الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : ليست أسباب العصمة منحصرة في العلم بعواقب الذنوب ، بل هناك علل أخرى كالتقوى الكاملة ومعرفة عظمة الخالق والتدبّر في نعم الله تعالى ولزوم شكره بالمقدار المناسب لنعمه وإحسانه وفضله. ثانياً : العلم بعواقب الذنوب موجود لدى كلّ إنسان يؤمن بالله تعالى وباليوم الآخر ، لكن يحصل لدى أكثر الناس الغفلة عن التدبّر والتفكّر في ذلك ، وهذه الغفلة ناشئة من ترك الاشتغال الدائم بذكر الله وعبادته وطاعته باللسان والقلب وبالقول وبالعمل ، فالله تعالى يقول : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ]. ثالثاً : انّ العلم بعواقب الذنوب مهما كان قويّاً لا يجعل المعصوم مجبراً بحيث يترك الذنوب اجباراً واضطراراً ، ولا يكون له القدرة والإرادة على ارتكاب الذنوب ، فالإمام المعصوم عليه السلام يترك الذنوب والمعاصي باختياره وإرادته ، فهو مثل سائر الناس في انّه ليس مجبراً على ترك الذنوب ، غاية الأمر بسبب معرفته الكاملة بعظمة الخالق وقدرته وكبريائه وحقّه العظيم على المخلوقين وفضله وأنعامه يقاوم نفسه الأمّارة بالسوء ، ويقف بوجه الشيطان ولا يصغي إلى وسوسته وكيده ، ويترك الذنوب بمحض إرادته واختياره. وهذه المعرفة الكاملة انّما حصل لأجل جهوده وكثرة تدبّره ويقظته ومنع نفسه عن الغفلة بالاشتغال المتواصل بالطاعات والعبادات والتوجّه الكامل إلى الحضرة الربوبيّة والإخلاص في التقرّب إلى الله تعالى.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الله تبارك وتعالى يقول على لسان النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ) [ فصلت : 6 ] ؛ فالمعصومون من الأنبياء والرسل والأئمّة عليهم السلام من حيث القابليّات الجسميّة مثل سائر أفراد الإنسان ، فهم يأكلون ويشربون وينامون ويتمرّضون ويستريحون ويتعبون ، لكن هناك مطلبان لا بدّ من ملاحظتهما : أوّلاً : أنّ القابليّات المعصومين عليهم السلام الروحيّة والنفسيّة تختلف عن سائر البشر ، فالحلم والصبر والتحمّل والأخلاق الحميدة والصفات الكماليّة في المعصومين أعظم وأكثر وأشدّ ، ولأجل ذلك يتحمّلون المصائب والبلايا العظيمة ويصبرون عليها ، ويحصل لديهم حالة التسليم والرضا بقضاء الله وقدره. ثانياً : قد يفيض الله تعالى على بعض المعصومين عند وجود مصلحة من المصالح القوّة وقدرة بدنيّة خارة للعادة ، كما حصل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حينما فتح قلعة خيبر ، فقلع باب الحصن الذي كان يعجز عن تحريكه أربعون رجلاً ، ثمّ جعله كالجسر لكي يعبّر عليه المسلمون ويدخلون الحصن ، كما قال ابن أبي الحديد المعتزلي : يا قالع الباب الذي عن هزّه عجزت أكفّ أربعون وأربع وكما حصل للإمام الجواد عليه السلام حيث لم يؤثر في جسمه الشريف السيوف ، حينما اغتالوه وهو نائم في فراشه.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أخي العزيز : أوّلاً : كثير من علماء أهل السنّة لا يرون لزوم عصمة الأنبياء والرسل ، ويستدلّون بالقرآن الكريم مثل قوله تعالى : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) [ طه : 121 ] ، وقوله تعالى : ( فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ) [ القصص : 15 ] ، وقول موسى لفرعون : ( فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) [ الشعراء : 20 ] ، وقوله تعالى في قصّة يوسف : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ) [ يوسف : 24 ] ، وقوله تعالى للنبي محمّد صلّى الله عليه وآله : ( لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) [ الفتح : 2 ] ، وقوله تعالى أيضاً : ( عَفَا اللَّـهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) [ التوبة : 43 ] ، وقوله تعالى : ( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) [ الإسراء : 74 ] ، وقوله تعالى : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ الزمر : 65 ]. ومن