابن بطة : الشيعة حينما ينقلون عن عالم من علماء أهل السنّة يذكرون كتابه ، وينقلون عن كتابه ، والكتب بحمد الله مطبوعة في مطابع أهل السنّة ، وموجودة في الأسواق ، ويمكن مراجعتها ، والتشابه الأسمي على تقدير وجوده لا يؤثّر في صحّة النقل والاسناد ، خصوصاً في هذا العصر الذي يتمكّن فيه المحقّق من مراجعة النسخ الخطيّة الأصلية ، فضلاً عن المطبوعة. 5 ـ ابن أبي الحديد المعتزلي : إذا كان الرفض والتشيّع حبّ أهل البيت عليهم السلام ، فأكثر علماء وفقهاء ورواة أهل السنّة رافضة وشيعة كما قال الشافعي إمام الشافعية : إن كان رفضاً حبّ آل محمّد * فليشهد الثقلان أنّي رافضي أمّا إذا كان الرفض والتشيّع هو الاعتقاد بإمامة الأئمة الاثني عشر ، والتبري من أعدائهم ، ورفض خلافة الغاصبين ، فليس ابن أبي الحديد شيعيّاً ، بل هو من المتهالكين في نصرة مذهب أهل السنّة ، وتشييد أركان خلافتهم ، فراجع « شرح نهج البلاغة » لترى كيف يدافع عن الخلفاء دفاع المستميت ، ويكفي كلامه في أوّل كتابه : « الحمد لله الذي قدّم المفضول على الفاضل » ، الذي هو إشارة إلى شرعية خلافة أبي بكر. 6 ـ القندوزي الحنفي الرافضي : إذا كان كلّ مَن يروي روايات مطابقة لمذهب أهل البيت عليهم السلام رافضيّاً وشيعيّاً ، فجميع علماء أهل السنّة رافضيّون وشيعة حتّى البخاري ومسلم وأصحاب الصحاح ، فإنّهم يروون روايات كثيرة يستفيد منها الشيعة في احتجاجاتهم وأدلّتهم ، فراجع « فضائل الخمسة من الصحاح الستة ». 7 ـ إبراهيم بن محمّد الحمويني الشافعي الرافضي : قد سمّاه علماء أهل السنّة « شيخ الإسلام » ، كما سمّوا ابن تيمية ، والشيعة يعبّرون عن ابن تيمية بـ « شيخ الإسلام » فهل هو رافضي ؟ 8 ـ الكنجي الشافعي : صار شيعيّاً ورافضيّاً ؛ لأنّه ألّف كتاباً جمع فيه مناقب علي ابن أبي طالب من صحاح أهل السنّة وكتبهم المعتبرة ، وإلا فهو يصرّح بعقيدته في الخلفاء ، ولا يعترف بإمامة الأئمة الاثني عشر. وأمّا كلام ابن الأثير فلعلّ المراد غير صاحب كتاب « الكفاية » ، فإنّ الاسماء تتشابه كثيراً ، والعمدة تصريح رجال أهل السنّة وعلماؤهم الخبراء في علم الرجال والتراجم ، وقد صرّحوا بأنّ صاحب كتاب « كفاية الطالب » من أهل السنّة. 9 ـ سبط ابن الجوزي الحنفي الرافضي : إذا كان ذكرالأئمة الاثني عشر عليهم السلام ، خصوصاً ذكر الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف ، والتصريح بحياته موجباً للرفض والتشيّع من دون تصريح باعتقاد إمامتهم ، فابن حجر موّلف الصواعق المحرقة هو من الروافض مع أنّه ألّف هذا الكتاب في ردّ الروافض ، والحال أنّه ينقل في كتابه روايات في فضل الأئمة الاثني عشر عليهم السلام ، ويصّرح بولادة المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف ونسبه ، بل له كتاب آخر في أحاديث الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى خلاصة عن هذه الأباطيل هو أنّ الكفر له معانٍ كثيرة وردت في القرآن الكريم: منها : الكفر في مقابل الإسلام . ومنها : الكفر في مقابل الإيمان ، ويسمّى بكفر الطاعة ، فكلّ مَن يرتكب المعصية يُعدّ كافراً من حيث الطاعة . ومنها : الكفر في مقابل الشكر ، فكلّ مَن لا يشكر نعم الله يجوز توصيفه بالكفر كما قال تعالى : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } {الإنسان/3} . والإمامية : متفقون على أنّ كلّ مَن تشهّد الشهادتين ، وآمن بالمعاد ، ولم ينكر ضرورياً من ضروريات الدين كالصلاة والصوم والحجّ والزكاة ، فهو محكوم بالإسلام ، ويجري عليه جميع أحكام الإسلام من طهارة البدن ، وجواز