الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: سئلت امرأة عجوزة كانت مشغولة بالحياكة : هل للعالم خالق ؟ فرفعت يدها عن آلة الحياكة فتوقّف ، ثمّ قالت : هذه الآلة البسيطة لا تتحرّك إلّا إذا كان لها محرّك ولذلك توقّفت عن الحركة بمجرّد ان رفعت يدي عنها ؛ فكيف بهذا العالم المليء من الحكم والأسرار والنظام يتحرّك من دون محرّك ولمجرّد الصدفة ؟! وقع جدال بين عالم ربّاني وبين زنديق ـ أيّ منكر لوجود الله ـ فوعده العالم أن يأتي إليه غداً ، وكانت دار المنكر في الصفة الأخرى من النهر العريض ، وحينما صار الغد تأخّر العالم مدّة طويلة وبقي الزنديق ينتظره إلى أن جاءه ، فاعترض عليه لماذا تأخّرت ؟ قال : لم تكن هناك سفينة أركبها لأعبر النهر ، ولذلك كنت متحيّراً ماذا أصنع ؟ وإذا بريح عاصفة أتت بشجرة كبيرة فتقطعت وصارت بصورة ألواح من الخشب ، ثمّ أتت الريح بمسامير وركبت بعضها على بعض ، فصارت سفينته صدفة فركبتها ، وأتيت إليك لنناقش معاً مسألة وجود الله تعالى ، ولأجل ذلك تأخّرت. فضحك الزنديق من كلامه وقال : كيف ان توجد سفينة من دون أناس يصنعونها ؟ فقال العالم : أنت تستبعد حدوث سفينة بدون صانع مدبّر ، فكيف يمكن وجود هذا الكون بلا صانع قادر حكيم عليم ؟ فبهت الذي كفر وأذعن بوجود الله تعالى.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: لابدّ لمن يريد أن يقنع الآخرين على عقيدة ما ـ كالعقيدة بوجود الله تعالى ـ أن يكون على مستوى عال من المعرفة والثقافة بتلك العقيدة ، حتّى يمكنه أن يؤثّر ويقنع ، كما له القوّة على ردّ الشبهات والاعتراضات الواردة حول هذه العقيدة التي يريد طرحها. فباعتبار أنّ المادّي لا يؤمن بالأدلّة النقليّة من الكتاب والسنّة على وجود الله تعالى ، فلابدّ من ذكر الأدلّة العقليّة التي يؤمن بها ، الدالّة على وجوده تعالى ، وبعد الإيمان بوجوده تعالى ، حينذاك يمكن أن نثبت له من خلال الأدلّة النقليّة والعقليّة على وجود الحياة البرزخيّة ، والحياة الأخرويّة. وتعميماً للفائدة ، نذكر لكم ما كتبه أحد المؤمنين في هذا المجال : يقول المادّيون : لا إله ، فمن الموجد ؟ أنّا نرى الأبناء يولدهم الآباء ، ونرى النبات تنبته الشمس والماء والتربة ، ونرى الحيوان يخلق من حيوانين ، و ... أمّا قبل ذلك فلم نر شيئاً ، فإنّ العمر لم يطل من قبل ... إذاً كلّ قول يؤيّد الإله ، ويؤيّد عدم الإله ، يحتاج إلى منطق غير حسّي . المادّي الذي يقول : لا إله ، يحتاج إلى الدليل . والمؤمن الذي يقول : الله تعالى يحتاج إلى برهان . لكن الأوّل لا دليل له ، فإنّ العين لم تر الإله ، أمّا أنّها رأت عدمه فلا ، وكذا الأذن ، واللمس ، وغيرها ... . ومن الهراء : أن يقول أحد : إنّ الصناعة الحديثة دلّت على عدم الإله ؟ هل القمر الاصطناعي يدلّ على عدم الإله ؟ هل الذرّة تدلّ على عدم الإله ؟ هل الكهرباء والصاروخ والطائرة تدلّ على عدم الإله ؟ القمر الاصطناعي ليس إلّا كالسكين الحجري ـ الذي يقولون عنه : ـ صنعه الإنسان البدائي ، لا يرتبط هذا ولا ذاك بالإله نفياً أو إثباتاً . ولنا أن نقول : نفرض أنّ الإله موجود ، فما كان حال القمر الاصطناعي ؟ بل : القمر الاصطناعي الذي يصرف عليه ملايين ، ويجهد في صنعه ألوف من العلماء ، ثمّ لا ينفع إلّا ضئيلاً أدلّ على وجود الإله ، إذ كيف هذا له صانع ، وليس للقمر المنير صانع ؟ إنّ من يطلب منّا الإذعان بعدم الإله للكون ، ثمّ هو لا يذعن بعدم الصانع للطائرة ، مثله كمن يطلب من شخص أنّ يقول بعدم بانٍ لقصر مشيّدة ، ثمّ هو لا يقول بعدم صانع لآخر . عالم وملحد : قال الملحد : الحواس خمس : الباصرة ، السامعة ، الذائقة ، اللامسة ، الشامّة ، وكلّ شيء في العالم لابدّ وأن يدرك بإحدى هذه الحواس : فالألوان ، والأشكال ، والحجوم ، تدرك بالباصرة . والأصوات ، والألحان ، والكلام ، تدرك بالسامعة . والطعوم ، والمذوقات ، والأطعمة ، تدرك بالذائقة . والخشونة ، واليبوسة ، والرطوبة ، والحرارة ، تدرك باللامسة . والروائح ، والمشمومات ، والعطريّات ، تدرك بالشامّة . فمن أين نثبت وجود الله ؟ والحال أنّا لم نره ، ولم نسمع صوته ، ولم نذق طعمه ، ولم نلمس جسمه ، ولم نشمّ ريحه . فصنع العالم كرتين ، إحداهما من حديد ، والأُخرى من خشب ، وصبغهما ، ثمّ أتى بهما إلى الملحد ، وقال : أنا أخبرك بأنّ إحدى هاتين الكرتين حديد ، والأُخرى خشب ، أنظر وعيّن ؟! نظر الملحد ، وعجز عن التعيين بالنظر . قال العالم : فأصغ وعيّن ؟ أصغى الملحد ، وعجز عن التعيين بالسمع . قال العالم : ذق وعيّن ؟ ذاق الملحد ، وعجز عن التعيين باللسان . قال العالم : اشمم وعيّن ؟ شمّ الملحد ، وعجز عن التعيين بالأنف . قال العالم : ألمس وعيّن ؟ لمس الملحد ، وعجز عن التعيين باللمس . ثمّ وضعهما العالم في يد الملحد ، وحينذاك أدرك أنّ الأثقل الحديد ، فقال : هذا هو الحديد ، وهذا الأخفّ هو الخشب . قال العالم : من أخبرك أنّ الأثقل الحديد ، والأخفّ الخشب ؟ قال الملحد : عقلي هو الذي أرشدني إلى ذلك . قال العالم : فليست المعلومات منحصرة بالحواس الخمس ، وإنّ للعقل حصّة مهمّة من العلوم ، والله تعالى الذي نقول به إنّما هو معلوم للعقل ، وان لم يكن مدركاً للحواس . فانقطع الملحد ، ولم يحر جواباً !! طالب وزميل : قال الطالب : لا وجود لله إطلاقاً . الزميل : من أين تقول هذا ؟ ومن علّمك ؟ الطالب : أمّا من علّمني ؟ فما أنت وهذا ؟ وأنّا لا أتحاشى من أن أقول : إنّ المدرسة هي التي أوحت إليّ بهذه الفكرة ، وإنّي جدّاً شاكر لها ، حيث أنقذتني من التقاليد إلى سعة العلم . وأمّا من أين أقول ؟ فلأنّي لم أر الله ، وكلّ غير مرئي لا وجود له . الزميل : إنّي لا أريد أن أناقشك في دليلك الآن ، لكن أقول : هل أنت ذهبت إلى الكواكب ؟ هل أنت ذهبت إلى القطب ؟ هل أنت ذهبت إلى قعر البحار ؟ الطالب : كلّا ! الزميل : فإذا قال لك قائل : إنّ الله تعالى في الكواكب ، أو في قعر البحر ، أو في القطب ، فبماذا كنت تجيبه ؟ الطالب ، فكّر ملياً !! ولم يحر جواباً . فقال الزميل : إنّ من الجهل أن ينكر الإنسان شيئاً لم يره ، أو لم يسمع به ، وأنّه لجهل مفضوح . كان بعض الناس قبل اختراع السيّارة والطائرة ، والراديو والتلفون ، والكهرباء والتلفزيون ، إذا سمعوا بها أقاموا الدنيا وأقعدوها إنكاراً على من يقول ، واستهزاءً به ، وكانوا يجعلون كلامه مثار ضحك وسخريّة !! فهل كان لهم الحقّ في ذلك ؟ إنّهم كانوا يقولون : لم نر هذه الأشياء . وأنت مثلهم تقول : لم أر الله . الطالب : أشكرك جدّاً على هذه اللفتة العلميّة ، وإنّي جدّاً شاكر لك ، حيث أخرجتني عن خرافة غرسها في ذهني معلّم جاحد منذ دخلت المدرسة ، وهي : إنّ الله حيث لم نره يجب علينا إنكاره ، والآن فهمت الحقيقة . مؤمن ومنكر : كان علي وجميل يتناظران في وجود الله تعالى ، فكان علي يسرد الأدلّة على الإثبات ، وجميل يردّها ، أو لا يقبلها . ولما طالت المجادلة بينهما ، قال علي : إنّ في جارنا رجلاً من علماء الدين ، اسمه أحمد ، فهيا بنا نذهب إليه ونجعله الحكم فيما بيننا . قبل جميل مقالة علي ولكن بإكراه ، لأنّه كان يزعم أن لا حجّة لمن يقول بوجود الله إلّا التقليد ، وذهبا معاً إلى دار العالم للقضاء بينهما ، وبعد أن استقرّ بهما المجلس . قال العالم : خيراً ؟ جميل : إنّي وصديقي علي نتباحث حول وجود الله ، ولم يتمكّن علي من الإثبات ، أو بالأحرى : أنا لم أقتنع بأدلّته ، فهل الحقّ معي أم معه ؟ وأقول ـ قبل كلّ شيء ـ : إنّي لا أقتنع بالقول المجرّد ، وإنّما أريد الإثبات ، مع العلم أنّي خرّيج مدرسة فلسفيّة عالية ، لا أقبل شيئاً إلّا بعد المناقشة والجدال ، وأن يكون محسوساً ملموساً . أحمد : فهل لك في دليل بسيط ، وبسيط جدّاً تقتنع به ، بدون لفّ ودوران . جميل : ما هو ؟ هات به ، وإنّي أنتظر مثل هذا الدليل منذ زمان !! أحمد : إنّي أخيّرك بين قبول أحد هذه الشقوق الأربعة ، فاختر إحداها : إنّك موجود بلا شكّ ، فهل : 1 ـ أنت صنعت نفسك ؟ 2 ـ أم صنعك شيء جاهل عاجز ؟ 3 ـ أم صنعك شيء عالم قادر ؟ 4 ـ أم لم يصنعك شيء ؟ فكّر جميل ساعة بماذا يجيب : هل يقول : أنا صنعت نفسي بنفسي ، وهذا باطل مفضوح ! أم يقول : صنعني شيء جاهل ؟ وهذا أيضاً مخالف للحقيقة ، فإنّ التدابير المتّخذة في خلق الإنسان فوق العقول ، فكيف يركّب هذه الأجهزة بهذه الكيفيّة المحيّرة ، شيء جاهل ؟! أم يقول : لم يصنعني شيء ؟ وهو بيّن البطلان ، فإنّ كلّ شيء لابدّ له من صانع . أم يعترف بأنّه مصنوع لشيء عالم وقادر ، وحينئذ ينهار كلّ ما بناه من الأدلّة ـ المزعومة ـ لعدم وجود الله تعالى . وبعد فكر طويل ، رفع رأسه وقال : لابدّ لي من الاعتراف ، بأنّي مصنوع لعالم قدير . أحمد : ومن هو ذلك العالم القدير ؟ جميل : لا أدري . أحمد : ولكن ذلك واضح معلوم . لأنّ من صنعك ليس من البشر ، فإنّ البشر لا يقدرون على خلق مثلك ، ولا من الجمادات ، فانّ الجماد لا عقل له ، إذاً : هو الله تعالى . علي : هل قنعت يا جميل بهذا الدليل ؟ جميل : إنّه دليل قوّي جدّاً ، لا أظنّ أحداً يتمكّن من المناقشة فيه ، وإنّي شاكر لك وللعالم أحمد . معلم وتلميذ : ذهب جماعة من الطلّاب إلى مدرسة إلحادية ، وفي اليوم الأوّل من الدوام حضروا الصفّ ، وكان في الصفّ منضدة عليها تصوير أحد زعماء الملحدين . فجاء المعلم ، وقال للطلّاب : هل لكم عين ؟ وأين هي ؟ وهل لكم أذن ؟ وأين هي ؟ وهل لكم أيدٍ وأرجل ؟ وأين هي ؟ قال الطلّاب : نعم ، لنا أعين وأذن وأيد وأرجل ، وهي هذه ، وأشاروا إلى هذه الأعضاء . قال المعلّم : وهل ترون هذه الأعضاء وتحسّون بها ؟ قال الطلّاب : نعم ، نراها ونلمسها . قال المعلّم : وهل ترون هذا التصوير على المنضدة ؟ قالوا : نعم ، نراه . قال المعلّم : وهل ترون المنضدة وسائر ما في الغرفة ؟ قالوا : نعم ، نراها . وهنا انبرى المعلم قائلاً : وهل ترون الله ؟ وهل تحسّون به ؟ قالوا : لا ، لا نرى الله ولا نلمسه . قال المعلّم : فهو إذاً خرافة تقليديّة . إنّ كلّ شيء في الكون نحسّ به ونراه ، أمّا ما لا نراه ولا نحسّ به ، فهو خطأ ، يلزم علينا أن لا نعترف به ، وإلّا كنّا معتقدين بالخرافة . وهنا قام أحد التلاميذ ، وقال : اسمح لي أيّها الأُستاذ بكلمة ؟ المعلّم : تفضّل . التلميذ : أيّها الزملاء أجيبوا على أسئلتي . الزملاء : سل . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون المعلّم ؟ هل ترون الصورة الموضوعة على المنضدة ؟ هل ترون المنضدة ؟ هل ترون الرحلات ؟ الزملاء : نعم ، نرى كلّ ذلك . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون عين المعلّم ؟ هل ترون أذن المعلّم ؟ هل ترون وجهه ؟ هل ترون يده ورجله ؟ الزملاء : نعم نرى كلّ ذلك . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون عقل المعلم ؟ الزملاء : كلّا ! لا نرى عقله . التلميذ : فالمعلّم إذاً لا عقل له ، فهو مجنون حسب مقالته ، لأنّه قال : كلّ ما لا يراه الإنسان فهو خرافة ، يجب على الإنسان أن لا يعترف به ، وأنّا لا نرى عقل المعلم ، فهو إذاً لا عقل له ، ومن لا عقل له يكون مجنوناً . وهنا ألقم المعلّم حجراً ، واصفرّ وجهه خجلاً ، ولم ينبس ببنت شفة ، وضحك الطلّاب . آينشتاين يعترف : تحاكم جماعة من المادّيين إلى آينشتاين ليروا رأيه بالنسبة إلى الله تعالى ؟ فأجاز لهم أن يمكثوا عنده 15 دقيقة ، معتذراً بكثرة أشغاله ، فلا يتمكّن أن يسمح لهم بأكثر من هذا الوقت . فعرضوا عليه سؤالهم ، قائلين : ما رأيك في الله ؟ فأجاب قائلاً : ولو وفّقت أن أكتشف آلة تمكّنني من التكلّم مع الميكروبات ، فتكلّمت مع ميكروب صغير ، واقف على رأس شعرة من شعرات رأس إنسان ، وسألته : أين تجد نفسك ؟ لقال لي : إنّي أرى نفسي على شجرة رأس شاهقة ! أصلها ثابت وفرعها في السماء . عند ذلك أقول له : إنّ هذه الشعرة التي أنت على رأسها ، إنّما هي شعرة من شعرات رأس إنسان ، وإنّ الرأس عضو من أعضاء هذا الإنسان ، ماذا تنظرون ؟ هل لهذا الميكروب المتناهي في الصغر : أن يتصوّر جسامة الإنسان وكبره ؟ كلّا ! إنّي بالنسبة إلى الله تعالى لأقلّ وأحطّ من ذلك الميكروب بمقدار لا يتناهى ، فأنّى لي أن أحيط بالله الذي أحاط بكلّ شيء ، بقوى لا تتنامى ، وعظمة لا تحدّ ؟ فقام المتشاجرون من عند آينشتاين ، وأذعنوا للقائلين بوجود الله تعالى .