القائلين بجواز صدور المعصية من الأنبياء ـ قبل النبوّة ـ ، المفسّر الكبير الفخر الرازي ، وأبو هذيل ، وأبو علي الجبائي. بل قال بعضهم انّه يجوز صدور الكبائر والصغائر عن الأنبياء عمداً وسهواً وخطأً ، وهو قول الحشويّة ، وكثير من أصحاب الحديث من أهل السنّة. نعم ، علماء الشيعة تبعاً لأئمّة أهل البيت عليهم السلام ذهبوا إلى عصمة الأنبياء والرسل من جميع المعاصي والذنوب ، بل من السهو والنسيان ، وقد ذكروا تأويلات وتوجيهات للآيات المتقدّمة لا تتنافي مع عصمة الأنبياء ؛ فراجع احتجاج الإمام الرضا عليه السلام على المأمون العباسي في حديث طويل يذكر فيه الإمام عليه السلام تأويل وتفسير الآيات. [ بحار الأنوار للشيخ المجلسي/ المجلّد : 11 / الصفحة : 78 ـ 85 ، وعيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق / الصفحة : 108 ـ 114 ، والإحتجاج للطبرسي / الصفحة 233 ـ 237 ]. ثانياً : الإمامة والخلافة عند الشيعة امتداد لخطّ النبوّة والرسالة ؛ لأنّ الله تعالى ورسوله لم يتركا الأمّة سدىً وبلا راع وحجّة من الله بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله ، ولذلك جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله المسلمين وهم أكثر من مائة ألف في غدير خم بعد حجّة الوداع ، وعيّن عليّاً عليه السلام أمير المؤمنين وإماماً وخليفة من بعده ، وقال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه » . فراجع كتاب الغدير للشيخ الأميني ، خصوصاً الجزء الأوّل لترى مصادر هذا الحديث من طرق أهل السنّة. ومن أراد الحقّ والحقيقة فليترك التعصّب ويفحص عن الواقع بعين البصيرة. ثالثاً : الإمام لابدّ أن يكون معصوماً كالنبي والرسول. ودليل العصمة عقلي ، ولا فرق فيه بين النبي أو وصيّه الذي نصبه الله خليفة وحجّة من الله تعالى على العباد بعد النبي صلّى الله عليه وآله ، لقوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة : 124 ]. والمراد من العهد هو منصب الإمامة ، فلا ينالها من ارتكب المعاصي والذنوب أو كان كافراً أو مشركاً ولو في لحظة من حياته ، لأنّ الشرك لظلم عظيم. وقد أعطى الله تعالى لابراهيم مقام الإمامة : ( جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) بعد أن أعطاه الله مقام النبوّة والرسالة ، بعد أن جعله خليلاً ، لأنّ الله تعالى ابتلاه بذبح ابنه إسماعيل ، وقد كان إبراهيم نبيّاً ورسولاً قبل أن يولد إسماعيل ، حيث أنّ الله رزقه الولد بعد ان كان شيخاً كبيراً ، حيث يقول : ( الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) [ ابراهيم : 39 ]. فكان ابراهيم نبيّاً ورسولاً ثمّ أعطاه الله إسماعيل ، ثمّ ابتلاه فأمره بذبح ابنه إسماعيل ، وبعد ان نجح في الإمتحان وعمل بما أمره الله تعالى جعله الله إماماً ، ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) . وقد اعترف الفخر الرازي في تفسيره بأنّه يمكن ان يكون المراد من العهد الإمامة ، قال المراد بهذا العهد إمّا عهد النبوّة أو عهد الإمامة ، فان كان المراد عهد النبوّة ثبت المطلوب ـ أيّ لزوم عصمة النبي بعد النبوّة ـ ، وان كان المراد عهد الإمامة فكذلك ؛ لانّ كلّ نبي لابدّ ان يكون إماماً يؤثم به وتقتدى به ، فالآية على جميع التقديرات تدلّ على انّ النبي لا يكون مذنباً.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لابدّ من توجيه هذه الآيات وتفسيرها بنحو لا يتنافي مع عصمة الأنبياء عليهم السلام. مثلاً بالنسبة لآدم عليه السلام نقول : انّه ترك الأولى ، فسمّي ذلك عصياناً. أو نقول بانّ قوله تعالى : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) (1) ، يراد به مخالفة الأمر الارشادي ، لا الأمر المولوي ؛ فانّ الله تعالى أوحى لآدم انّك إذا أردت البقاء في الجنّة فلا تأكل من هذه الشجرة ، وهذا النهي ارشادي ، كنهي الطبيب المريض عن أكل الحامض مثلاً ، ومثل هذا النهي لا يكون مخالفته قادحاً في العصمة ، بل غاية ما هنالك انّه يترتّب عليه الأثر ، وهو الخروج من الجنّة والابتلاء بالاستقرار في الأرض. وأمّا بالنسبة للنبي الأعظم محمّد صلّى الله عليه وآله ، فأكثر الآيات الموهمة لوقوع الخطأ أو الذنب يراد بها غير النبي صلّى الله عليه وآله ، كقوله : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (2) ، فان الشرك مستحيل في حقّ النبي المعصوم ، لكن الخطاب متوجّه ظاهراً إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، لكنّه واقعاً متوجّه إلى سائر المسلمين من باب « اياك اعني واسمعي يا جارة ». وهناك رواية مفصّلة عن الإمام الرضا عليه السلام ذكر تأويل الآيات التي تكون ظاهرها متنافية مع عصمة الأنبياء في مجلس المأمون ، نذكر بعض أجوبته : فقال المأمون : لله درّك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) . قال الرضا عليه السلام : « هذا ممّا نزل بإيّاك أعني واسمعي يا جارة ، خاطب الله عزّ وجلّ نبيّه صلّى الله عليه وآله وأراد به اُمّته ، وكذلك قوله عزّ وجلّ : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) وقوله عزّ وجلّ : ( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) » . قال : صدقت يابن رسول الله ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّـهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّـهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) . قال الرضا عليه السلام : « إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي في أمرٍ أراده ، فرأى امرأته تغتسل ، فقال لها : سبحان الذي خلقك ! وإنّما أراد بذلك تنزيه الباري عزّ وجلّ عن قول من زعم أنّ الملائكة بنات الله ، فقال الله عزّ وجلّ : ( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ) . فقال النبي صلّى الله عليه وآله : لمّا رآها تغتسل : سبحان الذي خلقك أن يتّخذ ولداً ، يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال ، فلمّا عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وقوله لها : سبحان الذي خلقك ! فلم يعلم زيد ما أراد بذلك ، وظنّ أنّه قال ذلك لما أعجبه من حسنها ، فجاء إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، وقال له : يا رسول الله ، إنّ امرأتي في خلقها سوء ، وإنّي اُريد طلاقها. فقال له النبي صلّى الله عليه وآله : أمسك عليك زوجك واتّق الله ، وقد كان الله عزّ وجلّ عرّفه عدد أزواجه ؛ وأنَّ تلك المرأة منهنّ ، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيدٍ ، وخشي الناس أن يقولوا : إنّ محمّداً يقول لمولاه : إنّ امرأتك ستكون لي زوجة ، فيعيبونه بذلك ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ ) يعني بالإسلام ( وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ) يعني بالعتق ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّـهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّـهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) . ثمّ إنّ زيد بن حارثة طلّقها واعتدّت منه ، فزوّجها الله عزّ وجلّ من نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وأنزل بذلك قرآناً ، فقال عزّ وجلّ : ( فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ مَفْعُولًا ) . ثمّ علم الله عزّ وجلّ أنّ المنافقين سيعيبونه بتزويجها ، فأنزل الله تعالى : ( مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ) . (3) الهوامش 1. طه : 121. 2. الزمر : 65. 