التناكح معه ، واستحقاقه للإرث ، واحترام العرض والمال والنفس ، ووجوب تجهيزه وغسله والصلاة عليه ودفنه ، وغير ذلك من الأحكام. وليس هناك عالم من علماء الشيعة وفقاؤهم مَن يحكم بكفر بعض الصحابة أو بكفر المخالف لهم بهذا المعنى . والروايات ـ على تقدير صحّتها ـ ناظرة إلى الارتداد والكفر بالمعنى الثاني أو الثالث ؛ وذلك لصدور المعاصي والظلم والموبقات منهم . والعجيب أّنّ السائل ينسى ما يذكره علماؤهم ومحدّثوهم في صحاهم بالنسبة للصحابة ، وينسبون ذلك إلى علماء الشيعة ، مع أنّهم لا ذنب لهم إلاّ أنّهم نقلوا ما في صحاح العامّة . ففي صحيح البخاري في كتاب الرقاق في باب الحوض (ج 7 : ص 206 ـ 207) روى بسنده عن عبد الله عن النبيّ (ص) قال : « أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعن رجال منكم ، ثمّ ليختلجنّ دوني ، فأقول : ياربّ أصحابي . فيقال : أنّك لا تدري ما أحدوثوا بعدك ». ثمّ روي بسنده عن حذيفة عن النبيّ (ص) ثمّ عن أبي هريرة عن النبيّ (ص) بهذا اللفظ : إنّ رسول الله (ص) قال : « يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ، فيخلّون عن الحوض . فأقول : ياربّ أصحابي . فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ... ». وروى مسلم في صحيحه بطرق متدّدة عن عبد الله ، وعن حذيفة قال رسول الله (ص) : « أنا فرطكم على الحوض ، ولأنازعنّ أقواماً ، ثمّ لأغلبنّ عليهم ، فأقول : ياربّ أصحابي أصحابي . فيقال : أنّك لا تدري ما أحدوثوا بعدك ». أقول : اُنظر إلى قوله « ولأنازعنّ أقواماً ». والأقوام جمع القوم ، والقوم لا يطلق إلاّ على جماعة كثيرة ، فهؤلاء الجماعات من الصحابة أحدثوا بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وسوف يمنعون من الحوض . وفي صحيح البخاري كتاب الرقاق باب الحوض بسنده عن ابن عبّاس قال رسول الله (ص) : « تحشرون عراة عزلاً ، ثمّ قرأ : { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } {الأنبياء/104} . فأوّل مَن يكسى إبراهيم ، ثمّ يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال . فأقول : أصحابي . فيقال : إنّهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم . فأقول : كما قال العبد الصالح : { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } {المائدة/117} ». وفي صحيح البخاري (ج5 : ص191) كتاب التفسير ، باب : { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } {المائدة/117} . نظير هذا الحديث . فتكفير بعض الصحابة أو معظمهم ، والحكم بارتدادهم صدر من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، ونطقت بذلك الصحاح المعتبرة عند أهل السنّة ، فما ذنب الشيعة أن اعتمدوا على مثل هذه الأحاديث الظاهرة في خروجهم عن الإسلام بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، لكن الشيعة حملوا أمثال هذه الروايات على أنّ المراد أنّهم أرتدوا عن الإيمان ؛ لارتكابهم المعاصي والموبقات ، لا أنّهم خرجوا عن الإسلام بحيث يحكم بنجاستهم . ثمّ أنّ الصحابة كانوا كثيرين جدّاً حتّى ذكر بعضهم أنّ عدد الصحابة أكثر من مائة ألف صحابي ، وأكثر هؤلاء كانوا مؤمنين ملتزمين ، ولم يحدثوا ، ولم يبدّلوا ، ولم يرتدوا ، والشيعة تقدّس وتعظّم وتحترم هؤلاء ، وتعترف وتذعن بحقّهم العظيم على الإسلام والمسلمين ، فهم السلف الصالح الذين يقتدى بهم الشيعة . والذي يهتّم الشيعة بأنّهم يكفّرون الصحابة أو يحكمون بفسقهم يكون كاذباً مخادعاً ، يريد إيقاع الفتنة والفساد والتفرقة في المجتمع الإسلامي ، ويمهّد الطريق للكفّار لكي يتسلّطوا على رقاب المسلمين ، وكيف يكفّر الشيعة الصحابة وفيهم أمير المؤمنين ، وسيّد الموحدين ، وإمام المتقين ، علي ابن أبي طالب (عليه السلام) ، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة (عليهما السلام) ، وفيهم أسد الله وسد رسوله حمزة بن عبد المطّلب ، وجعفر الطيّار ، ومصعب بن عمير ، وزيد بن حارثة ، وحنظلة غسيل الملائكة ، وغيرهم ممّن استشهد في سبيل الله . ولعلّ : هذا القائل لا يرى سلمان ، والمقداد ، وعمّار بن ياسر ، وأبا ذرّ ، وخزيمة بن ثابت ، وابن التيهان ، وسعد بن عبادة ، وقيس بن سعد ، وأبا أيّوب الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري ، وأبا سعيد الخدري ، وجابر بن عبد الله ، وأُبيّ بن كعب ، خبّاب بن الأرثّ ، وأبا دُجانة ، وسعد بن معاذ ، والعبّاس ، وعبد الله بن العبّاس ، وعبد الله بن مسعود ، وحجر بن عدي ، وعمرو بن الحمق ، وسهل بن حنيف ، وأمثالهم من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . وقد ذكرنا أنّ عدد الصحابة كانوا يفوق المائة ألف صحابي ، والشيعة تقدّس أكثرهم ، وإنّما تتبرء من الظالمين والغاصبين والذين آذوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في عترته ، والذين بدّلوا وغيّروا . وإليك الروايات وفتاوى علماء الشيعة قديماً وحديثاً في معنى الكافر والمسلم : 1 ـ روى سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قلت له : أخبرني عن الإسلام والإيمان ، أهما مختلفان ؟ قال (عليه السلام) : « إنّ الإيمان يشارك الإسلام ، والإسلام لا يشارك الإيمان ». فقلت : فصفها لي ؟ فقال : « ا لإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله ، والتصديق برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبه حقنت الدماء ، وعليه جرت المناكح المواريث ، وعلى ظاهره جماعة من الناس ، والإيمان الهدى ، وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام ، وما ظهر من العمل به ، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة ... ». (الكافي 2 : 25). أقول : ويشير إلى هذا الفرق قوله تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا } {الحجرات/14} . 2 ـ في الكافي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث : « و الإسلام ما ظهر من قول أو فعل ، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها ، وبه حقنت الدماء ، وعليه جرت المواريث ، وجاز النكاح ، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والحجّ والصوم ، فخرجوا بذلك عن الكفر ، وأُضيفوا إلى الإيمان ». 3 ـ في حديث عن الصادق (عليه السلام) ، رواه الكافي عن عبد الرحيم القصير قال كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن الإيمان ما هو؟ فكتب إليّ مع عبد الملك بن أعين : « سألت ـ رحمك الله ـ عن الإيمان ، والإيمان هو الإقرار باللسان ، وعقد في القلب ، وعمل بالأركان ، والإيمان بعضه من بعض ، وهو دار ، وكذلك الإسلام دار ، والكفر دار ، فقد يكون العبد مسلماً قبل أن يكون مؤمناً ، ولا يكون يكون مؤمناً حتّى يكون مسلماً ، فالإسلام قبل الإيمان ، وهو يشارك الإيمان ، فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي ، أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عزّوجلّ عنها كان خارجاً من الإيمان ، ساقطاً عنه اسم الإيمان ، ثابتاً عليه اسم الإسلام ، فإن تاب واستغفر عاد إلى الإيمان ، ولا يخرجه إلى الكفر إلاّ الجحود والاستحلال أن يقول : للحلال هذا حرام ، وللحرام هذا حلال ، ودان بذلك ، فعندها يكون خارجاً عن الإسلام والإيمان ، داخلاً في الكفر ». 