الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: العقل يحكم بأن المسلم لابدّ أن يعرف أحكام دينه من الواجبات لكي يعمل بها ومن المحرّمات لكي يتركها. والعلم بالأحكام الإلهيّة يتحقّق بأمرين : إمّا أن يكون الشخص مجتهداً ، يتمكّن من استنباط ومعرفة الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسنّة النبويّة والإجماع والعقل ، بأن يقضي عمراً طويلاً في دراسة القرآن والحديث وأقوال الفقهاء بحيث يحصل له ملكة الإجتهاد والتفقّه في الدين ؛ وإمّا أن يرجع إلى عالم مجتهد فيأخذ منه الأحكام الشرعيّة التي استنبطها وأخرجها من الأدلّة ، وهذا هو معنى التقليد. وهو يرجع إلى بناء العقلاء وسيرتهم من رجوع الجاهل في كلّ علم وحرفة وصنعة إلى العالم ، فالمريض يرجع إلى الطبيب العالم بالطبّ الذي هو يشخص المرض والعلاج ، ونفس هذا الطبيب يرجع إلى المهندس أو النجّار أو الحدّاد في بناء داره أو صنع الباب أو النوافذ الحديديّة. وبما ان تحصيل الاجتهاد والتمكّن من العلم بالأحكام الإلهيّة ليس ميسوراً لكلّ أحد ، إذ لابدّ أن يترك الناس أعمالهم وصنائعهم وحرفهم ويشتغلوا بعلم الفقه والتفسير والحديث ، فيختلّ النظام الإجتماعي ، فمن الطبيعي ان يتصدّى لذلك جماعة ويشتغل الآخرون بمشاغل أخرى يحتاج إليها النظام البشري. فالعقل يحكم على هؤلاء الذين لم يتمكّنوا من تحصيل الاجتهاد والتفقّه في الدين بالرجوع الى الفقهاء والمجتهدين ، فيكون التقليد واجباً عقلاً. نعم ، قد يرشد الشرع المقدّس الى وجوبه أيضاً لقوله تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ الأنبياء : 7 ]. وقوله تعالى : ( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) [ التوبة : 122 ]. نعم ، لو تمكّن أحد من الإحتياط التامّ بأن يفعل كل ما يحتمل وجوبه ويترك كلّ ما يحتمل حرمته يغني ذلك عن التقليد ، لكن هذا « الإحتياط الكامل في كلّ الأمور » لا يكون ممكناً لكلّ أحد ، إذ لابدّ أن يترك جميع أعماله ومشاغله ويشتغل بالإحتياط.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: إذا كان المقصود من التقليد الاقتناع بدليل من نقلّده ، فهو جايز في اُصول الدين أيضاً ، وليس ذلك في الحقيقة تقليداً للشخص ، بل هو الاستدلال بالدليل المقبول. أمّا التقليد في اُصول الدين لمجرّد اقتناع نفس من نقلّده بالدليل ؛ فهذا غير صحيح ؛ لانّ العقائد لابدّ ان تثبت لدينا بالدليل العقلي التامّ ، وان كان امراً ارتكازياً ، والّا استلزم الدور. مثلاً اذا قلّدت عالماً يقول بوجود الله تعالى ووحدانيّته ، وله دليل مقبول عنده ، يأتي السؤال لماذا يكون قول هذا العالم حجّة لنا ، بحيث يثبت بقوله وجود الله أو وحدانيّته بالنسبة لنا ؟ فان قلت : لانّ الله تعالى ، أو رسوله ، أو الامام جعل قوله حجّة ؛ فيقال : من أين ثبت وجود الله يجعل قول هذا العالم حجّة ؟ فحجيّة قول هذا العالم يتوقّف على وجود الله ، ووجوده يتوقّف على تقليد هذا العالم وحجيّة قوله ، وهذا دور محال. وهكذا الحال في سائر العقائد الأصليّة. نعم ، بعض العقائد يمكن التقليد فيها اذا حصل علم بصحّتها ؛ فالمجتهد مثلاً اذا قال بصحّة التوسّل وقيام الدليل عليه ثمّ حصل لنا العلم بذلك يجوز الاعتقاد بصحّة التوسّل.
الجواب من محمد مهدي المؤمن: أظنّ أنّ هذا السؤال نابع من المقارنة الطبيعيّة ، والإقتران التلقائي الذي ارتكز في أذهان الشيعة الإماميّة بين الإجتهاد وعصر الغَيبة ، حيث عُدّ المجتهد بديلاً للإمام عليه السلام ، أيّ قائماً مقامه الشريف على نحو الجزئيّة وفي حدود بيان الأحكام فقط ، أو على نحو الإطلاق كما هو عند القائلين بولاية الفقيه المطلقة ، أو على نحو الولاية المتوسطة ، وهو كونها أمراً بين الأمرين السابقين ، كما عُدّ الإجتهاد ـ وهو استنباط الحكم الشرعي الظاهري ـ بديلاً عن الحكم الواقعي ، وحجّةً على المجتهد ومقلّديه قائماً مقام حكم المعصوم عليه السلام في كونه منجّزاً ومعذِّراً ، وقد أصبح المألوف في أذهاننا ، والمرتكز في نفوسنا ، ارتباط هذه الحقيقة بزمن الغَيبة ارتباطاً وثيقاً كاد أن ينفي وجود أيّ وجهٍ لجواز الإجتهاد في زمن حضور الإمام عليه السلام ، وهو أمر ليس بصحيح ؛ ذلك أنّ الإسلام حاله حال سائر الأديان السماويّة لا ينمو إلّا في ظروف طبيعيّة بعيداً عن المعجزات وخوارق الطبيعة إلّا في النادر من الحالات ، حيث تكون المعجزة إثباتاً للحقّ ، وإتماماً للحجّة ، أو إبقاء لصلب الدين ، وحفظاً لبضة الإسلام ، إذا توقّف الإبقاء والحفظ للبيضة والأساس على عمليّة الإعجاز ولم يتحقّقا بالأسباب الطبيعة. بعد هذه المقدّمة أقول : ومن الطبيعي المسلّم أنّ الإسلام حتّى في عهد المعصومين عليهم السلام لم يقتصر على مكّة والمدينة ، ولم ينحصر وجود المسلمين في المنطقة أو المدينة التي كان يقيم فيها الإمام عليه السلام ويقطنها ، بل كانوا ينتشرون في البلاد القريبة والبعيدة ، وفي أقصى البلاد وأدناها ، وكانوا يعلمون إجمالاً بوجود أحكام إلٰهيّة مطلوبة منهم في كلّ واقعة كلّية أو جزئيّة ، وصغيرة أو كبيرة ، فلا يخلو فعل من أفعالهم من حكم من الأحكام الخمسة ، إمّا يكون واجباً أو حراماً أو مستحبّاً أو مكروهاً أو مباحاً ، علاوة على علمهم بوجود عبادات وأفعال وموضوعات لها أحكام خاصّة بها لا تخلوا من أحد الأحكام الخمسة. إذن فبُعد المسافة التي كانت بين المسلمين وبين إمامهم ، وصعوبة الاتّصال بينهم وبينه ، ولبدائيّة طرق وأساليب المواصلات ، بالإضافة إلى علم المسلمين إجمالاً بوجود أحكام شرعيّة وأعمال عباديّة خاصّة ، وحتّى معاملاتيّة ، لها أحكامها وموازينها الشرعيّة ، حتّمت على المسلمين التماس وتحديد الطرق والوسائل الكفيلة ببيان هذه الأحكام وسهولة التوصّل إليها من قِبل الشارع الحكيم ، وحتّمت على إمام المسلمين أن يبادر إلى تلبية هذه الحاجة وسدّها تارة ، وإلى الاستجابة لالتماسهم وطلبهم في ذلك تارة اُخرى ، وكانت الوسيلة الفضلى لسدّ هذه الحاجة وتلبية هذه الرغبة هي التمسّك بالسيرة العقلائيّة من لزوم رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة والعلماء ، وهذا الأمر لا يختصّ بزمن دون زمن ـ أعني لا يختصّ بزمن الغَيبة الكبرى ـ ؛ لأنّ الحاجة إلى معرفة الأحكام الشرعيّة موجودة ومورد للإبتلاء في كلّ زمان وكلّ مكان ؛ إذ وجود الإمام عليه السلام في المدينة المنوّرة أو في الكوفة مثلاً ، لا يمنع من وجود أحكام لأهل المدن والبلاد الاُخرى ، ولا يُسقط الأحكام عنهم ، وأمّا عجزهم عن الوصول إلى المعصوم عليه السلام لتلقّي الأحكام منه مباشرة ، أو ممّن سمعها منه ؛ للظروف الطبيعيّة أو الظروف غير الطبيعيّة المصطنعة ، بل قد تفوت المصلحة من الحكم في حال التأخير للوصول إلى المعصوم عليه السلام ، كلّ ذلك لم يُسقط التكليف عن المؤمنين ودفعهم إلى التماس طرق للخروج من هذا المأزق ، كما حمل المعصوم عليه السلام على تربية جيل من المجتهدين يقومون بحمل أعباء استنباط الحكم الشرعي وبيانه للناس ، وسدّ هذه الحاجة لهم ، فلا اختصاص للإجتهاد بزمن الغيبة الكبرى ، وإن كان فيه أوسع دائرة وأشدّ ابتلاءً. ولهذا رُوي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قوله : « مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله ، الاُمناء على حلاله وحرامه » (1). وقال الإمام الصادق عليه السلام : « اُنظروا إلى مَنْ كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فارضوا به حاكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمٍ فلم يُقبلْ به فإنّه بحكم الله استخفّ ، وعلينا ردَّ ، والرادّ علينا كافرٌ ، رادٌ على الله ، وهو على حدّ مَنْ أشرك بالله » (2). وفي رواية اُخرى : « الرادّ عليهم كالرادّ علينا ، والرادّ علينا كافر » (3). وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضاً : « ولاية أهل العدل الذين أمر الله بولايتهم وتوليتهم وقبولها ، والعمل لهم فرضٌ من الله ، وطاعتهم واجبة ، ولا يحلّ لمن أمروه بالعمل لهم أن يتخلّف عن أمرهم » (4). وكما قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام في الخبر المروي عنه : « أمّا من كان الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلّدوه » (5). وهكذا جاء في الخبر المروي عن الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجّة الله » (6). وعن الإمام الصادق عليه السلام : « انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فارضوا به ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه فإنّما بحكم الله استخفّ ، وعلينا ردّ ، وهو رادٌّ على الله ، وهو على حدّ الشرك بالله ، فإذا اختلفا فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر » (7). والحمد لله ربّ العالمين الهوامش 1. مستدرك الشيعة ١٧ : ٢٠. تحف العقول : ٢٣٨. مستدرك الوسائل ١٧ : ٣١٦ ، ب ١١. بلغة الفقيه ٣ : ٢٣٠. بحار الأنوار ٩٧ : ٨٠. 2. السرائر ٣ : ٥٤٠. مختلف الشيعة ٤ : ٤٦٤. 3. وسائل الشيعة ١ : ٢٣. الاحتجاج ٢ : ١٠٦. بحار الأنوار ٢ : ٢٢١. 4. كشف اللثام ٢ : ٣٢١. مستدرك الوسائل ١٧ : ٢٤٠ و ٣١٢. 5. عوائد الأيام ـ النراقي : ١٩١. حصر الاجتهاد ـ الطهراني : ٥١. 6. عوائد الأيام : ١٨٧. مستند الشيعة ١٠ : ٤١٩. وسائل الشيعة ١٢ : ٨٧. 7. رسائل الكركي ١ : ١٤٣. جامع المدارك ٥ : ٤١٢. تحرير الأحكام ٢ : ١٨١ و ٢٠٨. مجمع الفائدة والبرهان ١٢ : ٩. الكافي ١ : ٦٨. تهذيب الأحكام ٦ : ٣٠١. الوسائل ٢٧ : ١٠٦ و ١٢٣. مقتبس من كتاب : [ كيف نفهم الرسالة العمليّة ] / الجزء : 2 / الصفحة : 23 ـ 28
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: إنّ الاجتهاد عند السنّة والشيعة واحد ، وهو السعي وبذل الجهد لاستنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها التفصيليّة ، التي هي الكتاب والسنّة والإجماع والعقل ، مع أُمور قد تضيفها المدرسة العامية ، كالقياس والاستحسان وغيرهما. نعم ، يختلفان في الطريقة السلوكيّة للاجتهاد ، وفي مقدار حجّيته. إذاً ، الاجتهاد بما هو اجتهاد موجود عند الشيعة والسنّة ، ولكن مرحلة الاجتهاد توقّفت عند السنّة وانحصرت في أصحاب المذاهب الأربعة ، بينما الاجتهاد عند الشيعة لم يتوقّف لضرورته. ونحن نتساءل : إن كان الاجتهاد غير صحيح ، فلماذا اجتهد أصحاب المذاهب الأربعة في كثير من المسائل ؟ وإن كان صحيحاً ، فلماذا منعت عمليّة الاجتهاد ، ووقفت على هؤلاء ؟ وأُخمدت بذلك الحركة العلميّة ؟
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: بعد الإيمان بالله تعالى ، وأنّ له أنبياء ورسل أُنزلت عليهم شرائع ، وسنّت فيها للبشريّة قوانين ، وهذه القوانين فيها توضيح لمنهج الحياة الفرديّة والإجتماعيّة ، وفيها أوامر ونواهي يلزم على المكلّفين الأخذ بها ، فإذا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله حاضراً فالمكلّف يرجع إليه ، أو إلى نائبه لأخذ الحكم الشرعي منه ، كذلك بعد رحيله صلّى الله عليه وآله يرجع المكلّف إلى أوصيائه ـ وهم الأئمّة الإثني عشر من أهل البيت عليهم السلام ، أو نوّابهم ـ. ولكن بعد أن غاب الإمام الثاني عشر عليه السلام غيبة كبرى ، أرجع الناس إلى الفقهاء العارفين بالأحكام والمستخرجين لها من الأدلّة التي ذكرها النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وأهل بيته عليهم السلام ، أو الإجتهاد في تحصيل الحكم الشرعي عن طريق القواعد الكلّية التي طرحت على لسان النبيّ وأوصيائه عليهم السلام. وبما أنّ الإرجاع لم ينحصر في فرد معيّن ، وإنّما صار الإرجاع إلى وصف معيّن وهم الفقهاء العارفين بالأحكام ، فكلّ من تواجد فيه هذا الوصف رجع إليه في معرفة الحكم الشرعي ، وعلى ضوء هذا الوصف يتعدّد الموصوف ، أيّ يتعدّد الفقهاء العارفين بأحكام أهل البيت عليهم السلام. وبما أنّ الأذهان مختلفة والأذواق الفقهيّة متفاوتة ، والنظر إلى الأحكام الشرعية أو القواعد المطروحة متفاوتات ، فمن الطبيعي يحصل التفاوت بين الفقهاء في الفتوى ، ويحصل الإختلاف في الإجتهاد ، وهو كلّه دين بالنسبة إلى المكلّف ، ملزم بالرجوع والأخذ عنه ؛ لأنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام أمروا بذلك ، وهم أعلم وأعرف بالإختلافات وحصولها بين الفقهاء ، ومع ذلك ألزمونا بالرجوع إليهم. وأمّا مسألة حصول مشاكل فهذه تحلّ بتحديد الفقيه الذي يرجع إليه المكلّف ، وهو المطلوب لا غير ، والتزام فتاواه والأخذ بها ، وبالتالي لا توجد أيّ مشكلة بالنسبة إليه مادام هو آخذ عن فقيه واحد ، وعالم واحد. نعم لو عمل بالإحتياط مع معرفة طرقه يلزم فيه مشقّة وجهد ؛ لأنّ الفتاوى مختلفة ومتفاوتة ، وفي بعض الأحيان تكون على طرفي نقيض ، فإنّ مثل هذا الشخص يقع في مشكلة التعامل مع الفتاوى ، ومع ذلك توجد هناك طرق وقواعد كلّية يستطيع من خلالها معرفة الإحتياط وكيفيّة العمل به ، وكيفيّة التخلّص من المشاكل التي تواجهه حين العمل به. وأمّا المقلّد فقد ذكرنا بأنّه مادام ملزم بالأخذ من فقيه واحد ـ على تفصيل ليس هنا محلّه فلا يقع في أيّ محذور ، ولا توجد لديه أيّ مشكلة.
من سماحة السيّد علي الحائري 1 ـ العمل بكافة الأحكام الشرعية الإلزامية ـ الوجوبات والتحريمات الشرعية ـ أمر واجب بحكم العقل بلا إشكال . 2 ـ مصادر التشريع : عندنا عبارة عن « القرآن الكريم » و « السّنّة الشريفة » . والسّنّة عندنا : تعني مجموع أفعال المعصومين وأقوالهم وتقاريرهم . والمعصومون عندنا هم : النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وعليّ أمير المؤمنين (سلام اللّه عليه) ، والصّدّيقة الزهراء فاطمه بنت رسول اللّه (سلام اللّه عليهما) ، والحسن والحسين (سلام اللّه عليهما) ، والأئمة التسعة من ولد الحسين (سلام اللّه عليهم). أمّا إجماع الصحابة والقياس : فليس من مصادر التشريع عندنا ، ولا حجّيه لهما بتاتاً كما هو مبحوث عندنا مفصَّلا ، ومقرّر في محلّه في علم أصول الفقه وغيره . 3 ـ الخلافة بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) مباشرة إنّما هي لمَن نَصَّ عليه النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، وعَيَّنه خليفةً له بأمرٍ من اللّه تبارك وتعالى ، وقد نَصَّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) على عليّ بن أبي طالب (سلام اللّه عليه) وعلى ولده في أكثر من مورد ، وكان آخرها يوم الغدير في حجّة الوداع حيث عيّنه وليّاً على الأُمّة من بعده فقال: « مَ ن كنتُ مولاه فَعَليٌّ مولاه » ، وأخذ البيعة له من المسلمين. 4 ـ حكم الكافر : المستعمر مرفوض عندنا بكلّ أشكاله ، قال اللّه تبارك وتعالى : { وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } {النساء/141}. وفقنا اللّه جميعاً لما يحبّ ويرضى.
الجواب من محمد مهدي المؤمن: والجواب الذي يناسب المقام باختصارٍ شديد ، وبيانٍ واضح سديد أنّ السّيرة العقلائيّة ـ كما هو واضح ـ استمرار عادة الناس وتبانيهم العمل على فعل شيءٍ ، أو ترك شيءٍ ، والمقصود بالناس : جميع العقلاء والعرف العام من كلّ ملّة ونحلة ، فيعمّ المسلمين وغيرهم ، والتعبير الشايع عند الاُصوليين المتأخرين ـ والمراد منهم علماء الاُصول في الأزمنة المتأخّرة ـ تسميتها بـ « بناء العقلاء » (1). فالسّيرة العقلائيّة تقضي بلزوم رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الخبرة. وأمّا المراد بحكم العقل والمقصود منه هنا هو حكم العقل العملي « ومعنى حكم العقل ـ على هذا ليس إلّا إدراك أن الشيء ممّا ينبغي أن يُفعل أو يُترك » (2) فالعقل يحكم بضرورة رجوع الجاهل إلى العالم وذوي الإختصاص وأهل الخبرة. وأمّا حكم الفطرة فالمراد منه أن الفطرة الإنسانيّة السّليمة تحكم بوجوب ولزوم رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الخبرة فيما يجهل. وأمّا حكم الشرع فهو الحكم الوارد على لسان الشارع المقدّس في الكتاب أو السّنّة أو المستفاد من العقل أو الإجماع أو سيرة المعصومين عليه السلام ، وهو على قسمين : أ ـ إمّا إرشاد وتنبيهٌ إلى حكم العقل ، أو حكم الفطرة ، أو السيرة العقلائيّة ، إن كان لواحدٍ من هذه الثلاثة حكم في خصوص المسألة ، ويسمّى « حكماً إرشاديّاً ». ب ـ وإمّا تأسيس حكم وإيجاد أمر أو نهي ، إذا لم يكن مسبوقاً بحكم العقل أوالفطرة أو السيرة العقلائيّة ، ولم يكن مبتنياً على أحدها ويسمّى حينئذٍ « أمراً مولويّاً » أيّ من المولى مباشرة من غير ابتناءٍ على حكم العقل أو الفطرة أو السّيرة العقلائيّة. والنتيجة : أنّ مسألة وجوب التقليد في الشّرع المقدّس مبنيّة على أحد الاُمور الثلاثة السّابقة : أ ـ إمّا على حكم العقل بضرورة رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الخبرة. ب ـ أو على حكم الفطرة بلزوم الرجوع إلى العالم وأهل الخبرة ج ـ أو على السّيرة العقلائية القاضية بالرّجوع إلى العالم و أهل الخبرة. فما ورد على لسان المعصوم عليه السلام في الأخبار الصّحاح وفي بعض المراسيل مثل قوله عليه السلام : « من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواء ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلّدوه » (3) حكم شرعي إرشادي ، أيّ أنّه إمّا إرشاد إلى حكم العقل ، أو حكم الفطرة ، أو سيرة العقلاء. واعلم أنّ السّيرة العقلائيّة لا تكون حجّة ـ أيّ لا يجوز العمل بها ، أو لا يجب الأخذ بها ـ إلّا إذا كانت ممضاةً وموقَّعةً ومؤيّدةً من قِبَلِ الشارع المقدّس بالكتاب والسُّنة ، أو على الأقلّ لم يرد نهي عنها على لسان المعصوم عليه السلام. والحاصل : أنّ المؤمنين كانوا وما زالوا يرجعون في تلقّي أحكامهم إلى الفقيه الجامع للشرائط ، وذلك بدليل السّيرة العقلائيّة القاضية برجوع الجاهل إلى العالم أو حكم العقل أو حكم الفطرة القاضيين بضرورة رجوع الجاهل إلى العالم وزاد في التأكيد على ذلك ما ورد لسان المعصوم عليه السلام ، وبهذا نكون قد أجبنا على سؤال هامّ تقدّم في الدّرس الأول ، ألا وهو : لماذا وبأيّ دليل اختاروا هذا المسلك ؟ أيّ لماذا اختاروا طريقة التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم ؟ الهوامش 1. اُصول الفقه للمظفّر الباب السّابع السّيرة. 2. اُصول الفقه للمظفّر ص ١٧٠ منشورات الفيروز آبادي. 3. الاحتجاج ج ٢ / ٢٦٣ ، بحار الأنوار ج ٢ / ٨٨ ، وسائل الشيعة ج ٢٧ / ١٣١. مقتبس من كتاب : [ كيف نفهم الرّسالة العمليّة ] / الجزء : 1 / الصفحة : 13 ـ 17
من سماحة السيّد علي الحائري
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى استدلّ الفقهاء على جواز التقليد في الأحكام الشرعية بالأدلّة القاطعة من الكتاب والسنّة والعقل . أمّا الكتاب : فبآيات عديدة منها قوله تعالى : { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } {النحل/43} {الأنبياء/7} . وقوله تعالى : { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } {التوبة/122} . وأمّا السنّة : فروايات كثيرة وهي بالغة حدّ التواتر الاجمالي : ففي التوقيع بخطّ الإمام الحجّة ( عجّ الله تعالى فرجه الشريف) : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ؛ فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجّة الله عليهم » . وقول الإمام الهادي (عليه السلام) : « ا لعمري ثقتي ، فما أدّى إليك فعنّي يؤدّي ، وما قال لك عنّي : فعنّي يقول ، فاسمع له واطع ؛ فإنّه الثقة المامون » . وقول الإمام الصادق (عليه السلام) : لأبان ابن تغلب : « اجلس في مسجد المدينة ، وافت الناس ، فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك » . وأمّا العقل : فقد استدلّ بالسيرة العقلائية من رجوع الجاهل إلى العالم في كلّ علم وفنّ وحرفة ومهنة ، وقد أمضى الشارع هذه السيرة حيث لم يردع عنها . وتفصيل الكلام ، وتقريب الاستدلال إنّما هو من شؤون الفقيه المجتهد .