3. عيون أخبار الرضا عليه السلام « للصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 262 ـ 264 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم / الطبعة : 1. راجع : بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 11 / الصفحة : 83 ـ 84 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. راجع : الاحتجاج « للطبرسي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 434 ـ 436 / الناشر : انتشارات أسوة / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: العصمة ليست أمراً غير اختياري ، والمعصوم كغيره من الناس يفعل أعماله وأفعاله عن ارادة واختيار ، فهو ليس مضطرّاً الى فعل الطاعات أو ترك المحرّمات ، بل يطيع الله تعالى بارادته واختياره ، لكنّه لعلمه الكامل وإحاطته الشاملة يختار الإطاعة ويترك المخالفة لله. فان درجات العلم مختلفة ، وكلّ مرتبة من مراتب العلم واليقين تقتضي ما يتناسب مع تلك المرتبة من الإطاعة أو العصيان ، فالذي ليس له علم كامل بعظمة وقدرته وفضله واحسانه وانعامه ، وليس له علم كامل بقبح الذنوب والمعاصي في نفسها ، وبقبح مخالفة الله تعالى ، فلا محاله قد يغفل ويرتكب الذنب والمعصية ، أو يترك الواجب باختياره ؛ وهذا هو غير المعصوم. امّا الذي له علم كامل بعظمة الله وقبح مخالفته ، وله علم كامل بالمصالح والمفاسد الموجودة في الأفعال والأعمال ، فهذا العلم مع التوفيق والتسديد من الله عزّ وجلّ يقتضي ان يطيع الله ولا يخالفه ، ويفعل الواجبات والطاعات بإرادته وإختياره ، ويترك المحرّمات باختياره ، وهذا هو المعصوم. فالعصمة من آثار العلم الكامل ، ومن المعلوم انّ العلم لا يكون علّة تامّة للأفعال والأعمال ، بل تحتاج معذلك إلى الإرادة والإختيار. ولنذكر مثالاً واضحاً لذلك : فالطفل الذي لا يعلم بأنّ النار محرقة ، أو علمه ليس كاملاً ، يمدّ يده إلى النار ، فتحترق يده ، لكن الذي يعلم بانّ النار محرقة ، لا يقترب منها ، ولا يمدّ يده إليها ، لكنّه ليس مجبوراً على ذلك ، ويتمكّن ان يمدّ يده إلى النار ويحترق ، لكنّه لا يفعل ذلك باختياره لعلمه الكامل بانّ النار محرقة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ما هو قولكم بعصمة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وإذا كان معصوماً فلماذا يعاتبه الله في بعض الآيات القرانية مثل : ( إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) . اظن ان هذه موجه للنبي صح وفيها عتاب له وإلاّ لو لم يكن عتاب فمن حلّل ما حرّمه الله أو العكس فهو كفر ، لكن للرسول عتاب ، وهذا معنى الذنب في حقّه ايّ انّه يفعل شيء ويعاتب عليه ويكون دقيق جداً ولا يعلم انّه خطأ ولا يرجع إليه بعد العتاب تعالى نشوف نقض العصمه 1 : لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا 2 : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ 3 : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ومن هنا الخطاب واضح انّه للرسول صل الله عليه وسلم ولا حاجه لكلام باطل يخالف القرآن ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) . وهذا كلام السنة في نقض العصمة فما هو ردّكم عليهم وبالأدلّة من القرآن ومن كتبهم غير آية التطهير ؟ وما تفسير الآيات السابقة ؟ لا حاجة في إثبات عصمة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم و الأئمّة المعصومين عليهم السلام إلى آية التطهير أو آية اُخرى فانّ الحاكم بالعصمة هو العقل القطعي حيث انّه من المستحيل أن يفرض الله طاعة شخص على الاُمّة في كلّ ما يأمر وينهي مع عدم كونه مأموناً من الذنب والكذب والخطأ و السهو والله تعالى أمر بإطاعة النبي الأعظم إطاعة مطلقة. قال تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) [ الحشر : 7 ] وقال تعالى : ( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله ) [ النساء : 80 ] فاذا لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً من الكذب والخطأ لا يعقل أن يأمر الله تعالى اُمّته بأتباعه وإطاعته في كل ما يقول ويحكم و يأمر وينهي ، بل يكون ذلك نقصاً للغرض ولله سبحانه حكيم لا يصدر منه نقض الغرض فكيف يأمر الناس بإطاعة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم لأجل الهداية والوصول إلى الكمال بإمتثال أحكام الشريفة المقدّسة مع عدم كونه معصوماً قد يخطأ أو يكذب نعوذ بالله في بيان الأحكام الإلهيّة فيقع الناس في الضلال والانحراف فلابد أن يحكم العقل بعصمة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وكل من جعله الله تعالى حجّة على الخلق وافترض طاعته عليهم ، ومع هذا الدليل العقلي على لزوم عصمة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لابدّ من تفسير الآيات التي يظهر منها ما ينافي العصمة بنحو لا يتنافي واقعاً مع العصمة الواجبة في النبيّ الأعظم بحكم العقل وبالآيات الشريفة. امّا الآية الاولى فليس فيها ما يحسّ كرامة النبيّ وعصمة فانّ المراد من قوله : ( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) فالمراد انّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يعلم بعدد أزواجه وقد كان فيهنّ زينب بنت جحش ، لكنّها كانت زوجة زيد بن حارثة فكان يخفي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم انّ زينب سوف تكون زوجة له بل حينما استأذن زيد بن حارثة من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ان يطلّق زينب نهاه النبي وقال له : « اتّق الله وامسك عليك زوجك » . وامّا خشيته من الناس فهو أمر طبيعي لأنّه لو كان يقول انّ زينب سوف تكون زوجته ويظهر ذلك لكان الناس يعيبون عليه ويعيرونه بأنّه يطمع في زوجات الآخرين. وامّا قوله تعالى : ( وَالله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) فهو بيان لأمر واقعي ، والمعنى أنّه في موضع الخشية من الله فالله أحقّ أن تخشاه ، وإذا دار الأمر بين الخشية من الناس أو الخشية من الله فالله أحقّ بأن تخشاه ، وليس المراد انّك تخاف من الناس ولا تخاف من الله بل كما ذكرنا هو بيان الواقع من دون تطبيق على المورد. وامّا الآية الثانية بل فهي ناظره إلى اليمين التي صدرت من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حيث حلف أمام حفصة أن لا يباشر امته « مارية » ، فالتحريم انما كان بمعنى الامتناع أي يا أيّها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لماذا تمتنع وتترك الحلال الذي أحلّه الله لك وتحرمه على نفسك بالحلف ، وليس في الآية ذمّ ولا عتاب بل إشارة إلى انّ اليمين في مثل ذلك لا يوجب تحريم الوطي فهو في الحقيقة بيان حكم شرعي ، أو إشارة إلى انّ مخالفة اليمين في مثل هذا المورد لا تكون محرّمة ولا توجب الكفّارة. وامّا الآية الثالثة فالمراد من غفران ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ستر ونسيان ماكانوا ينسبون إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من الكهانة والسحر والكذب وأمثال ذلك ممّا كان المشركون يرونه ذنباً للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهذا من آثار فتح مكّة حيث انّه لما تغلّب عليهم وصاروا تحت قدرته وسلطته فمن الطبيعي أن لا يعترضوا عليه ولا يصفونه بارتكاب الذنوب من السحر والكهانه فيصير ذلك نسياً منسياً وامّا قوله : ( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ) بل استغفار النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة عليهم السلام فالوجه فيه مع عصمتهم بل حتّى أنّهم لم يتركوا الاُولى فضلاً عن ارتكاب الحرام هو انّ النبي والأئمة عليهم السلام كمعرفته الكاملة بعظمة الله تعالى وكرمه واحسانه ونعمه وآلائه يرون أنفسهم مقصّرين في أداء حقّ الله تعالى ، حيث انّهم مهما تعبدوا الله تعالى وتقرّبوا إليه بالطاعات والأعمال الصالحة والعبادات ، فمع ذلك لا يمكنهم أداء حقّه العظيم والقيام بوظيفتهم تجاه الخالق العظيم فانّهم ولو لأجل اشتغالهم بالاُمور المباحة التي هي من مستلزمات الحياة لا يمكنهم أداء حقّ الله تعالى ، حيث انّهم في هذه الحالات لم يقوموا بالعبادات الاُخرى كالصلاة ونحوها ، لذا يرون أنفسهم مقصّرين ويستغفرون الله تعالى لأجل ذلك.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ما الفرق بين عصمة الأئمة عليهم السلام عند الشيعة وعدالة الصحابة عند أهل السنّة ؟ الفرق هو أنّ العصمة في الأئمّة ثابته بنصّ القرآن الكريم وبالأدلّة العقليّة القطعيّة وبالروايات المتواترة والصحيحة ـ راجع بهذا الصدد كتاب أصول الدين ، العقائد الحقّة باب عصمة الأنبياء والأئمّة ـ مضافاً إلى سيرة الأئمّة المعصومين عليهم السلام ومنهج حياتهم بخلاف عدالة الصحابة فإنّها لا دليل عليها بل الدليل قائم على عدم كونهم عدول بل لم يكن الصحابة يعتقدون بعدالة أنفسهم ، ولذا نرى بعضهم يحارب البعض الآخر ويقاتله ويشترك في قتله وقد كان بين صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم منافقون يصرح القرآن الكريم بأن المسلمين لم يكونوا يعلملون بنفاقهم قال الله تعالى : ( مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) [ التوبة : 101 ] فكيف نحكم بعدالة جميع الصحابة مع وجود منافقين مندسين في صفوفهم لا نميّز المؤمن من المنافق فلو حكمنا بعدالة صحابي من الصحابة نحتمل انّه نفس ذلك المنافق الذي أخبرنا الله تعالى بأنّه مندس في الصحابة ولا نعرفه. مضافاً إلى انّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ الكثير من أصحابه سوف يرتدون ويغيّرون ويحدّثون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فراجع صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيره. ففي صحيح مسلم بطرق متعدّدة عن عبدالله وبطريق واحد عن حذيفة : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انا فرطكم على الحوض ولاُنازعنّ أقوامنا ثمّ لاُغلبنّ عليهم فأقول يا ربّ أصحابي فيقال : انّك لا تدري ما احدثوا بعدك » [ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب اثبات الحوض ] . وروى أحمد بن حنبل بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « ليذادن اناس من أصحابي عن الحوض كما يذاد الغريبة من الابل ... ـ وقال في آخره ـ اناديهم هلم فيقال انّهم قد بدّلوا بعدك فأقول سحقاً سقحاً » [ مسند أحمد بن حنبل ج 3 / 454 ] . وكيف يكون جميع صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدولاً وقد كان فيهم معاوية وعمرو بن العاص وكانوا يسبّون علياً ويلعنونه ويأمرون بلعنه على المنابر. ومن الصحابة سمرة بن جندب الذي كان من قوّاد جيش يزيد الذي أباح المدينة وقتل المهاجرين والأنصار وهتك الأعراض وكيف يكون أصحاب النبي عدولاً ، مع انّ البخاري يروي في صحيحه بسنده عن العلاء بن المسيّب عن أبيه قال : « لقيت البراء بن عازب فقلت طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبايعته تحت الشجرة ، فقال : يا ابن أخ انّك لا تدري ما أحدثنا بعده » [ صحيح البخاري بحاشية السندي ج 3 / 44 ، كتاب المغازي باب غزوة الحديبيّة ] . وفي [ تهذيب التهذيب 8 / 9 ط بيروت ] روى ابن حجر عن عمرو بن ثابت انّه قال : « لما مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفر الناس الا خمسة ». وكيف يكون صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدولاً مع انّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاطب وقال : « لا أدري ما تحدثون بعدي » . « روى الامام مالك في [ الموطأ 2 / 460 كتاب الجهاد في سبيل الله ] بسنده عن مولى عمر بن عبيدالله انه بلغ ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لشهداء أحد : هؤلاء اشهد لهم . فقال أبو بكر : ألسنا يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخوانهم اسلمنا كما اسلموا وجاهدنا كما جاهدوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي . فبكى أبو بكر ثم قال : أئنا لكائنون بعدك ».
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أفضل دليل على عصمة الأئمّة عليهم السلام قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (1). والعقل يحكم بلزوم عصمة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام ؛ لأنّ طاعتهم واجبة في كلّ ما يأمرون به وينهون عنه ، قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (2). ومن القبيح على الحكيم تعالى ، أن يفرض طاعة مَن لا يؤمن عليه ، من الكذب والخطأ والمعصية ، فإنّ ذلك نقض للغرض ؛ لأنّ الله تعالى أوجب طاعة الأنبياء والأئمة عليهم السلام في كلّ ما يقولون ، لأجل هداية البشر ، وإرشادهم ، وإيصالهم إلى الكمال الدنيوي والأُخروي ؛ فلا محالة لا بدّ أن يكون الهادي والمرشد معصوماً من الخطأ والسهو والنسيان والكذب والمعصية ، ليمكن الإعتماد عليه ، والأخذ بهداه ، وإرشاداته. الهوامش 1. الأحزاب : 33. 2. النساء : 59.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی المشار إليه بقوله : { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } ، هو النزاع والقتال الذي وقع بين القبطي والإسرائيلي ، لا ما صدر من موسى ؛ فإنّ الرجل كان كافراً مهدور الدمّ . ففي الحديث عن الرضا (عليه السّلام) أنّه سئل عن هذه الآية : { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } ، مع أنّ الأنبياء معصومون ؟ فقال : « فقضى عليه بحكم الله تعالى ذكره ، فوكزه فمات ». { قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } . قال (عليه السّلام) : « يعني الاقتتال الذي وقع بين الرجلين ، لا ما فعله موسى من قتله » . { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } . قال (عليه السّلام) : « يقول : وضعت نفسي غير موضعها بدخول المدينة » . { فَاغْفِرْ لِي } . قال (عليه السّلام) : « يعني استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني » . وبهذا التفسير الوارد عن الإمام الرضا (عليه السّلام) يظهر أنّ ما جرى بين موسى والقبطي لم يكن منافياً للعصمة ، كما أنّ كلام موسى (عليه السّلام) ليس منافياً للعصمة ؛ فإنّ موسى (عليه السّلام) ظلم نفسه ، واختار مالم يكن في مصلحته حيث دخل المدينة مع أنّه خرج منها خائفاً من القتل ، فلمّا رأى الإسرائيلي والقبطي يقتتلان ، قال : هذا الاقتتال من عمل الشيطان ، ولمّا كان مؤموراً شرعاً بالتدخل ، ونصرة المسلم على الكافر ، فضرب القبطي ، فمات من ضربته ، وقد كان كافراً مهدور الدمّ ، ليس على موسى (عليه السّلام) أثم في قتله ، لكنّ أصل الاقتتال كان من عمل الشيطان ، ولذا قال : { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ }.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى قوله تعالى : { وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } { الأحزاب/33}. وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } {النحل/43}. وقوله : { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } {البقرة/124}. وقوله تعالى :{ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } {الرعد/7}. وغيرها من الآيات . ومضافاً : إلى الحكم العقل القطعي حيث إنّ طاعة الإمام واجبة في كلّ ما يأمر وينهى ، ومن القبيح أن يأمر الله بإطاعة مَن لا يؤمن عليه من الكذب والخطأ والمعصية ؛ فإنّه نقض للغرض ، والقبيح محال على الله تعالى . ومضافاً : إلى الروايات الواردة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ومن أهمّها حديث الثقلين المعروف والمشهور بين الفرقين قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ». وقد جعل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عترته الطاهرة مثل القرآن في وجوب التمسّك والاهتداء بهم كالقرآن ، وفي وجوب اتباعهم واطاعتهم كالقرآن ، وفي كونهم معصومين كالقرآن الكريم .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى العصمة التي نعتقد بها في الأنبياء والأئمة (عليهم السّلام) لا تتنافى مع الاختيار والإرادة ؛ فإنّها من آثار العلم الكامل ، والتوفيق من الله تعالى ، فالإمام (عليه السّلام) يترك المعاصي والذنوب بمحض إرادته واختياره ، لكن بسبب العلم الكامل الذي أعطاه الله تعالى حيث يمتنع من اختيار الفعل القبيح لعلمه الكامل بقبح ذلك ، ولعلمه الكامل بعظمة الخالق ، وحقّه العظيم ، وقبح مخالفته وعصيانه ، كما نرى أنّ العاقل العالم بالوجدان بأنّ النار محرقة لا يمدّ يده إلى النار باختياره ، وإرادته ، نعم تحتاج العصمة إلى التوفيق والتسديد من الله تعالى ؛ إذ ليس كلّ عالم - مهما كان علمه فطرياً وبديهياً وكاملاً - يوفّق و تمهّد له أسباب العمل بعلمه بل يحتاج ذلك إلى عناية ربّانية ، وإفاضة إلاهية ، وتوفيق من الله تعالى ، والقرآن يحدّثنا عن بلعم بن باعوراء الذي كان له علم كثير ، لكنّه لم يعمل بعلمه لسوء عاقبته : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا } {الأعراف/175}.