لقد وددت دراسة العلم الشرعي في أوقات فراغي ، لا لأكون فقيهاً ، ولكن لأعرف ديني وأكون متعمّقاً فيه ، فقهاً واُصولاً ، وعندما فاتحت أحدهم ـ حفظه الله ـ أوصاني بقراءة شيء من الفقه والنحو ، بالإضافة إلى حلقات الشهيد الصدر في الأصول ، وشيء من الفلسفة وعلم الكلام ، ورجوته رعاه الله أن يفسّر لي ما هو هذا الشيء الذي عليّ أن أقرأه من الفقه والنحو والفلسفة وعلم الكلام ؟ فأجاب مشكوراً ـ الرسالة العمليّة وشرح اللمعة في الفقه ، شرح الألفيّة في النحو ، شرح التجريد في الكلام ، وشرح المنظومة في الفلسفة ، خلاصة القول أنّه لم يجب أحدهم على سؤالي حسب النهج الذي أريده وذلك لمشاغلهم ـ وفقهم الله ـ والأيّام تمضي وأخاف أن تخمد هذه الرغبة في نفسي فالتجأت إليكم لتساعدوني على الطاعة. فوالله ما أبغي إلّا أن ينطبق عليّ الحديث الشريف « صلاة العالم أفضل بسبعين ». لقد أطلت عليكم أحبّتي ولكنّي أبثّ همّي إليكم لإجابتي على سؤالي ، وهو ما هو المنهاج الذي يدرسه الطالب الحوزويّ بدءاً بالمقدّمات ، وانتهاءً بالسطوح ـ أي بدءاً بالرسالة العمليّة ، وانتهاء بالرسائل والكفاية إن كنتم تفضلونها عن الحلقات ـ ، اُريد التفصيل إن أمكن والرجاء عدم الاعتماد على منهاج التثقيف الدينى. إنّ ما أرجوه هو برنامج الطالب الحوزويّ والذي يؤهّله لدخول أبحاث الخارج ، الرجاء أخذ الحريّة في الإجابة ، مع العلم بأنّني سأستعين بعلماء منطقتي في حلّ جميع ما يشكل عليّ ، وفي نيّتي دخول بعض الحوزات القريبة « كالبحرين والإحساء » في دورات خاصّة مكثفة في أيّام إجازاتي لدراسة ما يحتاج مراجعته تحت يد مدرّس ، أمّا كتب النحو والصرف فسأستعين بمدرّس خاص من الجامعة ، إنّي ـ وأعوذ بالله من كلمة أنا ـ على قدر وافٍ من الثقافة الدينيّة وما ينقصني إلّا الدراسة المنهجيّة ، الرجاء عدم إهمال سؤالي ـ فقد استغرقت كتابته دهراً ـ داعياً المولى أن يكحل عيناي برؤيتكم ، ونحن ننهل معاً من علم آل محمّد عليهم السلام تحت أحد منابر مدرسي بحث الخارج سريعاً ـ إن شاء الله ـ إنّي أعلم أنّ منهاج الدراسة الحوزويّة يستغرق قرابة العشر من السنين للطالب المتفرّغ ، ولكنّني سأخطوها في أقلّ من ذلك بدعائكم لي ـ والمؤمنين ـ بالتوفيق. وإنّ الله يقصّر المدّة لأيّ مجتهدٍ في سبيله.
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضيفي البداية أحيي فيك الرغبة الصادقة في الدراسة الدينيّة التي قلّ الراغبون بها في هذه الأيّام مع الأسف الشديد ، مع أنّها ـ في الجملة ـ مطلوبة من كلّ مسلم حتّى يعرف معالم دينه ويسير على هدىً من أمره ، فيأتي بما يريده الشارع المقدّس ويترك ما حرّمه و نهى عنه ، ولذا ورد في رواية معتبرة إنّ الإمام الصادق عليه السلام سئل عن قول الله تعالى : ( قُلْ فَلِلَّـهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) [ الأنعام : 149 ] ؟ فقال عليه السلام : « إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالما ؟ فإن قال : نعم ، قال له : أفلا عملت بما علمت ؟ وإن قال : كنت جاهلاً ، قال له : أفلا تعلَّمت حتّى تعمل ؟ فيخصمه ، وذلك الحجّة البالغة » (1).
ثمّ إنّ ما طرحته في رسالتك تارةً تريد به الاطّلاع على مناهج الدراسة الحوزويّة المقرّرة في الحوزات العلميّة المعروفة لغرض الانتماء إليها ودراسة تلك المناهج .. ، واُخرى تريد معرفة المنهج الدراسي المناسب لك باعتبارك غير متفرّغ للدراسة التخصّصية ، وباعتبار أنّ هدفك من الدراسة هو تحصيل الثقافة الدينيّة بمعناها الواسع. وطبعاً الجواب مختلف جدّاً ، إن كان المقصود الأوّل ، فالمناهج الدراسيّة في الحوزة معروفة تبدأ بالمقدّمات ، ثمّ السطوح ، ثمّ بحث الخارج ، وهي تحتاج إلى اُمور :
1 ـ تفرغ كامل ، أيّ عدم الانشغال بأيّ أمر آخر سواها.
2 ـ استعداد ذهني جيّد ، باعتبار أنّها دراسة معمّقة ودقيقة يكون استيعابها والاستفادة منها موقوفاً على قابليّة جيّدة وذكاء عال.
3 ـ الرغبة الصادقة والاندفاع الذاتي في الدراسة ، النابع من معرفة أهميّتها والنتائج المهمّة المترتّبة عليها.
4 ـ الانتماء إلى إحدى الحوزات المعترف بها والدراسة فيها ، فلا يكفي أن يقرأ الطالب المناهج المقرّرة بنفسه ، أو يعتمد على سماع الدروس المسجّلة على الكاسيت أو نحو ذلك.
هذه أهمّ الاُمور التي لا بدّ من توفّرها في هذا المجال ، فإن كانت الشروط متوفّرة فيك ، فأهلاً وسهلاً بك في هذه الجامعة الدينيّة ، وستعرف تفاصيل أكثر عن سير الدراسة والمناهج والأساتذة وغير ذلك من الاُمور إذا عزمت على الانتماء إليها.
وأمّا إذا كان مقصودك هو الثاني ، فتحديد المنهج المناسب يرتبط بمعرفة بعض الاُمور المتعلّقة بك ، مثل الساعات التي تتفرّغ فيها للدراسة ، ومقدار ما تملكه من معلومات دينيّة وغير ذلك ، ولذا فأنا أقترح أن تراجع أحد طلّاب الحوزة المعتمدين والموثوقين للاستنارة برأيه في هذا المجال ، وإذا بقي عندكم سؤال فنحن في خدمة إخواننا المؤمنين.
الهوامش
1. كتاب الأمالي ـ الشيخ المفيد ـ / الصفحة : 228 / الناشر : جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة.