الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: جواب هذا السؤال واضح جدّاً ، وهو انّ الأئمّة عليهم السلام لم يتمكّنوا من ذلك ، فقد كانوا مضطهدين ومظلومين ومحبوسين ، أو على الأقلّ كانوا تحت الرقابة الشديدة من قبل الحكّام الظالمين. نعم ، سوف يأتي دور الأئمّة عليهم السلام في الانتقام من قتلة الحسين عليه السلام وسائر الأئمّة عليهم السلام بل الانتقام من جميع الظالمين ، وذلك بظهور المهدي من آل محمّد عليه السلام الذي نطقت الأحاديث المتواترة المرويّة من طرق الشيعة والسنّة جميعاً ، مضمونها : انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : لو لم يبق من الدنيا الّا يوم واحد لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. ثمّ انّ قولنا : « يا لثارات الحسين » له معنى أعظم وأرفع من طلب الانتقام للحسين عليه السلام وهو استمرار خطّ الحسين عليه السلام ومنهجه ومسيرته ونهضته ؛ فنحن الشيعة نعلن للعالم بهذه الجملة انّنا نسير على نهج الحسين عليه السلام في القيام بوجه الظالمين والكافرين ، ونجاهد في سبيل الله تعالى ، ونضحى بأنفسنا وأولادنا ، كما جاهد الحسين عليه السلام وضحّى بنفسه وأهل بيته عليهم السلام في سبيل الله ؛ فهذه الجملة في الحقيقة اعلان حرب ضدّ الطواغيت في جميع الاعصار والأزمنة.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی قال المحدّث الخبير الشيخ عبّاس القمّي في كتاب : " نفس المهموم " ص (315) . « وأمّا أمّه ـ أيّ : أمّ علي الأكبر الشهيد ـ هل كانت في كربلاء أم لا ؟ لم أظفر بشيء من ذلك والله العالم . نعم ورد في بعض الكتب أنّّ ليلى كانت مع الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء ، وحينما خرج علي الأكبر إلى قتال القوم كانت تنظر إلى وجه الحسين (عليه السلام) فانخطف لونه ، وتغيّر وجهه ، فسألت هل أصيب ولدي ؟ فقال : « لا ، ولكنّ خرج إليه مَن يخشی منه عليه » . فدخلت الخيمة ، ونشرت شعرها ، ودعت لولدها ، فقتل علي الأكبر ذلك الرجل ، وجاء إلى الحسين (عليه السلام)يشكو الظمأ ... ».
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی قال السيّد ابن طاووس في " الملهوف " ص (176). « قال الراوي : ولمّا رجع نساء الحسين (عليه السلام) وعياله من الشام وبلغوا إلى العراق ، قالوا للدليل : مر بنا على طريق كربلاء . فوصلوا إلى موضع المصرع ، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله) وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد وردوا لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام) ، فوافوا في وقت واحد ، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد ، واجتمعت إليهم نساء ذلك السواد ، وأقاموا على ذلك أيّاماً » . قال السيّد : « قال الراوي : ثمّ انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة ... » . وقد روى الشيخ ابن نما في مقتله : " مثير الأحزان " (59) ما يقرب ذلك ، ويكفي مانقله السيّد ابن طاووس و ابن نما في إثبات هذا المطلب ، فإنّهما من أعاظم علماء المذهب ، ويدلّ على ذلك ما اشتهر بين علماء الإمامية أنّ رأس الحسين (عليه السلام) إمّا دفن مع جسده الشريف ردّه علي بن الحسين (عليه السلام) ، أو أنّه دفن عند أمير المؤمنين (عليه السلام) . وفي تاريخ " حبيب السير " : « أنّ يزيد بن معاوية سلّم رؤس الشهداء إلى علي بن الحسين (عليه السلام) ، فألحقها بالأبدان يوم العشرين من صفر ، ثمّ توّجه إلى المدينة الطيبة » . نعم لا يمكن الجزم بأنّ ورود أهل البيت (عليهم السلام) إلى كربلاء كان في يوم الأربعين ، وأمّا أصل ورودهم فهو ثابت حسب ما نقله ابن طاووس .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى للمزيد راجع كتاب نفس المهموم للمحدّث الشيخ عبّاس القمّي ، ونحن نذكر نماذج من كلامهم (عليهم السلام) حول هذه الفاجعة الكبرى ، وبعض ما جرى فيها . 1 ـ قال الإمام الحسين (عليه السلام) : « أنا قتيل العبرة ، قتلت مكروباً ، وحقيق على الله تعالى أن لا يأتيني مكروب إلاّ ردّه الله أو أقلبه إلى أهله مسروراً ». 2 ـ عن الرضا (عليه السلام) في حديث : « إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذلّ عزيزنا ، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام » . 3 ـ عن محمّد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقولان : « إنّ الله تعالى عوّض الحسين (عليه السلام) عن قتله أن جعلة الإمامة في ذرّيته ، والشفاء في تربته ، وإجابة الدعاء عند قبره ». 4 ـ عن الرضا (عليه السلام) قال : « يا بن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش ، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم شبيهون في الأرض ». 5 ـ عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال : « رحمَ اللهُ عمّيَ العبّاس ، فلقدْ آثرَ وأبلى وفدى أخاهُ بنفسهِ ؛ حتى قُطِعَتْ يداهُ ، فأبدلهُ اللهُ عزّوجلّ بهما جناحَينِ يطيرُ بهما معَ الملائكةِ في الجنّة ؛كما جعل لجعفرِ بنُ أبي طالب ؛ وإنّ للعبّاسِ عندَ اللهِ تباركَ وتعالى منزلةً يغبطهُ بها جميعُ الشّهداءِ يومَ القيامة ». 6 ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « أصبحت يوماً أُمّ سلمة (رضي الله عنها) تبكي . فقيل لها : مم بكاؤك ؟ فقالت : لقد قتل ابني الحسين الليلة ، وذلك أنني مارأيت رسول الله منذ مضى إلاّ الليلة ، فرأيته شاحباً كئيباً . فقالت : قلت : مالي أراك يا رسول الله شاحباً كئيباً ؟ قال : " مازالت الليلة أحفر القبور للحسين وأصحابه " ». 7 ـ عن الإمام الحسن السبط (عليه السلام) قال للحسين (عليه السلام) : « ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدّعون أنّهم من أُمّة جدّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وينتحلون دين الإسلام ، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك ، وانتهاك حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك ، وانتهاب ثقلك ، فعندها تحلّ ببني أميّة اللعنة ، تمطر السماء رماداً ودماً ، ويبكي عليك كلّ شيء ، حتّى الوحوش في الفلوات ، والحيتان في البحار ». 8 ـ عن الصادق (عليه السلام) قال في حديث : « ولقد شققن الجيوب الفاطميات ، ولطمن الخدود على الحسين بن علي (عليهما السلام) ، وعلى مثله تلطم الخدود ، وتشقّ الجيوب ». 9 ـ روى البرقي : « إنّه لمّا قتل الحسين بن علي (عليهما السلام) لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح ، وكن لا يشتكين من حرّ ولا برد ، وكان علي بن الحسين يعمل لهنّ الطعام للمآتم ». 10 ـ عن الصادق (عليه السلام) قال : « ما اكتحلت هاشمية ، ولا اختضبت ، ولا رؤي في دار هاشمي دخان خمس حجج حتّى قتل عبيد الله بن زياد (لعنه الله تعالى) ».
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: أوّلاً : إن ما ورد في السؤال ، من أنّ العصمة تقتضي علم الغيب ، لا يصحّ ، بل هي تقتضي العمل بالتكليف الشرعي ، وعدم الخطأ في تطبيقه ، وعدم إهماله ونسيانه. ثانياً : إنّ السائل نفسه يقول : إنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان معصوماً ، ويقول عن نفسه : إنّه يعتقد بالقرآن الذي يقول عنه صلّى الله عليه وآله : (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ) (1). ولنا أن نقول أيضاً : إنّ هذا السائل يعتقد : بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله قد أخبر بكثير من الغيوب التي تحقّقت ، ومنها : أنّ عليّاً عليه السلام سيقاتل الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين. وان عائشة ستخرج على علي عليه السلام ظالمة له ، وأنّها ستنبحها كلاب الحوأب. ونضيف هنا أيضاً : أنّكم قد رويتم في كثيرٍ من مصادركم الأساسيّة : أنّه صلّى الله عليه وآله قد أخبر بقتل الإمام الحسين في كربلاء ، وبكى عليه ، وأودع لدى أمّ سلمة قارورةً فيها من تراب كربلاء ، وقال لها : إنّها إن فاضت دماً ، فلتعلم أن الحسين قد قتل (2). ثالثاً : إذا كان الحسين يعلم بأنّه سيقتل في كربلاء ، وهو يمارس وظيفته الشرعيّة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن ذلك لا يمنعه من القيام بما أوجبه الله عليه من الذهاب إلى تلك البقعة. كما أنّ علم إبراهيم خليل الله بأنّه سيواجه القتل إذا حطم الأصنام للنمرود ، لم يمنعه من فعل ذلك. وعلم الأنبياء كلّهم بما سيواجهونه من مصائب وبلايا وأخطار لا يجعلهم يتخلّون عن واجبهم ، والجلوس في زوايا بيوتهم ، أو الهروب من مسؤليّاتهم. وكان الرسول صلّى الله عليه وآله يعلم أيضاً بما سيواجهه به المشركون ، وكان يرى ما يفعلونه بأصحابه من تعذيبٍ إلى حدّ الموت ، ولكنّه كان يأمرهم بالصبر ، ويقول لعمّار وأبيه وأمّه : « صبراً يا آل ياسر » (3). فلماذا لم يتخلّوا عن دينهم ، أو عن صلاتهم ، وصومهم على الأقلّ ، ليتخلّصوا من الموت الذي طال حتّى النساء منهم ، حيث ماتت والدة عمّار تحت التعذيب ؟! وإذا كان لا بدّ من حمل النساء والأطفال مع الحسين عليه السلام إلى كربلاء ، لكي يقع عليهم السبي أو القتل ، وليمنع ذلك من إثارة الشبهات والشكوك حول ما جرى له عليه السلام ، ويضيع بذلك دمه ، ولا ينتفع به الإسلام والمسلمون. حين يدعي بنو أميّة ومحبّوهم : أنّ الحسين قد قتل بيد اللصوص ، أو افترسته الوحوش ، أو ما إلى ذلك. نعم .. إنّه حين يكون المطلوب هو حفظ الإسلام بهذا الدم ، وبهذا السبي ، فهل سيبخل الحسين بذلك ، ويمتنع من حملهم معه إلى كربلاء ، ويحفظ بهم الإسلام والدين ؟! ومن يجود بدمه في سبيل دينه ، هل سيبخل بما هو دونه ؟! إن احتاج الإسلام إليه ؟! وهل سيكون آل ياسر الذين تعرضت نساؤهم للتعذيب والقتل أسخى على الدين من الحسين عليه السلام .. رابعاً : إنّ الإسلام لم ينحرف ، ولا يمكن أن ينحرف في يومٍ من الأيّام ، بل كان فريق من الناس ممّن يدعي الإسلام هم الذين ينحرفون عنه ، ويعملون على صدّ الناس عن الدخول فيه ، أو عن العمل والالتزام بأحكامه. خامساً : إنّ حال الناس في مدى التزامهم بالإسلام يختلف ويتفاوت من عصر لعصر ومن وقت لآخر .. كما أن سبل هدايتهم ، وصيانة دينهم ، وحفظ يقينهم ، وما يؤثر في سلامة مسيرتهم تختلف وتتفاوت وتخضع للظروف ، وللقدرات وللإمكانات ، اختلاف الحالات ، فقد يكفي فيه مجرّد التعليم والإرشاد ، وقد يحتاج إلى ممارسة بعض الشدّة في الزجر عن المنكر ، والتشدّد في فرض المعروف .. وربّما بلغ الانحراف عن خط الاستقامة حدّاً يحتاج فيه تصحيح المسار إلى درجات أشدّ من الكفاح ، وإلى الجهاد واستعمال السلاح وخوض اللجج وبذل الأرواح والمهج. وهذا ما فعله رسول الله صلّى الله عليه وآله بالذات ، فقد مارس من أساليب الدعوة إلى الله في كلّ حين ما توفّر لديه ، وسمحت به الظروف ، واقتضته الأحوال ، فما احتاج اليه وتوفّر لديه واستفاد منه في مكّة قد اختلف عمّا احتاج إليه وتوفّر لديه واستفاد منه في المدينة ، وما مارسه في صلح الحديبيّة اختلف عمّا مارسه في فتح مكّة ، واختلف هذا وذاك مع ما كان في بدر وأحد وحنين. سادساً : هل يستطيع مسلم أن يساوي بين عهد يزيد وبين ممارسات يزيد ، وبين عهد أبي يكر وممارسات أبي بكر ؟! أو بينه وبين عمر ابن الخطاب ؟! أو بين يزيد وبين علي عليه السلام في سيرته وممارساته ؟! بل إنّك لا تستطيع أن تساوي حتّى بين أبي بكر وعثمان ، في سيرتهما ، وفي طريقتهما ، فهل تساوي بين يزيد وعهده وبينهم وبين عهدهم ؟! الهوامش 1. الآية 188 من سورة الأعراف. 2. راجع : تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 245 و 246 والمعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 108 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 193 وكفاية الطالب ص 279 وتهذيب الكمال ج 6 ص 408 ومقتل الحسين للخوازمي ص 170 و ط مطبعة الزهراء ج 2 ص 96 ونظم درر السمطين ص 215 والكامل في التاريخ ج 4 ص 93 والوافي بالوفيات ج 12 ص 263 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 238 وج 14 ص 146 وترجمة الإمام الحسين عليه السلام لابن عساكر ص 251 و 252 ومعارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول للزرندي الشافعي ص 93 وكتاب الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 324 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 83 وذخائر العقبى ص 147 وطرح التثريب ج 1 ص 42 ومجمع الزوائد ج 9 ص 189 وينابيع المودة ج 3 ص 11 و 12 والمواهب اللدنية ص 195 والخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 ص 125 وجوهرة الكلام ص 120 ومأتم الحسين أو سيرتنا وسنّتنا للعلامة الأميني ط سنة 1428 هـ ص 90 عن مصادر كثير. 3. المستدرك للحاكم ج 3 ص 383 والإصابة ج 6 ص 500 وج 8 ص 190 والإستيعاب ج 4 ص 1589 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 36 وكنز العمال ج 11 ص 728 والدرجات الرفيعة ص 256 و 260 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 98 والمناقب للخوارزمي ص 234 والسيرة الحلبية ج 1 ص 483. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
من سماحة الشيخ باقر الإيرواني
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: يظهر من أرباب المقاتل انّ أهل البيت أخذوا يوم الحادي عشر بعد الظهر من كربلاء إلى الكوفة ، وبقوا في الكوفة عدّة أيّام ، ثم سيّروا إلى الشام (1). وكان مدّة السفر من كربلاء إلى الشام عشرين يوماً تقريباً ، لأنّهم دخلوا دمشق الشام في اليوم الأوّل من شهر صفر (2). ومكثوا في الشام أيّاماً ثمّ أمر يزيد بإرجاعهم إلى المدينة ، لكن عند مفترق الطرق قالوا لنعمان بن بشير عرّج بنا إلى كربلاء ، فوصلوا كربلاء يوم العشرين من صفر ثمّ سافروا إلى المدينة (3). الهوامش 1. راجع : مقتل الحسين « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 320 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 84 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. 2. راجع : مقتل الحسين « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 366 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. 3. راجع : اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 114 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. مقتل الحسين « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 381 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات.
من سماحة الشيخ محمّد السند
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: كان للإمام عليه السلام وأهل بيته وأصحابه الماء الكافي والطعام إلى اليوم السابع من محرّم ثمّ بعد ذلك منع منهم الماء (1) ، لكن كان أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وخصوصاً أبو الفضل العبّاس يأتون بالماء بعد مهاجمة العدوّ والوصول إلى الشريعة (2). ولما كان عدد المحاصرين من النساء والأطفال والرجال كثيراً لم يكن الماء كافياً ، ولذا كان أكثرهم عطاشاً. وقد كان الإمام الحسين عليه السلام في طريقه إلى كربلاء يأمر غلمانه وأصحابه بأن يحملوا معهم الماء الكثير (3) ، وحينما لقيهم حرّ بن يزيد الرياحي ومعه ألف رجل ، وقد أضرّ بهم العطش لأنّهم لم يجدوا الماء ، أمر الإمام الحسين عليه السلام أصحابه بأن يسقوا الجيش الذي جاء لمحاربته من الماء الذي كانوا يحملونه معه ، فجاؤوا بالقرب واوعية الماء ، وشرب جميع أفراد الجيش حتّى ارتووا (4). يقال انّه بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه عصر يوم عاشوراء ، قال جماعة لعمر بن سعد : أتريد أن تقتل النساء والأطفال من العطش ؟ فخجل اللعين وأمر بأن يأتوا بالماء إلى النساء والأطفال ، لكن لم يشرب من ذلك الماء إلّا من كان يرى أنّه مشرف على الهلكة من شدّة العطش. الهوامش 1. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 209 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. 2. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 209 ـ 210 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. 3. راجع : الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 75 / الناشر : دار المفيد للطباعة والنشر / الطبعة : 2. 4. راجع : الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 78 / الناشر : دار المفيد للطباعة والنشر / الطبعة : 2.
من سماحة الشيخ هادي العسكري
الجواب من الشيخ محمد السند: هذه الزيارة وإن لم تكن متّصلة السند إلى الناحية المقدّسة إلّا أنّ جملة من مضامينها ليس إلّا تصويراً حقيقيّاً لهول الفظائع والفجائع التي ارتكبها القوم في هتك حرمة آل المصطفى صلوات الله عليهم ؛ فالمفروض على صاحب الإعتراض المزبور بدل أن ينظر بعين واحدة ، فلينظر بعين ثانية إلى جريمة قتلة سبط النبي صلّى الله عليه وآله ، فإنّهم أخذوا عيالات النبي صلّى الله عليه وآله وبناته اُسارى سبايا من بلد إلى بلد يتصفّح وجوههنّ الأعداء (1) ، فهل راعوا حرمة رسول الله صلّى الله عليه وآله في ذلك ؟! وهل يتوقّع صاحب الإعتراض ذو الوجدان النابض بالحسّ الديني ، أن سبي معسكر الحسين عليه السلام ، والغارة على خيامه كان بالمشاعر المفعمة بالإنسانيّة والالتزام بالإسلام ، إذا كان من شيمة قتلة الحسين عليه السلام أن وطأوا الخيل صدره الشريف بعد أن قتلوه (2) ؟! فماذا يتوقّع هذا المعترض الذي يريد أن يبيّض وجه قتلة ريحانة النبي صلّى الله عليه وآله من حيث يبصر أو لا يبصر ؟! فماذا يتوقّع من هؤلاء الجناة الجفاة في تعاملهم في سبي حرم الحسين عليه السلام ؟! هل أبقوا لهم خدر وجلباب أو خمار ؟! فالمعترض يسند الفعل إلى أهل بيت سيّد الشهداء ، ولا يسند الجريمة إلى معسكر بني أميّة وابن زياد وعمر بن سعد. الهوامش 1. راجع : اللهوف في قتلى الطفوف « للسيّد ابن طاووس » / الصفحة : 101 ـ 105 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 362 ـ 366 / الناشر : مؤسسة الخرسان. 2. راجع : اللهوف في قتلى الطفوف « للسيّد ابن طاووس » / الصحفة ك 79 ـ 80 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 317 ـ 318 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات.
الجواب من الشيخ محمد السند: العقل يطلق ويراد به معانٍ ، فقد يراد به العقل النظري وهي قوّة الإدراك الفكري ، وقد يطلق ويراد به العقل العملي وهو قوّة العقل العمّال المحرّك المسيطر على قوّة التحريك في النفس من قوى الغضب والشهوة (1). وقد سئل الكاظم عليه السلام عن العقل ، فقال عليه السلام : ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان (2). وهو ينطبق على العقل العملي ، ومصنع الإرادة في النفس هو العقل العملي ، ولا يكفي لهداية وكمال وصلاح الإنسان أن يدرك الحقّ والحقيقة الصادقة بعقله النظري ، دون أن يصدق ويذعن ويسلّم بذلك ، فيقيم عزمه على ذلك ، وبالتالي تنطلق قواه العمّالة على مقتضى ذلك ، فالعاطفة عبارة عن نحو تفاعل وانشداد للنفس مع الشيء المُدْرَك ، فتنظير الحقيقة من دون الإيمان والحركة على هديها كالطيران بجناح واحد. ومن هنا تكمن فضيلة البكاء في رثاء مصاب سيّد الشهداء حيث إنّه يلهب المشاعر النفسيّة دفعة تجاه الفضيلة من الغيرة على الدين والشجاعة والفداء والتضحية وغيرها من مكارم الصفات التي يلزم تحلي النفس بها. الهوامش 1. الموجز في أصول الفقه « للشيخ السبحاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 146 / الناشر : مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام / الطبعة : 14 : الإدراك العقلي ينقسم إلى إدراك نظري وإدراك عملي ، فالأوّل إدراك ما ينبغي أن يعلم ، كإدراك العقل وجود الصانع وصفاته وأفعاله وغير ذلك ، والثاني إدراك ما ينبغي أن يعمل ، كإدراكه حسن العدل وقبح الظلم ووجوب ردّ الوديعة وترك الخيانة فيها. 2. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 11 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5.
الجواب من الشيخ محمد السند: نظير هذا الإعتراض يذكر في مواجهة الصدّيقة الزهراء عندما أراد جماعة السقيفة إجبار أمير المؤمنين عليه السلام علي بن أبي طالب على بيعتهم ، فتصدّت لهم من وراء الباب ، وقد كان عليه السلام في البيت ، فيورد المعترضون أنّه كيف تسمح الغيرة الأبيّة لمثل أمير المؤمنين ولسيّد الشهداء بذلك ؟! وما الحكمة في ذلك وهما صلّى الله عليه وآله قد اتّفق ذلك منهما بوصيّة من رسول الله صلّى الله عليه وآله ، كما جاء في الروايات أنّه صلّى الله عليه وآله أخذ على عليّ عليه السلام الصبر (1) ، وعلى الحسين عليه السلام إنّ الله شاء أن يراهن سبايا (2) ؟! فهل الإرادة والمشيئة إلالهيّة تتعلّق بذلك ؟! وكيف وجه الحكمة فيه ؟! ويستعرض لنا القرآن الكريم الإجابة عن ذلك بأنّ المجاهدة في سبيل الله ومقارعة المعسكر الآخر كما تكون بالنفس والمال تكون بالمخاطرة بإهانة العرض لا بنحو الابتذال والتدنيس ، كما في قصة مريم عليها السلام. ففي سورة آل عمران : ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (3). وفي سورة مريم : ( فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا * فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) (4). وفي سورة المؤمنون : ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (5). فمريم قد تعرّضت لوظيفة حمل النبي عيسى عليه السلام من غير أب ، لتتحقّق المعجزة الإلهيّة لإثبات نبوة عيسى عليه السلام ، وبعثته بشريعة جديدة ناسخة لشريعة موسى عليه السلام ، مع أنّ تحقيق المعجزة هذه كان يخاطر بسمعة مريم وعرضها إلى درجة مواجهة بني إسرائيل لها بالقذف والبهتان ، ولكن كل ذلك لا يعنى ابتذال وتدنيس مريم بل غاية الأمر إهانة عرضها ، فتحمّلت المسؤولية الإلهيّة وأعباء المعجزة والرسالة الجديدة ، مع أنّها أصعب من الجهاد بالنفس والقتل بالسيف للإنسان الغيور ، وبالنسبة للمرأة العفيفة التي أحصنت فرجها ؛ ولذلك قالت : ( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ) (6) ، ولكن جهادها وتحملها أقام الحجّة على كفّار بني إسرائيل ، فجعلها الله تعالى آية حجّة تشارك ابنها النبي عيسى عليه السلام في الحجيّة. وهناك واقعة أخرى يسردها لنا القرآن ، وهي : واقعة المباهلة : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (7). فههنا في واقعة المباهلة احتجّ الله بالزهراء عليها السلام على حقانيّة الشريعة المحمّدية ، ونبوّة سيّد الرسل جنباً إلى جنب الاحتجاج بالأربعة بقيّة أصحاب الكساء. ففي هذه الواقعة قد تحمّلت الصدّيقة الزهراء عليها السلام بأمر من الله تعالى أنزله في القرآن ، تحمّلت المشاركة في المباهلة أمام ملأ أهل الكتاب وهو نمط من المنازلة والمواجهة. فإذا اتّضح بعض الأمثلة المسطورة في القرآن الكريم من نماذج المجاهدة بالعرض لا بدرجة الابتذال والتدنيس ، يتّضح عدم المجال لمثل هذه الإعتراضات الناشئة من عدم الإحاطة بجهات أحكام الشريعة ، وعدم الإحاطة بملابسات الأحداث التاريخيّة في صدرالإسلام ، وقراءة الأحداث بشكل مبتور تخفى فيه الحقيقة كما هي عليه ثمّ الأخذ في الحكم على هذه الصورة المقطعة. فإنّ الحكمة في كلّ من فعل الأمير عليه السلام والحسين عليه السلام هو لأجل تعرية وفضح الخصم ، والكشف عن جرأته على مقدّسات الدين وحريم النبي صلّى الله عليه وآله ، وأنّ الخصم لا يتقيّد بأبجدية المبادئ الدينيّة. وكان استخدام هذا النمط من المواجهة والجهاد في ظرف اُغلقت فيه أيّ فرصة أخرى لدحض إجرام الخصم وباطله أمام أنظار وأذهان الناس المفتتنة بأكاذيب الخصم الناسية لوصايا القرآن والنبي صلى الله عليه وآله في حقّ العترة المطهّرة ، ولولا موقف الزهراء عليها السلام والعقيلة زينب عليها السلام لكان الخصم يلتف بدعايته ووسائل إعلامه على الحقيقة ويغيب على الناس في ذلك الوقت ـ فضلاً عن الأجيال اللاحقة ـ حقيقة الموقف ؛ ولأجل ذلك أوصت عليها السلام بإخفاء قبرها وتشييعها ليلاً خفية (8) ليظلّ ذلك رمزاً يطنّ في أذن التاريخ على الحقيقة التي حاولوا اخفاءها. الهوامش 1. راجع : كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 150 / الناشر : دليل ما. خصائص الأئمّة « للسيّد الرضي » / الصفحة : 72 ـ 73 / الناشر : مجمع البحوث الإسلاميّة. نهج البلاغة « للسيد الرضي » / الصفحة : 48 / الناشر : مركز البحوث الإسلاميّة / الطبعة : 1. 2. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 40 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. راجع : بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 364 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 3. آل عمران : 45 ـ 47. 4. مريم : 17 ـ 30. 5. المؤمنون : 50. 6. مريم : 23. 7. آل عمران : 61. 8. راجع : تأويل مختلف الحديث « لابن قتيبة » / المجلّد : 1 / الصفحة : 279 / الناشر : دار الكتب العلميّة ـ بيروت. المصنف « لعبد الرزاق الصنعاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 521 / الناشر : منشورات المجلس العلمي. علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 185 / الناشر : منشورات المكتبة الحيدريّة. طبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 8 / الصفحة : 29 ـ 30 / الناشر : دار الصادر ـ بيروت.