الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: اللطم نوع من اظهار الحزن والألم والمصيبة ، ولا يحتاج جوازه في مصيبة الامام الحسين عليه السلام أو مصائب المعصومين عليه السلام إلى دليل خاصّ ، وقد ورد انّ الجزع مكروه الّا في مصيبة سيّد الشهداء عليه السلام ، واللطم نوع من الجزع (1). كما انّ المواكب اللطم تكون من الشعائر ، لأنّ المراد من الشعائر العلامات والطقوس التي تدلّ على اهتمام المسلمين بالدين وتقوي معنويّتهم ، ولأجل ذلك عبّر القرآن الكريم عن مناسك الحجّ بالشعائر ، فقال تعالى : ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّـهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (2) ، لأنّ مناسك الحجّ تدلّ على وحدة المسلمين وقوّة إرادتهم وتبيّن عظمة الإسلام. والمواكب الحسينيّة تكون من أبرز مصاديق الشعائر الإلهيّة. وممّا يدلّ على جواز بل استحباب اللطم في مصيبة الإمام الحسين عليه السلام ، ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام : وقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي عليهما السلام ، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب (3). وقد قرأ دعبل قصيدته العصماء عند الإمام الرضا عليه السلام وفي بعض أبياته : أفاطم لو خلت الحسين مجدَّلا وقد مات عطشاناً بشطِّ فرات (4) الهوامش 1. كامل الزيارات « لجعفر بن قولويه » / الصفحة : 201 ـ 202 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1 : حدثني ابي رحمه الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن ابي عبد الله الجاموراني ، عن الحسن بن علي بن ابي حمزة ، عن ابيه ، عن ابي عبد الله عليه السلام ، قال : سمعته يقول : ان البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي عليهما السلام ، فانه فيه مأجور. 2. الحج : 32. 3. تهذيب الأحكام « للشيخ الطوسي » / المجلّد : 8 / الصفحة : 325 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 1. 4. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 49 / الصفحة : 248 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2.
الجواب من العقائد الإسلاميّة: لا شكّ أنّ أعداء أهل البيت عليهم السلام حاولوا على مدى الزمان منع إقامة الشعائر الحسينيّة ، أو التشكيك والسخريّة في كثير منها ، ولكن بسبب وقوف مراجع الدين أمام هذا التيار وحثّهم للأُمّة على إقامة الشعائر والحبّ والولاء الموجودان لدى الأُمّة ، أفشل الكثير من تلك المحاولات ، فأثبتوا لهم تمسّكهم بأهل البيت عليهم السلام مهما كلّفهم الأمر. فقضيّة ثواب البكاء على مصيبة الإمام الحسين عليه السلام ، فهي من القضايا المسلّمة عند علمائنا ، فقد وردت روايات كثيرة في هذا المجال ، نذكر منها : أ : عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول : أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي عليهما السلام دمعة حتّى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقابا ، وأيما مؤمن دمعت عيناه حتّى تسيل على خده فينا لأذي مسّنا من عدونا في الدنيا بوأه الله بها في الجنة مبوأ صدق ، وأيما مؤمن مسّه أذى فينا فدمعت عيناه حتّى تسيل على خده من مضاضة ما اوذي فينا صرف الله ، عن وجهه الاذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار. (1) ب : عن أبي عمارة المنشد ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : قال لي : يا ابا عمارة انشدني في الحسين عليه السلام ، قال : فأنشدته ، فبكى ، ثم أنشدته فبكى ، ثم أنشدته فبكى ، قال : فوالله ما زلت انشده ويبكي حتّى سمعت البكاء من الدار ، فقال لي : يا ابا عمارة من انشد في الحسين عليه السلام شعراً فأبكى خمسين فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فأبكى أربعين فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فأبكى عشرين فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنة ، ومن انشد في الحسين عليه السلام شعراً فأبكى واحداً فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فبكى فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فتباكى فله الجنة. (2) ج : عن صالح بن عقبة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : من انشد في الحسين عليه السلام بيت شعر فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنة ، ومن انشد في الحسين بيتا فبكى وأبكى تسعة فله ولهم الجنة ، فلم يزل حتّى قال : من أنشد في الحسين بيتاً فبكى ـ وأظنه قال : او تباكى ـ فله الجنة. (3) د : عن ابي عمارة المنشد ، قال : ما ذكر الحسين عليه السلام عند ابي عبد الله عليه السلام في يوم قط فرئي ابو عبد الله عليه السلام متبسماً في ذلك اليوم الى الليل ، وكان عليه السلام يقول : الحسين عليه السلام عبرة كل مؤمن. (4) هـ : عن ابي بصير ، قال : قال ابو عبد الله عليه السلام : قال الحسين بن علي عليهما السلام : أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن الّا استعبر. (5) و : عن الفضل بن شاذان ، قال : سمعت الرضا عليه السلام يقول : لما أمر الله تبارك وتعالى ابراهيم عليه السلام أن يذبح مكان ابنه اسماعيل الكبش الذي أنزله عليه ، تمنى ابراهيم عليه السلام أن يكون يذبح ابنه اسماعيل عليه السلام بيده ، وانه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع الى قلبه ما يرجع الى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده بيده ، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب ، فأوحى الله عز وجل اليه : يا ابراهيم من أحب خلقي اليك ؟ فقال : يا رب ما خلقت خلقا هو أحب اليّ من حبيبك محمد « ص » فأوحى الله عز وجل اليه : يا ابراهيم أفهو أحب إليك أو نفسك ؟ قال : بل هو أحب اليّ من نفسي ، قال : فولده أحب اليك أو ولدك ؟ قال : بل ولده ، قال : فذبح ولده ظلماً على أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟ قال : يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي ، قال : يا ابراهيم ، فان طائفة تزعم انها من أمة محمد « ص » ستقتل الحسين عليه السلام ابنه من بعده ظلماً وعدوانا كما يذبح الكبش فيستوجبون بذلك سخطي ، فجزع ابراهيم عليه السلام لذلك وتوجع قلبه وأقبل يبكي فأوحى الله عز وجل اليه : يا ابراهيم قد فديت جزعك على ابنك اسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين عليه السلام وقتله ، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب ، فذلك قول الله عز وجل : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. (6) ز : عن إبراهيم بن أبي محمود ، قال : قال الرضا ( عليه السلام ) : إنّ المُحرّم شهر كان أهل الجاهلية يُحرّمون فيه القِتال ، فاسْتُحِلّت فيه دماؤنا ، وهُتِكت فيه حُرمتنا ، وسُبي فيه ذَرَارينا ونساؤنا ، وأُضْرمت النيران في مَضَارِبنا ، وانْتُهِب ما فيها من ثَقَلنا ، ولم تُرْعَ لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) حُرمة في أمرنا. إنّ يوم الحسين أقرح جُفُوننا ، وأسبل دُمُوعنا ، وأذلّ عزيزنا ، بأرض كَرْبٍ وبلاء ، أوْرَثَتْنا الكَرْب والبلاء ، إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون ، فإنّ البُكاء يَحُطّ الذُنُوب العِظام. ثمّ قال ( عليه السلام ) : كان أبي ( صلوات الله عليه ) : إذا دخل شهر المُحرّم لا يُرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تَغْلِبُ عليه حتّى يمضي منه عشرة أيام ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مُصِيبته وحُزنه وبُكائه ، ويقول : هو اليوم الذي قُتِل فيه الحسين ( صلوات الله عليه ). (7) ح : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله لمّا نزلت : « وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ » الآية في اليهود أي الّذين نقضوا عهد الله ، وكذَّبوا رسل الله ، وقتلوا أولياء الله : أفلا اُنبّئكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الاُمّة قالوا : بلى يا رسول الله قال : قوم من اُمّتي ينتحلون أنّهم من أهل ملّتي ، يقتلون أفاضل ذرّيّتي وأطائب اُرومتي ، ويبدّلون شريعتي وسنّتي ، ويقتلون ولدي الحسن والحسين كما قتل أسلاف اليهود زكريّا ويحيى. ألا وإنَّ الله يلعنهم كما لعنهم ، ويبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هادياً مهديّاً من ولد الحسين المظلوم ، يحرقهم بسيوف أوليائه إلى نار جهنّم ، ألا ولعن الله قتلة الحسين عليه السلام ومحبّيهم وناصريهم ، والسّاكتين عن لعنهم من غير تقيّة يسكتهم. ألا وصلّى الله على الباكين على الحسين رحمة وشفقة ، واللّاعنين لأعدائهم والممتلئين عليهم غيظاً وحنقاً ، ألا وإنَّ الراضين بقتل الحسين شركاء قتلته ، ألا وإنَّ قتلته وأعوانهم وأشياعهم والمقتدين بهم براء من دين الله. (8) ط : عن الإمام علي عليه السلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش : يا أهل القيامة غضوا أبصاركم لتجوز فاطمة بنت محمد مع قميص مخضوب بدم الحسين فتحتوي على ساق العرش فتقول : أنت الجبار العدل إقض بيني وبين من قتل ولدي ، فيقضي الله لابنتي وربّ الكعبة. ثم تقول : اللهم اشفعني فيمن بكى على مصيبته ، فيشفعها الله فيهم . (9) نكتفي بهذا المقدار من الروايات ، وللمزيد راجعوا المصادر الحديثيّة. الهوامش 1. كامل الزيارات « لجعفر بن محمد بن قولويه » / الصفحة : 201 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. راجع : تفسير القمي « لعلي بن ابراهيم القمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 291 ـ 292 / الناشر : دار الكتاب / الطبعة : 3. 2. كامل الزيارات « لجعفر بن محمد بن قولويه » / الصفحة : 209 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. راجع : ثواب الأعمال وعقاب الأعمال « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 84 / الناشر : الشريف الرضي / الطبعة : 2. 3. كامل الزيارات « لجعفر بن محمد بن قولويه » / الصفحة : 210 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. راجع : ثواب الأعمال وعقاب الأعمال « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 84 ـ 85 / الناشر : الشريف الرضي / الطبعة : 2. 4. كامل الزيارات « لجعفر بن محمد بن قولويه » / الصفحة : 214 ـ 215 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. 5. كامل الزيارات « لجعفر بن محمد بن قولويه » / الصفحة : 215 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 200 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. 6. عيون أخبار الرضا (ع) « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 187 ـ 188 / الناشر : منشورات الشريف الرضي / الطبعة : 1. راجع : التفسير الصافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 4 / الصفحة : 279/ الناشر : مكتبة الصدر / الطبعة : 2. 7. الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 190 ـ 191 / الناشر مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. راجع : وسائل الشيعة « للشيخ الحرّ العاملي » / المجلّد : 14 / الصفحة : 504 ـ 505 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2. 8. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 304 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. راجع : التفسير الصافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 154 / الناشر : مكتبة الصدر / الطبعة : 2. 9. ينابيع المودّة لذوي القربى « للقندوزي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 323 / الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر / الطبعة : 1.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: كأنّك تريد أن تقول : إنّ العزاء جزع ، والجزع منهي عنه ، فالعزاء منهي عنه. وهذا الاستدلال فاسد من حيث سقوط صغراه ، وذلك : إنّ العزاء ومأتم الحسين عليه السلام هو عبارة عن ذكر الإمام الحسين عليه السلام ، وذكر فضائله ومقامه ، ثمّ العروج على واقعة الطفّ وإظهار الحزن وذرف الدموع عليه. فإذا كان العزاء هو ذلك فنأتي إلى مفرداته ، فالمفردة الأُولى هي ذكر فضائل الحسين عليه السلام والصفات المعنويّة التي تحلّى بها ، وهذا ليس فيه شيء مخالف للدين ، وليس فيه نهي ، بل هو أمر مشروع وطبق الموازين الشرعيّة ، فافتح ترجمة أيّ شخص دون الحسين عليه السلام من كتب التراجم لدى السنّة والشيعة تجده يبدأ بذكر فضائل المترجم له إن كانت له فضائل. فهذا الذهبي تحت ترجمة الإمام الحسين عليه السلام يقول : الإمامُ الشريفُ الكامل ، سِبطُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ورَيحانَتُه في الدنيا ، ومحبوبُه ، أبو عبد الله الحسينُ ابن أمير المؤمنين أبي الحسن عليِ بنِ أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيِّ القرشيِّ الهاشميِّ ـ ثمّ أخذ بذكر مناقبه ـ. (1) وأمّا واقعة الطفّ فقد ذكرها النبيّ صلّى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وتألّما وبكيا لذكرها ، وهاك بعض الروايات الصحيحة من حيث السند حتّى على مباني السلفيّة : عن أبي أُمامة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم لنسائه : « لَا تُبْكُوا هَذَا الصَّبِيِّ » يعني حسينا ، قال : وكان يوم أم سلمة ، فنزل جبريل عليه السلام ، فدخل رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم الداخل وقال لأم سلمة : « لَا تَدعي أحَدَاً يَدْخُلُ بيتي » فجاء الحسين رضي الله عنه ، فلما نظر إلى النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم في البيت أراد أن يدخل ، فأخذته أم سلمة ، فاحتضنته وجعلت تناغيه وتسكنه ، فلما اشتد في البكاء خلت عنه ، فدخل حتى جلس في حجر النبيّ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم ، فقال جبريل عليه السلام : إن أمتك ستقتل ابنك هذا ، فقال النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « يَقْتُلُونَهُ وَهُمْ مُؤمِنُونَ بِي ؟ » قال : نعم يقتلونه ، فتناول جبريل تربة ، فقال : بمكان كذا وكذا ، فخرج رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم قد احتضن حسينا كاسف البال مهموما ، ... (2) وقال الذهبي : إسناده حسن (3). وأخرج الطبراني بسنده ورجاله ثقات في « المعجم الكبير » في ترجمة الحسين عليه السلام عن أُمّ سلمة : عن أم سلمة قالت : كان الحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بين يدي النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم في بيتي ، فنزل جبريل عليه السلام ، فقال : يا محمد إنَّ أمّتَك تَقْتُلُ ابْنَكَ هَذَا مِنْ بَعْدِكَ ، فَأوْمَأ بِيدِهِ إلى الحُسيَنْ ِ، فبكى رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم ، وضمه إلى صدره ثم قال رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « وَدِيعَةً عِنْدَكِ هَذِهِ التُّرْبَةُ » فشمها رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم وقال : « وَيْحَ كُرْبٍ وَبَلَاءٍ » قالت : وقال رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « يَا أمَّ سَلَمَةَ إذَا تَحَوَّلَتْ هَذِهِ التُّرْبَةُ دَماً فَاعْلَمِي أنَّ ابْنِي قَدْ قُتِلَ » قال : فجعلتها أم سلمة في قارورة ، ثم جعلت تنظر إليها كل يوم ، وتقول : إنَّ يوما تحولين دما ليوم عظيم. (4) وأخرج الحديث غير الطبراني أيضاً. (5) وقال ابن عساكر : أنا عبد الرزاق ، أنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن أبيه ، قال : قالت أم سَلَمة : كان النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم نائماً فجاء حسين [ يتدرج ] قالت : فقعدت على الباب فسبقته مخافة أن يدخل فيوقظه ، قالت : ثم غفلت في شيء فدبّ فدخل فقعد على بطنه ، قالت : فسمعت نحيب رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم فجئت فقلت : يا رسول الله ، والله ما علمت به ؟ فقال : « إنما جاءني جبريل عليه السلام وهو على بطني قاعد ، فقال لي : أتحبه ؟ فقلت : نعم ، قال : إن أمتك ستقتله ، أَلَا أُريك التربة التي يُقتل بها ، قال : فقلت : بلى ، قال : فضرب بجناحه ، فأتى بهذه التربة » ، قلت : فماذا في يده تربة حمراء وهو يبكي ويقول : « يا ليت شعري من يقتلك بعدي » ؟ (6) وأخرج الطبراني بسنده ورجاله ثقات : عن أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم جالسا ذات يوم في بيتي فقال : « لا يدخل علي أحد » فانتظرت فدخل الحسين رضي الله عنه فسمعت نشيج رسول الله صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم يبكي ، فاطلعت فاذا حسين في حجره والنبي صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم يمسح جبينه وهو يبكي فقلت والله ما علمت حين دخل فقال : « ان جبريل عليه السلام كان معنا في البيت فقال تحبه ؟ قلت أما من الدنيا فنعم قال ان امتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء » فتناول جبريل عليه السلام من تربتها فأراها النبي صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم فلما أحيط بحسين حين قتل قال ما اسم هذه الارض ؟ قالوا كربلاء قال صدق الله ورسوله أرض كرب وبلاء. (7) وأخرجه الهيثمي في « مجمع الزوائد » وقال : رواه الطبراني باسانيد ورجال أحدها ثقات. (8) وكذلك أقام النبيّ صلّى الله عليه وآله المأتم والعزاء على الحسين في بيت عائشة ، كما أخرجه الطبراني بسند صحيح (9) ، وأحمد في مسنده (10). وأقام مأتم الحزن والبكاء عليه في بيت السيّدة فاطمة عليها السلام ، كما في مقتل الخوارزمي (11). وهناك الكثير من الروايات التي تشير الى انّ النبيّ صلّى الله عليه وآله بكى وحزن على الحسين عليه السلام ، وأقام عليه العزاء والمأتم في بيوت نسائه ، بل وأمام جمع من الصحابة ، بل وأقام له المأتم منذ أوّل يوم من ولادته ، كما أخرجه الهيثمي في مجمعه بسند صحيح وغيره. (12) الأخبار الكثيرة التي تنصّ على أنّ جبرائيل عليه السلام أخبر النبيّ صلّى الله عليه وآله بأنّ أُمّته ستقتل الحسين عليه السلام ، وجاءه بتربة من أرض كربلاء ، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله شمّها واستنشق منها رائحة دم ابنه الحسين الشهيد. (13) أعطى صلّى الله عليه وآله لبعض زوجاته تربة الحسين عليه السلام ، وأنّها عرفت مقتله من تحوّل لون تلك التربة إلى دم عبيطاً في يوم العاشر. (14) وعن الزهري قال : قال لي عبد الملك : أيّ واحد أنت إن أعلمتني أيّ علامة كانت يوم قتل الحسين ؟ فقال : قلت : لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلّا وجد تحتها دم عبيط ، فقال عبد الملك : إنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان. قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات (15). وعن الزهري قال : ما رفع بالشام حجر يوم قتل الحسين بن علي إلّا عن دم. قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. (16) وعن أبي قبيل قال : لمّا قتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة حتّى بدت الكواكب نصف النهار حتّى ظننّا أنّها هي. قال الهيثمي : رواه الطبراني وإسناده حسن. (17) بل نجد أوسع صور العزاء والحزن تظهر على رسول الله صلّى الله عليه وآله في كربلاء عند قتل الإمام الحسين عليه السلام ، فهذا ابن عبّاس يقول : رأيت النبيّ صلّى الله عليه وآله في المنام بنصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم ينتقطه ... فقلت : ما هذا ؟ قال : دم الحسين وأصحابه ، فلم أزل أتتبعه منذ اليوم. قال الهيثمي : رواه أحمد والطبراني ورجاله أحمد رجال الصحيح (18). فإذاً لا يوجد أيّ مانع شرعي من إقامة المأتم الحسيني ، بل في إقامته أسوة واقتداء بالنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله ، إذ هو المقيم له والقائم عليه ، كما أسلفنا من خلال الروايات الصحيحة الواردة من طرق أهل السنّة ، وعليه فتسقط المقدّمة الأُولى ، وهي كون البكاء والمأتم نوع من الجزع ولا يبقى لها مكان تجلس عليه ، علاوة على المناقشة في كون البكاء في المأتم هل هو يصدق عليه جزع أم لا ، والصحيح أنّه لا ، لكن لا مجال لبيان ذلك. الهوامش 1. سير أعلام النبلاء « للذهبي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 280 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 9. 2. المعجم الكبير « للطبراني »/ المجلّد : 8 / الصفحة : 285 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 14 / الصفحة : 190 ـ 191 / الناشر : دار الفكر. سير أعلام النبلاء « للذهبي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 289 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 9. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 189 / الناشر : دار الكتب العلمية. 3. سير أعلام النبلاء / المجلّد : 3 / الصفحة : 289 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 9. 4. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 108 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 5. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 14 / الصفحة : 192 ـ 193 / الناشر : دار الفكر. تهذيب الكمال « للمزي » / المجلّد : 6 / الصفحة : 408 ـ 409 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 4. تهذيب التهذيب « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 300 ـ 301 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 6. تاري مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 14 / الصفحة : 194 / الناشر : دار الفكر. 7. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 109 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 8. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 188 ـ 189 / الناشر : دار الكتب العلمية. 9. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 107 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2 : حدثنا أحمد بن رشدين المصري ثنا عمرو ابن خالد الحراني حدثنا ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل الحسين بن علي رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوحى اليه فنزا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منكب ولعب على ظهره فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتحبه يا محمد ؟ قال : « يا جبريل وما لي لا أحب ابني » قال فان امتك ستقتله من بعدك فمد جبريل عليه السلام يده فأتاه بتربة بيضاء فقال في هذه الارض يقتل ابنك هذا يا محمد واسمها الطف فلما ذهب جبريل عليه السلام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والتربة في يده يبكي فقال « يا عائشة ان جبريل عليه السلام أخبرني أن الحسين ابني مقتول في ارض الطف وان أمتي ستفتتن بعدي » ثم خرج الى أصحابه فيهم علي وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر رضي الله عنهم وهو يبكي فقالوا ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال : « أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه » . 10. مسند أحمد / المجلّد : 44 / الصفحة : 143 ـ 144 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : حدثنا وكيع ، قال : حدثني عبد الله بن سعيد ، عن أبيه ، عن عائشة ، أو أمّ سَلَمة ـ قال وكيع : شكَّ هو ، يعني عبد الله ابنَ سعيد ـ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لإحداهما : « لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ البَيْتَ مَلَكٌ ، لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ قَبْلَها ، فَقالَ لي : إِنَّ ابْنَكَ هذا حُسَيْن مَقْتُولٌ ، وإنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ مِنْ تُرْبةِ الأَرْضِ الَّتِي يُقْتَلُ بِها » قال : فأخرجَ تُرْبةً حَمْراءَ. 11. راجع : مقتل الحسين (ع) « للموفق الخوارزمي ) / المجلّد : 1 / الصفحة : 242 ـ 245 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2. 12. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 187 ـ 188 / الناشر : دار الكتب العلميّة. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 107 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 13. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 4 / الصفحة : 194 / الناشر : دار الفكر. 14. راجع : المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 108 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 15. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 196 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 16. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 196 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 17. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 197 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 18. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 193 ـ 194 / الناشر : دار الكتب العلميّة.
الجواب من العقائد الإسلاميّة: أوّلاً : انّ أوّل مجلس نصبه الامام زين العابدين عليه السلام هو في الشام ، عندما خطب في ذلك الحشد ، وأخذ ينعى ويعدّد صفات أبيه ومظلوميّته ، والناس من حوله تبكي ، فهذا مجلس عزاء أقامه الامام زين العابدين عليه السلام في الجامع الأموي. (1) ثانياً : ما كان يفعله الامام زين العابدين عليه السلام عند مروره بالقصّابين ، وتذكيرهم بمصاب الامام الحسين عليه السلام ، وأخذه البكاء أمامهم (2) ، فإنّ هذا عزاء لأبيه الحسين عليه السلام في الملأ العام وليس فقط تذكير. ثالثاً : روى العلّامة المجلسي : رأيت في بعض مؤلّفات المتأخّرين أنّه قال : حكى دعبل الخزاعيُّ قال : دخلت على سيّدي ومولاي عليِّ بن موسى الرِّضا عليه السلام في مثل هذه الأَيّام ـ يعني محرّم ـ فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب ، وأصحابه من حوله ، فلمّا رآني مقبلاً قال لي : مرحباً بك يا دعبل مرحباً بناصرنا بيده ولسانه ، ثمّ إنّه وسّع لي في مجلسه وأجلسني إلى جانبه ، ثمَّ قال لي : يا دعبل اُحبُّ أن تنشدني شعراً فانَّ هذه الأيّام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت ، وأيّام سرور كانت على أعدائنا خصوصا بني اُمية ، يا دعبل من بكى وأبكى على مصابنا ولو واحداً كان أجره على الله يا دعبل من ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لما أصابنا من أعدائنا حشره الله معنا في زمرتنا ، يا دعبل من بكى على مصاب جدِّي الحسين غفر الله له ذنوبه البتة. ثمّ إنّه عليه السلام نهض ، وضرب ستراً بيننا وبين حرمه ، وأجلس أهل بيته من وراء الستر ليبكوا على مصاب جدِّهم الحسين عليه السلام ثمَّ التفت إليَّ وقال لي : يا دعبل ارث الحسين فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً ، فلا تقصر عن نصرنا ما استطعت قال دعبل : فاستعبرت وسالت عبرتي ، وأنشأت أقول : أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاً وقد مات عطشاناً بشطِّ فرات إذاً للطمت الخدَّ فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات » (3) فهنا الامام عليه السلام عقد مجلساً لذكر جدّه الإمام الحسين عليه السلام ، وأمر بضرب الحجاب حتّى يسمع أهل بيته. رابعاً : روى العلّامة المجلسي : رأيت في بعض تأليفات بعض الثقات من المعاصرين : روي أنه لمّا أخبر النبيُّ صلّى الله عليه وآله ابنته فاطمة بقتل ولدها الحسين وما يجري عليه من المحن بكت فاطمة بكاءً شديداً ، وقالت : يا أبت متى يكون ذلك ؟ قال : في زمان خال منّي ومنك ومن عليّ ، فاشتدّ بكاؤها وقالت : يا أبت فمن يبكي عليه ؟ ومن يلتزم باقامة العزاء له ؟ فقال النبيُّ : يا فاطمة إنّ نساء اُمّتي يبكون على نساء أهل بيتي ، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي ، ويجدِّدون العزاء جيلاً بعد جيل ، في كلِّ سنة فإذا كان القيامة تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرِّجال وكلُّ من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة. (4) خامساً : روى الشيخ الصدوق : قال الرضا ( عليه السلام ) : إ نّ المُحرّم شهر كان أهل الجاهلية يُحرّمون فيه القِتال ، فاسْتُحِلّت فيه دماؤنا ، وهُتِكت حُرمتنا ، وسُبي فيه ذَرَارينا ونساؤنا ، وأُضْرمت النيران في مَضَارِبنا ، وانْتُهِب ما فيها من ثَقَلنا ، ولم تُرْعَ لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) حُرمة في أمرنا. إنّ يوم الحسين أفرح جُفُوننا ، وأسبل دُمُوعنا ، وأذلّ عزيزنا ، بأرض كَرْبٍ وبلاء ، أوْرَثَتْنا الكَرْب والبلاء ، إلى يوم الانقضاء ، فعلى الحسين فليبكِ الباكون ، فإنّ البُكاء يَحُطّ الذُنُوب العِظام. ثمّ قال ( عليه السلام ) : كان أبي ( صلوات الله عليه ) إذا دخل شهر المُحرّم لا يُرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تَغْلِبُ عليه حتّى يمضي منه عشرة أيام ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مُصِيبته وحُزنه وبُكائه ، ويقول : هو اليوم الذي قُتِل فيه الحسين ( صلوات الله عليه ). (5) فالإمام عليه السلام أقام العزاء للإمام الحسين عليه السلام ، وجدّد مصيبته في كلّ محرّم بحزنه وبكائه ، وتغيّر لونه. (6) وهناك روايات كثيرة واردة في أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يظهرون الحزن والعزاء عند دخول شهر محرّم. نعم ، تبقى مسألة لابدّ من الالتفات اليها ، وهي حالة الأئمّة عليهم السلام وما كانوا عليه من المطاردة والمحاصرة ، والمراقبة المشدّدة من قبل الدولتين الأُمويّة ـ هي التي وقعت فيها معركة كربلاء ـ والعبّاسيّة ، ومعلوم موقف الدولتين من أئمّة أهل البيت عليهم السلام. فلذلك لا تجد أنّ الامام يقيم العزاء العامّ ، ويدعو الناس اليه كما يقام الآن ، لأنّه في رقابة وفي محاصرة تامّة من قبل السلطة ، ويريد أن يحفظ نفسه ويقوم بما هو المطلوب منه ، فلذلك لا نجد هذا الأمر بالكيفيّة التي عليها نحن اليوم. الهوامش 1. راجع : بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 45 / الصفحة : 136 ـ 139 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. مقتل الحسين « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 371 ـ 373 / الناشر : مؤسسة الخرسان. 2. راجع : مأساة الحسين عليه السلام بين السائل والمجيب « للشيخ عبد الوهاب الكاشي » / الصفحة : 182 / الناشر : دار العلوم / الطبعة : 1. 3. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 45 / الصفحة : 257 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 4. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة 292 ـ 293 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 5. الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 190 ـ 191 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : لقد أقيم المأتم علي بن أبي طالب عليه السلام يوم دفنه ، وكان المعزّي الخضر عليه السلام حيث أتى لتعزية وتسلي أهل البيت عليهم السلام وذكر فضائل علي عليه السلام في تعزيته. (1) وكذلك الإمام الحسن عليه السلام حيث خطب الخطبة المعروفة بعد استشهاد أبيه أمير المؤمنين عليه السلام وكان الناس يبكون وينوحون في أثناء خطبته. (2) ثانياً : لا ربط لإقامة التعزية للإمام الحسين عليه السلام بالأفضليّة ، فالنبي صلّى الله عليه وآله وعلي عليه السلام أفضل من الإمام الحسين عليه السلام لكن قد لا يجب إقامة التعزية لمصابهما بخلاف مصيبة الإمام الحسين عليه السلام ، فإنّها مصيبة عظيمة فيها أنواع من الفجائع والمصائب. وهل سمعت اُذناك أنّ طفلاً صغيراً يرمى بسهم ذي ثلاث شعب يذبحه من الوريد إلى الوريد لمجرّد أنّ أباه استسقى له الماء ـ قبل واقعة كربلاء ـ. (3) وهل سمعت اُذناك أنّ النساء العترة الطاهرة يساقون سوق الاماء من بلد إلى بلد آخر قبل وبعد فاجعة الطف ؟ (4) ثالثاً : نهضة الإمام الحسين عليه السلام واستشهاده مدرسة للأجيال يتعلّم فيها المسلمون التضحية في سبيل حفظ كيان الإسلام ، وبل يتعلّم جميع المستضعفين بذل الأنفس في مقارعة الظلم والكفر والطغيان ، ولذا يعبّر عن الإمام الحسين عليه السلام بقولهم « أبيّ الضيم » (5) ، ولأجل ذلك قال النبي صلّى الله عليه وآله : « الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة » (6). فلا بدّ أن يكون هذا المصباح وهاجاً باستمرار ينير الدرب لكلّ من يطلب الهداية ، ولا يتحقّق ذلك إلّا بالاهتمام بتخليد ذكراه واقامة العزاء عليه وذكر مصائبه وتضحياته وأهداف ثورته الخالدة. رابعاً : إقامة العزاء للإمام الحسين عليه السلام شعيرة عظيمة من شعائر الله تعالى ، حيث انّ أعداء الإسلام حينما يرون الجماهير الحاشدة في مجالس عزائه والمواكب والمسيرات لزيارته ، يعرض عليهم الخوف والهلع ويرون اتّحاد المسلمين وقدرتهم وعظمتهم وشوكتهم تماماً مثل شعائر ومناسك الحجّ. خامساً : ما ذنب الشيعة في إقامة العزاء للإمام الحسين عليه السلام مع انّ النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله كان يبكي ودموعه تسيل على خدّيه لمصاب الحسين عليه السلام قبل أن يقتل ، وكان يذكر مصائبه لصاحبته وزوجاته ويخبرهم بأنّ جبرئيل أخبره بأنّ الحسين عليه السلام سوف يقتل وقد أراه تربته التي يقتل عليها ، وكان النبي صلّى الله عليه وآله قد أودع هذه التربة الطاهرة عند أمّ سلمة وأخبرها أنّه متى صار لونها بلون الدم فاعلمي انّ الحسين قد استشهد (7). وقد تعرض الكثير من علماء السنّة لهذه الأحاديث النبويّة في كتبهم ، فراجع مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي. (8) الهوامش 1. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلد : 1 / الصفحة : 455 ـ 456 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5. 2. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 397 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. 3. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « للموفق الخوارزمي » / المجلد : 2 / الصفحة : 37 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 3. 4. راجع : الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلد : 2 / الصفحة : 119 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام / الطبعة : 1. 5. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 35 / الناشر : مؤسسة الخرسان. 6. راجع : عيون أخبار الرضا عليه السلام « للشيخ الصدوق » / المجلد : 1 / الصفحة : 62 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. 7. راجع : تاريخ اليعقوبي « لأحمد بن أبي يعقوب » / المجلد : 2 / الصفحة : 245 ـ 246 / الناشر : دار صادر. 8. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « للموفق الخوارزمي » / المجلد : 1 / الصفحة : 229 ـ 249 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: امّا أنّ هؤلاء في قلوبهم مرض أو أنّهم خدعوا من قِبل أعداء الإسلام والتشيّع ؛ فانّ بذل المال في سبيل إعلاء كلمة الإسلام وتقوية المذهب وتعظيم شعائر الله تعالى أهمّ من انفاق المال على الأفراد. والجواب لهؤلاء هو : انّ المسلمين ينفقون أموالاً طائلة تعدّ بالميلياردات لأجل فريضة الحجّ أو العمرة ، وقد صدر الأمر الأكيد وجوباً أو استحباباً مؤكّداً من الشارع المقدّس بأداء فريضة الحجّ والعمرة (1) ؛ فلماذا لا يشكلون على صرف هذه الأموال في الحجّ ؟ أولم يكن الأولى ان تصرف على الفقراء والمحتاجين ؟! نعم ، نقول بأنّ الانفاق على الفقراء أمر جيّد ومهمّ جدّاً لكن لا مانع من الجمع بين الأمرين ، بل أوجب الله تعالى للفقراء في أموال الأغنياء ما يغنيهم اذا اخرجوا حقوقهم ، فالزكاة والخمس والكفّارات واجبة على الأغنياء. وقد ورد انّ الله تعالى علم بأنّ الزكاة تكفي الفقراء في كلّ زمان ، ولذا لم يوجب على الأغنياء غيرها (2). الهوامش 1. راجع : آل عمران : 97 : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ البقرة : 196 : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ 2. من لا يحضره الفقيه « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 2 / الصفحة : 7 ـ 8 / الناشر : مؤسسة النشر الاسلامي : عن معتّب مولى الصادق عليه السلام قال : قال الصادق عليه السلام : إنّما وضعت الزَّكاة اختباراً للأغنياء ومعونةً للفقراء ، ولو أنَّ الناس أدُّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً ، ولاستغنى بما فرض الله عزَّ وجلَّ له ، وإنَّ الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا إلّا بذنوب الأغنياء ، وحقيقٌ على الله عزَّ وجلَّ أن يمنع رحمته مَن منع حقَّ الله في ماله ، وأقسم بالّذي خلق الخلق وبسط الرِّزق إنّه ما ضاع مالٌ في بَرٍّ ولا بَحر إلّا بترك الزَّكاة ، وما صيد صيدٌ في برٍّ ولا بَحر إلّا بتركه التسبيح في ذلك اليوم وإنَّ أحبَّ الناس إلى الله عزَّ وجلَّ أسخاهم كَفّاً وأسخى الناس من أدَّى زكاة ماله ولم يبخل المؤمنين بما افترض الله عزَّ وجلَّ لهم في ماله. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 497 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: يكفي في مشروعيّة لبس السواد واستخدامها في عزاء الإمام الحسين عليه السلام سيرة أهل البيت عليهم السلام ، كما أنّه يكفي في ذلك أن يكون مصداقاً لتعظيم الشعائر الإلهيّة ، ولإحياء أمر أهل البيت عليهم السلام حيث قالوا ـ في أحاديث متعدّدة ـ : أحيوا أمرنا ، رحم الله مَن أحيا أمرنا (1). وفي الحديث الذي رواه الشيخ الطوسي قدّس سرّه في التهذيب عن الإمام الصادق عليه السلام : وقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي عليهما السلام ، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب (2). وروى البرقي : لمّا قتل الحسين بن عليّ (ع) لبس نسآء بني هاشم السّواد والمسوح وكنّ لا يشتكين من حرّ ولا برد وكان عليّ بن الحسين (ع) يعمل لهنّ الطّعام للمأتم. (3) وروي أنّ يزيد أمر أهل بيت الحسين عليه السلام أن يدخلوا قصره ، فلمّا دخلت النساء دار يزيد ، لم يبق من آل معاوية ولا آل أبي سفيان أحد الّا استقبلهنّ بالبكاء والصراخ والنياحة على الحسين عليه السلام ، وألقين ما عليهنّ من الثياب والحلي ، وأقمن المآتم عليه ثلاثة أيّام ، واُخليت لأهل البيت عليهم السلام الحجر والبيوت في دمشق ، ولم تبق هاشميّة ولا قرشيّة الّا ولبست السواد على الحسين عليه السلام ، وندبوه على ما نقل سبعة أيّام. (4) الهوامش 1. راجع : الأمالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 135 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1 : عن أبي عبدالله جعفر بن محمّد ( عليهما السّلام ) ، قال : سمعته يقول لخيثمة : يا خيثمة اقرئ موالينا السلام ، وأوصهم بتقوى الله العظيم ، وأن يشهد أحياؤهم جنائز موتاهم ، وأن يتلاقوا في بيوتهم ، فإن لقياهم حياة أمرنا. قال : ثمّ رفع يده ( عليه السّلام ) فقال : رحم الله من أحيا أمرنا. وسائل الشيعة « للشيخ الحرّ العاملي » / المجلّد : 14 / الصفحة : 501 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2 : عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنّه قال للفضيل : تجلسون وتتحدّثون ؟ فقال : نعم ، فقال : إنّ تلك المجالس أُحبّها ، فأحيوا أمرنا ، فرحم الله من أحيى أمرنا ، يا فضيل ، من ذكرنا أو ذكرنا عنده ... ثم ذكر مثله. 2. تهذيب الأحكام « للشيخ الطوسي » / المجلّد : 8 / الصفحة : 325 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 1. 3. المحاسن « لأحمد بن محمد البرقي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 420 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 1. راجع : وسائل الشيعة « للشخ الحرّ العاملي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 238 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2. 4. راجع : مقتل الحسين (ع) « لأبي مخنف الأزدي » / الصفحة : 219 / الناشر : المطبعة العلميّة. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 45 / الصفحة : 142 ـ 143 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. نفس المهموم « للشيخ عباس القمي » / الصفحة : 412 / الناشر : المكتبة الحيدرية / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: تعظيم الشعائر الإلهيّة واحياء أمر أهل البيت عليهم السّلام وإقامة مجالس العزاء لمصيبة سيّد الشهداء عليه السّلام من المستحبّات المؤكّدة التي يهتمّ بها الشرع المقدّس اهتماماً بالغاً (2) ، ولأجل ذلك يتحمّل المؤمنون ما يرد عليهم من المشقّة والوقوع في الحرج الناشئ من ذلك ، فلا مانع من قطع الشارع أو الطريق الّا اذا استلزم إيذاء المؤمنون ووقوعهم في الضرر والحرج الشديد الذي لا يتحمّل عادة ، وبما أنّ المجالس الحسينيّة مدارس للتربية والتعليم ، فالمرجوّ من المؤمنين الذين يقيمون هذه المراسم مراعاة حال المرضى والضعفاء والمجاورين ، وعدم القيام بما يسبّب الأذى والوقوع في حرج الشديد ، وليكونوا دعاة بأعمالهم لا بالأقوال. الهوامش 1. الحج : 32. 2. وسائل الشيعة « للشيخ الحرّ العاملي » / المجلّد : 12 / الصفحة : 20 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2 : محمّد بن عليّ بن الحسين في كتاب ( الإخوان ) بإسناده عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : تجلسون وتحدثون ؟ قلت : نعم ، قال : تلك المجالس أُحبّها ، فأحيوا أمرنا ، رحم الله من أحيى أمرنا يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج عن عينيه مثل جناح الذّباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 175 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : عدَّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن الحسن بن محبوب ، عن شعيب العقرقوفي قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لأصحابه : اتّقوا الله وكونوا إخوة بررة ، متحابّين في الله ، متواصلين ، متراحمين ، تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحبوه.
الجواب من السيّد علي الحائري: الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف ، وقراءة أبيات مدح بشأن نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يعتبر من شعائر الله : ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (1) ، كما أنّه تذكير للناس بأيّام الله ، فأيّ يوم لله أعظم من يوم ميلاد أوّل الأنبياء نوراً وآخرهم ظهوراً ، مولد سيّد الكائنات وأشرف خلق الله على الإطلاق ، وقد قال تعالى : ( وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) (2). ولا يُصغى لقول القائل وتشكيك المشكّك ، عصمنا الله جميعاً عن الذنوب والأخطاء والإنحرافات . الهوامش 1. الحج : 32. 2. ابراهيم : 5.
الجواب من السيد علي الميلاني: إنّ السرّ في إقامة ذكرى عاشوراء ومراسم العزاء على الإمام السبط الشهيد عليه السلام يكمن في أسباب استشهاده ونتائجه. أمّا الأسباب فالخلاصة : هي أنّ الإمام لم يبايع يزيد ، لأنّه رأى أنّ البيعة معه إعطاء الشرعيّة لحكومته وتصرّفاته ، ويزيد رجل فاسق فاجر شارب للخمر ، ناكحٌ للمحارم منتهك للحرمات ، يريد القضاء على الدين من الأساس والعودة إلى الجاهلية الأولى (1) ، فضحّى الإمام عليه السلام بنفسه الشريفة ، وبأولاده وأصحابه من أجل بقاء الدين. وأمّا النتائج فالخلاصة : هي فضيحة بني اُميّة ، وكشف الأستار عن واقع حالهم ، وحال المتقدّمين عليهم في الحكم ، وعن دسائسهم ضدّ هذا الدين والنبي وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام. فالحسين خدم ديننا وضحّى من أجله ، ولأن نكون مسلمين مؤمنين فله هذا الحق العظيم ، فلا بدّ من إحياء ذكره وإبقاء قضيّته أداءً لحقّه ووفاءً لعهده ، وهذا أقلّ ما يمكننا القيام به. وشأننا في هذا ، شأن سائر أبناء المذاهب والشعوب تجاه من خدمها وضحّى من أجلها ، وهذه سنّة إنسانيّة وإسلاميّة دلّ عليها الكتاب والسنّة والسيرة النبويّة ، وعمل الصالحين من الاُمّة على مدى القرون والأعصار. والسلام عليكم. الهوامش 1. راجع : اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 17 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1 : ثم أقبل ـ الحسين عليه السلام ـ على الوليد فقال : أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم الله ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحرمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله. الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 49 / الصفحة : 49 / الناشر : دار الكتب العلمية / الطبعة : 1 : لما وثب أهل المدينة ليالي الحَرّة فأخرجوا بني أميّة عن المدينة وأظهروا عيب يزيد بن معاوية وخلافه أجمعوا على عبدالله بن حنظلة فأسندوا أمرهم إليه فبايعهم على الموت وقال : يا قوم اتّقوا الله وحده لا شريك له ، فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خِفْنا أن نُرْمى بالحجارة من السماء ، إنّ رجلاً ينكح الأمّهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة والله لو لم يكن معي أحمد من الناس لأبليتُ لله فيه بلاءً حسناً.
من سماحة الشيخ محمّد السند حاجة كل عصر من واقعة الطف هو أن يستلهموا منها ما يجيب على اسئلتهم المعاشة في عصرهم من تضارب الأفكار والرؤى وتعدد وجهات النظر ، والذي تحتاجه عاشورا ـ وفي الحقيقة هي الأخرى حاجتنا نحن إلى عاشوراء أيضاً ـ وهي أن نحييي الواقعة في وجداننا ومشاعرنا وذاكرتنا وتفكيرنا كي نعيش الجو التربوي الذي يجب أن نتكامل به وفيه ، ولا بدّ في الشعائر الحسينية كما في الروايات المتواتر عنهم عليهم السلام أن تكون حماسية جياشة ، وأن تكون مفعمة بالحزن والتفجع والجزع ، وأن تكون متضمنة للمعاني والمثل التي نشدها سيد الشهداء عليه السلام من الغيرة والحمية للدين والنبل ، والإباء للباطل ، والنهي عن المنكر ، وإقامة العدل وغيرها ممّا جاء في خطبه وكلماته المأثورة .
الجواب من الشيخ محمد السند: حيث انّ أهل البيت عليهم السلام هم الثقل الثاني وعدل الكتاب الكريم الذي هو الثقل الأوّل ، وقد استفيض وتواتر بين الفريقين عن النبي صلّى الله عليه وآله الأمر بالتمسّك بهما (1) ، فأهل البيت والقرآن الكريم وجهان لشيء واحد ، وعلى ضوء ذلك. فإنّ سيرة أئمّة أهل البيت عليهم السلام ومنهم سيّد الشهداء عليه السلام سيرته قرآن متجسّد ، فكما أنّ القرآن مهما قام الباحثون المتخصّصون من علماء التفسير وغيرهم من العلوم الأخرى بتفسيره ؛ فإنّ ذلك لا يمثّل كلّ آفاق القرآن ، ولا كلّ ما فيه من عيون المعرفة والعلم ؛ فيظلّ القرآن يرفد البشريّة على مختلف طبقاتها وافهامها نميراً عذباً كلّ يغرف منه بحسب سعته ووعائه ، فهكذا سيرة الحسين عليه السلام من المدينة الى مكّة الى كربلاء الى يوم العاشر ؛ فإنّها مليئة بالوقائع والمشاهد التي ينهل منها علماء الفقه والقانون ، وعلماء الكلام والفلسفة ، وعلماء الأخلاق والعرفان ، وعلماء الاجتماع والعلوم الانسانيّة كلّ حسب تخصّصه وبعده الذي يسير فيه ، والعامّة تحتفظ بهذا التجسّد القرآني الجمعي المجموع بنحو الادراك الاجمالي الفطري ، فتنصهر في أجواء مدرسة سيرته عليه السلام لا سيّما وأنّ سيد الشهداء كما قال الرضا عليه السلام ما معناه : كلّنا أبواب هدىً وسفن نجاة ، ولكن باب الحسين أوسع وسفينته في لجج البحار أسرع (2). الهوامش 1. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 294 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : إنّي تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله عزّ وجلَّ وأهل بيتي عترتي ، أيّها الناس اسمعوا وقد بلّغت ، إنّكم ستردون عليَّ الحوض فأسألكم ممّا فعلتم في الثقلين والثقلان : كتاب الله جلَّ ذكره وأهل بيتي ، فلا تسبقوهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فانّهم أعلم منكم. بصائر الدرجات « لمحمد بن الحسن بن فروخ » / الصفحة : 456 / الناشر : منشورات الأعلمي / الطبعة : 1 : قال أبو جعفر عليه السلام دعا رسول الله أصحابه بمنى فقال : يا أيّها الناس إني تارك فيكم الثقلين أما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. صحيح مسلم / المجلّد : 7 / الصفحة : 123 / الناشر : دار الفكر : وَاَنَا تاركُ فيكُمْ ثَقَلَيْنِ اَوَّلُهُما كِتابُ اللهِ فيهِ الْهُدى وَالنُّورُ فَخُذُوا بكِتابِ اللهِ واسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلى كِتابِ اللهِ وَرَغَّبَ فيهِ ثُمَّ قالَ وَاَهْلُ بَيتي اُذَكِّرُكُمُ اللهَ في اَهْلِ بَيْتي اُذَكِّرُكُمُ اللهَ في اَهْلِ بَيْتي اُذَكِّرُكُمُ اللهَ في اَهْلِ بَيْتي. الحدائق الناضرة « للمحقق البحراني » / المجلّد : 9 / الصفحة : 360 / الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي : ثم انه مما يزيد ما ذكرناه تأييداً ويعلى مناره تشييداً ما استفاض بل تواتر معنى بين الخاصة والعامة من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم « اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض » وهو مروي بطرق عديدة ومتون متقاربه. 2. هذا الكلام : « كلّنا سفن النّجاة لكن سفينة جدّي الحسين أوسع وأسرع » ، ليس حديثاً من الأحاديث التي تروى عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام ؛ اذ خلت منه جميع مصادر الشيعة الإماميّة ، فضلاً عن مصادر العامّة. وبعد التدقيق والتتبع تبيّن أنّ هذا الكلام هو قول للعالم الجليل الشيخ جعفر التستري رضوان الله عليه ، وهذا هو نصّ كلامه في هذا الصّدد : الخصائص الحسينيّة « لجعفر بن الحسين التستري » / الصفحة : 14 / الناشر : دار السرور : فرايت في الحسين عليه السلام خصوصية في الوسيلة الى الله اتّصف بسببها بانه بالخصوص ؛ باب من أبواب الجنة وسفينة للنجاة ومصباح للهدى ، فالنبي والائمة عليهم السلام كلّهم أبواب الجنان ؛ لكن باب الحسين أوسع ، وكلّهم سفن النجاة ؛ لكن سفينة الحسين مجراها في اللجج الغامرة أسرع ، ومرساها على السواحل المنجية أيسر ، وكلّهم مصابيح الهدى ؛ لكن الاستضاءة بنور الحسين اكثر واوسع ، وكلهم كهوف حصينة ؛ لكن منهاج كهف الحسين أسمح وأسهل.
الجواب من الشيخ محمد السند: سبب كثرة ذكر الشيعة لسيّد الشهداء عليه السلام هو أمر النبي صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام بذلك في الروايات المستفيضة بل المتواترة ، فقد أكّدوا بإقامة العزاء على مصيبته التي هي من أفجع وأقرح المصائب التي تعتضّ الوجدان وتنغّص العيش (1) ، فالبشاعة الشرسة التي انتهكت بها حرمة رسول الله صلّى الله عليه وآله في سبطه وريحانته من الدنيا وسيّد شباب أهل الجنّة ، فمصيبة الحسين عليه السلام مصيبة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ومصيبة أمير المؤمنين وسيّدة النساء والحسن المجتبى. ففي قتل الحسين عليه السلام وولده وأهل بيته وأصحابه وسبي نسائه انتهكت حرمة القرآن الذي جعل من الحسين عليه السلام حجّة لحقّانية دين الإسلام ، وصدق النبوّة إلى يوم القيامة في قوله تعالى : ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (2) ، فقد أمر الله تعالى نبيّه بالاحتجاج بمباهلة الحسين عليه السلام وأصحاب الكساء دون الصحابة ودون زوجات النبي صلّى الله عليه وآله ، مع أنّ الحسين حين المباهلة لم يتجاوز بضع سنين من نشأته المباركة ، فجعل الله تعالى الحسين يتحمّل مسؤوليّة اقامة الحجّة على حقّانيّة الدين وصدق النبوّة ، وكذلك آية التطهير (3) ، وكذلك سورة هل أتى (4) ، وغيرها من السور. فمثل هذه الشخصيّة في الدين التي يرسم مقامه القرآن الكريم وكلام الله الحكيم ، انتهاك حرمته انتهاك لحرمة الله تعالى ولحرمة القرآن ولحرمة الرسول صلّى الله عليه وآله ؛ إذ قال صلّى الله عليه وآله : حسين مني وانا من حسين (5). الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا (6). ابناي هذانِ إِمامانِ قاما أو قعدا (7). الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة (8). وغيرها من الأحاديث العظيمة النبويّة التي توضح موقعيّة الحسين في الدين. وسبي نساء الحسين عليه السلام وهنّ بنات النبي صلّى الله عليه وآله ، فتصوّر ـ بالله عليك ـ ممّن يدّعون الانتماء إلى دين النبي كيف يرتكبون العظائم في حقّ سيّد الرسل صلّى الله عليه وآله ، فذكر مصيبة الحسين ذكر مصيبة النبي وجميع أهل بيته. هذا مضافاً إلى أنّ واقعة كربلاء واستشهاده عليه السلام قد كشفت القناع عن زيغ السقيفة التي أدّت إلى تسلّط بني اُميّة على رقاب المسلمين ، وإلى لعب مثل يزيد الفسق والمجون بمقدرات الدين والمسلمين ، فالشعائر الحسينيّة نبراس لحقّ أهل البيت في الإمامة ، وإحياء للتمسّك بالثقلين المأمور بهما. الهوامش 1. راجع كامل الزيارات « لابن قولويه » الصفحة : 201 ـ 212 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. 2. آل عمران : 61. 3. الأحزاب : 33 : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 4. سورة الإنسان 5. كامل الزيارات « لابن قولويه القمي » / الصفحة : 116 / الناشر : مكتبة الصدوق. 6. أسد الغابة « لابن الأثير » / المجلّد : 1 / الصفحة : 497 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 7. الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 30 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1. 8. من لا يحضره الفقيه « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 4 / الصفحة : 179 / الناشر : مؤسسة النشر الاسلامي / الطبعة : 2.
من سماحة الشيخ هادي العسكري قد اعتادت الاُمم والشعوب كافة على تعظيم وتقدير واكبار وتوقير رجالها وشخصياتها و عظمائها وافذاذها ، وكل من يكون له خدمة وعمل في وجودها وكيانها ، أو أثر في جهة من جهات تقدمها وحضارتها ، وهي تبدي حبها لها وتشيد بذكرها ، وتردد اسمائها ، وتثني عليها ، وترى نفسها رهينة لفضلهم ، ومدينة لإداء حقهم إليهم ، ومزيد الاعتراف بالشكر لهم ، وعرفان الجهل من أعمالهم بالاحتفال بمواليدهم ، والاحتفاف بهم ، والاحتفاظ عن نسيانهم ، وهي أظهر ظاهرة ، واوضح كاشفة عن أداء حقهم ، والاهتمام بأعمالهم ، وقديماً : قالوا من أحب شيئاً أكثر من ذكره ، وفيها ترغيباً وتشويقاً للاقتداء بهم واتّباعهم ، والسير على نهجهم ومنهاجهم والاقتفاء بهم ، وهي حاسة شريفة ، وصفة حسنة جميلة بل غريزة طبيعية ، وخصلة ذاتية ، وخاصة لهولاء السادة قادة الأئمة ، وأئمة القادة ، الذين انقذونا من الهلكة ، ومن كل ردية ورذيلة ، وساقونا إلى كل خير ، ومعرفة ونعمة ، ولهم علينا حق الحياة الأبدية ، والخلود في الجنة ، والنعيم الباقية السرمدية ، وأي مورد أحق وأفضل ، وأي سبيل أحسن واجمل ، وأي اتفاق أكثر ثواباً ، واوفر جزاءً من العطاء والبر لإحياء ذكرهم ، وتجديد العهد لهم ، وذكر مآثرهم وفضائلهم ، والاستماع لأقوالهم ومواعظهم ، وبذل النفيس ، ومنح العزيز، وصرف الثمين للإشادة بذكرهم ، والثناء عليهم ، والبراءة من أعدائهم. والقول : بأنّها بدعة ، قول سخيف اجفى بل احمق وجهول فاسق بل من الفاسق افسق ، وقول كذوب اعمى بل الكذوب منه اوثق ، واصدق ، ألم يرى ؟ ! ألم يسمع على الأقل بعيد ميلاد المسيح ، واحتفال المسلمين بميلاد الرسول محمّد صلى الله عليه وآله ؟ ! وهل كان أئمتنا في حياتهم في أمن وأمان وراحه ، وهل مضى عليهم يوم واحد خال من الظلم والجور من الظلمة الفجرة الكفرة أجداد هؤلاء الجهلة ؟ وإذا كان أمير المؤمنين وسيد الوصين أبو الأئمة ، وأوّل الأئمة طوال قرن يُسب ويُلعن ، واتخذوه سنة أباء هؤلاء الفسقة ، فهل يجد مع هذا أحد من الأئمة مجالاً ؛ لأن يحتفل بميلاد إمام سابق عليه ، وأن يطعم ويبر شيعته والمؤمنين به ؟ ! نعم ، الروايات طافحة بالأعمال والأدعية في تلك المناسبات ، والذكريات السعيدة ، أو المحزنة المشجية ، وتأكيداً للزيارات لهم ، ترغيباً بها ، وحفظاً لها من الدرس والطمس من اتباع بني العباس الظلمة ، واذناب بني أمية الكفرة الطغاة : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } (الصف/8).