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: من خلال العقل نعرف انه لابد من صانع لهذا الكون ـ لكن بغضّ النظر من هو الصانع مبدئياً ـ ومن خلال الإعجاز العلمي في القرآن نكتشف وجود الله ، ولكن سؤالي .. كيف لنا ان نعرف انّ الخالق هو الله وليس خالق آخر لا نعرفه ؟ وإذا أتحنا فرصة للفكر لوصلنا إلى ما يوضح الأمر ، فمثلاً .. هناك خالق آخر غير الله .. لكنه ترك هذا الخلق لله ليحكمه. ليس الكلام في التسمية وأنّ الخالق لهذه الكون اسمه الله أم له اسم آخر وانّما الكلام في انّ هذا الكون هل له خالق أم لا. بعبارة اُخرى كل ما في الكون ممكن الوجود بمعنى انّه ليس وجوده لذاته بل يحتاج في وجوده إلى موجد وعلّة فلابدّ أن يكون خالق هذا الكون ومعطي الوجود للكائنات هو واجب الوجود أيّ وجوده ذاتي لا يحتاج إلى موجد ، وهذا الخالق هو الله تعالى وليس هناك خالق آخر ، لأنّ العقل يحكم باستحالة تعدّد الخالق كما قال الله تعالى : ( لو كان فيهما الهة الّا الله لفسدتا ) ، اذ فرض خالقين كلّ منهما يتّصف بجميع الصفات الكماليّة من العلم والقدرة والحياة على حدّ سواء يلازم احتمال أن يختلفا في الإرادة بأن يريد أحدهما شيئاً ويريد الآخر خلافه ، فلا بدّ أن نلتزم بأنّ ذلك الشيء يتحقّق ويكون ، لأنّ الإله الأوّل اراده ولا يتحقّق ولا يكون لأنّ الإله الثاني أراد عدمه وهذا يستلزم اجتماع النقيضين الذي هو محال عقلاً ، وان كان أحدهما أكثر قدرة. ولأجل ذلك يتحقّق ما يشاؤه. ففي الحقيقه هو الإله الواجب الوجود والثاني مخلوق وحادث وممكن الوجود لانّ الواجب لا يحتمل في حقّه العجز وعدم القدرة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: اُريد اثبات الوجود الله ? هناك أدلّة وبراهين كثيره على وجود الله تعالى : 1 ـ برهان الإمكان الذاتي وهو انّ الكون بما فيه من المخلوقات ممكن الوجود بمعنى انّه يمكن ان يوجد ويمكن ان لا يوجد وكل ما كان ممكن الوجود يحتاج الى علّة في وجوده وتلك العلّة لا بدّ أن تكون واجب الوجود والإلزم الدور والتسلسل وكلا هما محال لرجوعه الى توقف الشيء على نفسه أو لزوم وجود السلسلة بلا مرجح ... وتفصيل هذه المقدمات تحتاج الى بحث طويل. 2 ـ برهان الحدوث : وذلك لانّ العالم حادث قطعاً لوجود الحركة والتغيير فيه وهما دليلان على الحدوث لانّ الحركة هو خروج الشيء تدريجاً من القوة الى الفعل ولو كان العالم قديماً لزم ان يخرج جميع الكائنات من القوة إلى الفعل منذ امد طويل وهذا يعني انتهاء التغير والحركة والوصول إلى السكون الدائم وقد أثبت العلم الحديث وجود الحركة والتغير بقانون يدعى « الترموديناميكيه » حيث انّ كلّ جزء من أجزاء هذا العالم يفقد حراراته بالتدريج فلو كان العالم قديماً لزم انّ كل شيء في هذا العالم يفقد الحرارة ويعم الجمود والبرودة إلى يومنا هذا وهذا باطل لانّا نجد وجداناً وجود الحرارة في هذا العالم. ثم لما ثبت انّ العالم حادث فكلّ حادث يحتاج إلى محدوث قديم بالذات لاشتمالة الدور أو التسلسل. 3 ـ برهان الحركة والتغيير فانّ نفس الحركة او التغير امر حادث فيحتاج الى محدث اي الى محرك ومغير ولا يمكن ان يكون المحرك أو المغيّر نفس المتحرّك أو المغيّر لانّ الحركة هي الخروج من القوّة إلى الفعل والمتحرّك أو المتغيّر يكون قبل تحرّكه فاقداً لتلك الفعليّة فكيف يوجدها والحال انّ فاقد الشيء لا يعطيه. هذه بعض البراهين الفلسفيّه ولكن أحسن دليل على وجود الخالق العظيم برهان النظم ويتركب من مقدّمتين : أ ـ لا اشكال في وجود النظم في العالم بجميع أجزائه وكائناته ب ـ النظم الدقيق يدل على وجود مدبر حكيم ولا يمكن ان يكون النظم والترتيب الدقيق الحكيم مجرد صدفه واتفاق وقد ورد الإشارة إلى هذا الدليل في القرآن الكريم والروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام ويكفي كتاب توحيد المفضل الذي أملاه الإمام الصادق عليه السلام في بيان وتوضيح هذا الدليل المتقن فراجع هذا الكتاب القيم في بحار الأنوار ج 3 / ص 57 إلى 151 وغيره من الكتب المعتبرة. قال عليه السلام في أوّله : « يا مفضل اوّل العبر والأدلّة على الباري جل قدسه تهيّئه هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه فانّك إذا تأمّلت العالم بفكرك وميّزته بعقلك وجدته كالبيت المبنى المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده فالسماء مرفوعة كالسقف والأرض ممدودة كالبساط والنجوم منضودة كالمصابيح والجواهر مخزونة كالذخائر وكل شيء فيها لشأنه معدّ والإنسان كالمملك ذلك البيت والمحول إليه جميع ما فيه وضروب النبات مهيأة لمآربه وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه ففي هذا دلالة واضحه على انّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وعلائمة وانّ الخالق له واحد وهو الذي ألّفه ونظّمه بعضاً إلى بعض جلّ قدسه وتعالى جده وكرّم وجهه ولا إله غيره تعالى عمّا يقول الجاحدون ... » . ثم شرع الامام عليه السلام في بيان ما اودع الله تعالى في جسم الإنسان وروحه من بدائع الخلقة وآيات الحكمة وهكذا في سائر الموجودات. وعن الإمام الرضا عليه السلام قوله : « إنّي لما نظرت إلى جسدي فلم يمكنني زيادة ولا نقصان في العرض والطول ودفع المكاره عنه وجرّ المنفعة إليه علمت أن لهذا البنيان بانياً فاقررت به مع ما أرى من دوارة الفلك بقدرته وإنشاء السحاب وتعريف الرياح ومجري الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات علمت انّ لهذا مقدّراً ومنشئاً » [ عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 / 132 ] . وفي حديث عن هشام بن الحكم قال دخل ابن ابي العوجاء ـ وكان ملحداً كافراً ـ على الصادق عليه السلام فقال له الصادق عليه السلام : « يا ابن العوجاء أمصنوع أنت أم صانع ؟ قال : لست بمصنوع. فقال له الصادق عليه السلام : فلو كنت بمصنوع كيف كنت تكون ؟ فلم يحر ابن أبي العوجاء جواباً وقام وخرج » . وقد أشار الامام عليه السلام إلى دليل الإمكان الذاتي في هذه العبارة حيث أخذ الإقرار من أبي العوجاء بأنّه يمكن أن يكون مصنوعاً فهو ممكن لا بد له من علّة لوجوده وبعبارة اُخرى يمكن ان يكون مصنوعاً ولو كان مصنوعاً لم يختلف عن حالته هذه فهو ممكن الوجود لابدّ له من علّة وصانع. وفي حديث أنّه دخل رجل على الرضا عليه السلام فقال يابن رسول الله ما الدليل عى حدوث العالم ؟ فقال عليه السلام : « أنت لم تكن فكنت وقد علمت انّك لم تكوِّن نفسك ولا كونك من هو مثلك » . وفي حديث دخل أبو شاكر الديصاني على أبي عبد الله الصادق عليه السلام فمدحه ثمّ قال ما الدليل على حدوث العالم ؟ فدعا الصادق عليه السلام ببيضة فوضعها على راحته ثم قال : هذا حصن ملموم داخله غرقئ رقيق تطيف به فضة سائله وذهبه مائعة ثم تنفلق عن مثل الطاووس أدخلها شي ؟ قال : لا. قال : فهذا الدليل على حدوث العالم. وفي حديث آخر قال أبو عبدالله عليه السلام : يا ديصاني ـ وأشار إلى البيضة ـ هذا حصن مكنون له جلد غليظ وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبه ولا الفضة الذائبة تختلق بالذهبة المائعه فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن إصلاحها ولم يدخل فيها داخل مفسد فيخبر عن افسادها لا يدرى اللذكر خلقت أم للاُنثى تنفلق عن مثل الطواويس أترى لها مدبراً ؟ فاطرق ملياً ثم قال أشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله وأنّك إمام وحجّة من الله على خلقه ... . وعن هشام بن سالم قال سئل أبو عبد الله عليه السلام فقيل له : بم عرفت ربّك ؟ قال : بفسح الغرائم ونقض الهمم غرمت ففسخ غرمي وهممت فنقض همي. وفي حديث قال أبو شاكر الديصاني للإمام الصادق عليه السلام : ما الدليل على انّ لك صانعاً ؟ فقال عليه السلام : وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين امّا ان أكون صبغتها انا فلا أخلو من أحد معينين إمّا ان أكون صنعتها وكنت موجودة أو صنعتها وكانت معدومة فان كنت صنعتها وكانت موجوده فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها وان كانت معدومة فانّك تعلم انّ المعدوم لا يحدث شيئاً ، فقد ثبت المعنى الثالث انّ لي صانعاً وهو الله رب العالمين. ومن الأدلّة والبراهين على وجود الله تعالى ، الفطرة وقد أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام حينما سأله ملحد عن إثبات وجود الله عزّوجلّ فقال ما مضمونه : ألم تركب سفينه في البحر وكادت أن تغرق وتقطع أملك من جميع الأسباب الدنيويّة لنجاتك أو لم تشعر بانّ هناك قوّة غيبيّه يمكنها ان تخلّصك من الغرق ؟ قال : نعم. قال عليه السلام : فانّه هو الله تعالى القادر على كل شيء.
من سماحة السيّد علي الحائري هناك فرق حقيقي وجوهري بين وجود ( الله تبارك وتعالى ) ووجود غيره ـ أيّاً كان ـ والفرق هو أنّ الله تبارك وتعالى واجب الوجود لذاته ، بينما غيره ممكن الوجود لذاته ، وكلّ ممكن الوجود لا بدّ من أن يستند في وجوده إلى واجب الوجود ، أمّا واجب الوجود فيستحيل أن يستند في وجوده إلى شيء آخر ، وكلّ هذا قد تمّت عليه أدلّة عقلية عديدة في الفلسفة والكلام ، ولذا فيستحيل أن تكون هناك أرباب متفرقة عديدة كما يستحيل أن يكون شيء ممّا ذكر في السؤال هو الله الواجب الوجود لذاته ، راجعوا بهذا الصدد الكتب المعنيّة الختصّة بالموضوع ، أو أدرسوا الموضوع عند أخصائي خبير بهذا الفنّ كي تجدوا الجواب الكافي والشافي إن شاء الله تعالى.