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى عمدة الدليل على عصمة الانبياء وخصوصاً النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو العقل من جهات متعدّدة ، ومع هذا الدليل العقلي القطعي لابدّ من تأويل كلّ آية أو حديث يظهر منه إرتكاب الأنبياء مايخالف العصمة . وإليك بعض الأدلّةالعقلية على عصمة الأنبياء : 1ـ لولم يكن النبيّ معصوماً لانتفى الوثوق بقوله ، فلا يطاع ، ولا يقبل أحد منه قولاً ، ويصيرنصبه عبثاً ولغواً . 2 ـ لو جاز عليه الخطأ خارجاً مع لزوم اتّباعه عقلاً ، كان الأمر باتّباعه قبيحاً بحكم العقل ، بل يلزم اجتماع الضدين فيه ، لوجوب متابعته ؛ لأنّه نبيّ مطاع ، و وجوب مخالفته ؛ لأنّه أخطأ . 3 ـ لوجاز على النبيّ الخطأ لاحتاج إلى مَن يسدّده ، وذلك المسدِّد إمّا أن يكون معصوماً ، فهو المطلوب ؛ لأنّه هو النبيّ في الحقيقة ، وإمّا أن لايكون معصوماً ، فيحتاج إلى مسدّد آخر ، وهلّم جرّاً . 4 ـ إنّ من أغراض النبوّة إقامة العدل ، ومنع الظلم ، فلو صدرت من النبيّ المعصية لانتفى غرض النبوّة ؛ لأنّ المعصية ظلم . 5 ـ إنّ النبيّ أُسوة وقدوة ، فلو صدر منه الكذب والمعصية لاقتدى به الناس ، وانتفت فائدة البعثة والنبوّة . 6 ـ النبيّ هادٍ وحافظ للشرع ، وحجّة الله على الخلق ، فلو جاز عليه الكذب والخطأ لأدّى ذلك إلى التضليل ، فكان نصبه قبيحاً . 7 ـ النبيّ راعٍ لأُمّته ، ومسؤول عن رعيته ، وصدور الذنب من الراعي أفحش من ذنب الرعية ، فيصير بذلك أسوء حالاً من رعيته ، ولا يليق للرئاسة الشرعية عليهم . 8 ـ النبيّ أمين ، والعاصي خائن ، ولايؤتمن الخائن . 9 ـ لوكان النبيّ لايؤمن عليه من الخطأ ، أو السهو ، أو النسيان ، أو العصيان كان اختياره للنبوّة ترجيحاً للمرجوح على الراجح ؛ إذ في الأُمّة مَن لايكون كذلك ، أو ترجيحاً بلا مرجّح ، وهو قبيح. 10 ـ لولم يكن النبيّ مأموناً من الخطأ و الكذب ، لزم أن يأمر بما لم يوح إله ، أو يترك شيئاً ممّا أُوحي إليه ، وهو نقص للغرض ، قبيح على الحكيم تعالى . هذا مضافاً إلى الآيات الدالّة على عصمة الأنبياء بنحو عامّ مثل قوله تعالى : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } {البقرة/124} . وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } {الأنبياء/101} . وقوله تعالى : { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } {الدخان/32}. وقوله تعالى : { وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ } {ص/47}. وأمّا الآيات الدالّة على خصوص عصمة النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله) فهي كثيرة : منها : قوله تعالى : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } {النجم/ 3 ـ 4} . ومنها : آية التطهير التي نزلت بحقّ الخمسة الطيّبة : « محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) » : { إِ نَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } {الأحزاب/33} . وأمّا قوله تعالى : { عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } {التوبة/43} . فهو مجرّد عتاب على ترك الأولى ، وليس فيه دلالة على صدور المعصية . قال في تفسير الصافي : « ويجوز العتاب من الله فيما غيره أولى لاسيّما للأنبياء ». وليس كما قال جار الله الزمخشري من علماء السنّة : « أنّه كناية عن الجناية » .
من سماحة السيّد علي الحائري
من سماحة الشيخ محمّد السند