السؤال: كيف تثبتون عصمة الأولياء مع ثبوت ذلك للأنبياء فقط ؟

إخوتي أتباع المذهب الشيعي عصمة الأنبياء فيها دليل واضح وقطعي في القران الكريم ، وذلك لأنّهم رسل يؤدّون الأمانة والرسالة ، أمّا عصمة الأولياء ـ وخاصّة عدد معيّن أنتم تتّبعونهم ـ فلا دليل قطعي في القرآن ، بل تفسير لآيات بما أنتم ترونه يناسب. لماذا الله الرحيم يحيّر عبده بإعتقاد واجب غيبي ؟ كلّ هذا الدفاع منكم عن الموضوع كي تجعلوا الأولياء المعنيين كالرسل ، ثمّ تبنوا علی أقوالهم مذهب وتوجّه دين خاصّ ما أنزل الله به من سلطان واضح ، وكلّ ما تفعلونه يجعلكم تهملون وتبتعدون عن المقائد الأول صحاب الرسالة الحبيب المصطفی ، والدليل عند متابعة أي موضوع فقهي علی المذهب الجعفري يكون أقوال الرسول المعصوم !! إمّا قليلة أو غير موجودة مقارنة بالأولياء المتبعين منكم.

السيّد جعفر علم الهدى الجواب من السيّد جعفر علم الهدى

منذ ٣ سنوات
٣.٣K

الجواب:

أخي العزيز :

أوّلاً : كثير من علماء أهل السنّة لا يرون لزوم عصمة الأنبياء والرسل ، ويستدلّون بالقرآن الكريم مثل قوله تعالى : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) [ طه : 121 ] ، وقوله تعالى : ( فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ) [ القصص : 15 ] ، وقول موسى لفرعون : ( فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) [ الشعراء : 20 ] ، وقوله تعالى في قصّة يوسف : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ) [ يوسف : 24 ] ، وقوله تعالى للنبي محمّد صلّى الله عليه وآله : ( لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) [ الفتح : 2 ] ، وقوله تعالى أيضاً : ( عَفَا اللَّـهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) [ التوبة : 43 ] ، وقوله تعالى : ( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) [ الإسراء : 74 ] ، وقوله تعالى : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ الزمر : 65 ].

ومن القائلين بجواز صدور المعصية من الأنبياء ـ قبل النبوّة ـ ، المفسّر الكبير الفخر الرازي ، وأبو هذيل ، وأبو علي الجبائي.

بل قال بعضهم انّه يجوز صدور الكبائر والصغائر عن الأنبياء عمداً وسهواً وخطأً ، وهو قول الحشويّة ، وكثير من أصحاب الحديث من أهل السنّة.

نعم ، علماء الشيعة تبعاً لأئمّة أهل البيت عليهم السلام ذهبوا إلى عصمة الأنبياء والرسل من جميع المعاصي والذنوب ، بل من السهو والنسيان ، وقد ذكروا تأويلات وتوجيهات للآيات المتقدّمة لا تتنافي مع عصمة الأنبياء ؛ فراجع احتجاج الإمام الرضا عليه السلام على المأمون العباسي في حديث طويل يذكر فيه الإمام عليه السلام تأويل وتفسير الآيات. [ بحار الأنوار للشيخ المجلسي/ المجلّد : 11 / الصفحة : 78 ـ 85 ، وعيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق / الصفحة : 108 ـ 114 ، والإحتجاج للطبرسي / الصفحة 233 ـ 237 ].

ثانياً : الإمامة والخلافة عند الشيعة امتداد لخطّ النبوّة والرسالة ؛ لأنّ الله تعالى ورسوله لم يتركا الأمّة سدىً وبلا راع وحجّة من الله بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله ، ولذلك جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله المسلمين وهم أكثر من مائة ألف في غدير خم بعد حجّة الوداع ، وعيّن عليّاً عليه السلام أمير المؤمنين وإماماً وخليفة من بعده ، وقال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه ».

فراجع كتاب الغدير للشيخ الأميني ، خصوصاً الجزء الأوّل لترى مصادر هذا الحديث من طرق أهل السنّة. ومن أراد الحقّ والحقيقة فليترك التعصّب ويفحص عن الواقع بعين البصيرة.

ثالثاً : الإمام لابدّ أن يكون معصوماً كالنبي والرسول. ودليل العصمة عقلي ، ولا فرق فيه بين النبي أو وصيّه الذي نصبه الله خليفة وحجّة من الله تعالى على العباد بعد النبي صلّى الله عليه وآله ، لقوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة : 124 ]. والمراد من العهد هو منصب الإمامة ، فلا ينالها من ارتكب المعاصي والذنوب أو كان كافراً أو مشركاً ولو في لحظة من حياته ، لأنّ الشرك لظلم عظيم.

وقد أعطى الله تعالى لابراهيم مقام الإمامة : ( جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) بعد أن أعطاه الله مقام النبوّة والرسالة ، بعد أن جعله خليلاً ، لأنّ الله تعالى ابتلاه بذبح ابنه إسماعيل ، وقد كان إبراهيم نبيّاً ورسولاً قبل أن يولد إسماعيل ، حيث أنّ الله رزقه الولد بعد ان كان شيخاً كبيراً ، حيث يقول : ( الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) [ ابراهيم : 39 ]. فكان ابراهيم نبيّاً ورسولاً ثمّ أعطاه الله إسماعيل ، ثمّ ابتلاه فأمره بذبح ابنه إسماعيل ، وبعد ان نجح في الإمتحان وعمل بما أمره الله تعالى جعله الله إماماً ، ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ).

وقد اعترف الفخر الرازي في تفسيره بأنّه يمكن ان يكون المراد من العهد الإمامة ، قال المراد بهذا العهد إمّا عهد النبوّة أو عهد الإمامة ، فان كان المراد عهد النبوّة ثبت المطلوب ـ أيّ لزوم عصمة النبي بعد النبوّة ـ ، وان كان المراد عهد الإمامة فكذلك ؛ لانّ كلّ نبي لابدّ ان يكون إماماً يؤثم به وتقتدى به ، فالآية على جميع التقديرات تدلّ على انّ النبي لا يكون مذنباً.

 

التعليقات

Loading...

محتوى ذو صلة