4 ـ أبواب مقدمة العبادات من كتاب وسائل الشيعة روى زراة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا ، لم يكفروا ». 5 ـ روى محمّد بن مسلم قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) جالساً عن يساره ، وزرارة عن يمينه ، فدخل أبو بصير فقال يا أبا عبد الله : ما تقول فيمن شكّ في الله ؟ فقال : « كافر ، يا أبا محمّد ». قال : فشكّ في رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ فقال : « كافر ». ثمّ التفت إلى زرارة فقال : « إنّما يكفر إذا جحد ». 6 ـ رواية سفيان بن السمط سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإسلام والإيمان ما الفرق بينهما؟ إلى أن قال (عليه السلام) : فقال : « الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحجّ البيت ، وصيام شهر رمضان ، فهذا الإسلام » . وقال (عليه السلام) : « الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا ، فإن أقرّ بها ، ولم يعرف هذا الأمر كان مسلماً ، وكان ضالاً ». (الوافي باب الأوّل من أبواب تفسير الإيمان والكفر). وبقرينة هذه الروايات نحمل كلّ رواية أو نصّ من العلماء تشمل على كفر المخالف على أنّ المراد هو الكفر في مقابل الإيمان ، فإنّ الروايات تفسّر بعضها البعض الآخر ، ولابدّ من الرجوع في مجملاتها ومتشابهاتها إلى المحكمات والنصوص . نعم لوكان المخالف جاحداً للضروري من الأحكام الإلهية ، ومنكراً لما ثبت عنده بالدليل القطعي أّنّه حكم الله يكون كافراً ، ويخرج بذلك عن الإسلام ، لكن عموم المخالفين لا يجحدون الحقّ ، وإنّما أُخفي عنهم الحقّ ، ولو عرفوه لأذعنوا به. ملاحظة مهمّة : إنّ مَن يحكم على فرقة أو طائفة بأنّ عقيدتهم كذا وكذا ، فلابدّ أن يستند ذلك إلى إجماع علمائهم ، أو على الأقلّ إلى المشهور بينهم ، فلو أراد أن ينسب إلى الشافعية مثلاً : أنّهم قائلون بالجبر ، فليس من الصحيح أن يفحص عن عالم من علمائهم يقول بذلك ، ثمّ ينسب هذا القول إلى مذهبهم ، بل لو كان إجماعهم أو شهرتهم على ذلك الشخص خاصّ أو الأشخاص . فنسبة القول بتكفير أهل السنّة وبعض فرق الشيعة ليست صحيحة لمجرّد الاستناد إلى أقوال بعض العلماء أو بعض الروايات حتّى لو كان المراد بذلك الكفر الحقيقي مع أنّه ليس مرادهم ذلك ، بل مرادهم ـ كما ذكرنا ـ الكفر مقابل للإيمان الذي يجتمع مع الإسلام ، ويجري عليه جميع أحكام الإسلام . فإنّ الروايات المعتبرة الصحيحة صرحت بأنّ الكافر إنّما هو مَن ينكر الشهادتين والمعاد ، أو يجحد حكماً من الأحكام الإلهية بعد ثبوته بالأدلّة القطعية ، وهكذا فتوى الأصحاب على ذلك ، فراجع الكتب الفقهية لعلماء الشيعة.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى الحجّة عليهم الأخبار المتواترة من طرق الشيعة والسنّة أن الأئمة (عليهم السّلام) اثنا عشر كلّهم من قريش ، والأحاديث التي تصرّح بأسماء الأئمة (عليهم السّلام) ، والتي صدرت عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، أو فاطمة الزهراء (عليها السّلام) قبل أن يولد إسماعيل أو زيد بن عليّ ، مثل : حديث لوح جابر ، وقد روى بعض علماء أهل السنّة روايات تتضمّن اسماء الأئمة (عليهم السّلام) واحداً بعد واحد ، فراجع كتاب ينابيع المودّة للقندوزي ، وقد استفاض عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال للحسين (عليه السّلام) : « أنت إمام ابن إمام ، أخو إمام ، أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم ».