الجواب من السيّد علي الحائري: نعم إنّ من خصائص الشريعة الإسلاميّة أنّها سمحة سهلة ، فيها اليسر وليس فيها العسر والحرج والضرر : قال تعالى : ( يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) [ البقرة : 185 ] . وقال تعالى : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) [ الحج : 78 ] . وعن النبيّ صلّى الله عليه وآله : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » . إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ هذه الشريعة لم تشرّع العنف في الموضع الذي ينبغي فيه تشريع العنف ، وذلك إنطلاقاً من اليسر والرفق نفسه ، فالرفق بالمجتمع يتطلّب أحياناً اتّخاذ موقف عنيف من الفرد فيما إذا كان هذا الفرد يهدّد من خلال عمله أمن المجتمع من الناحية الاقتصاديّة أو الأخلاقيّة أو السياسيّة أو غيرها. فالقتل عمل يهدّد أمن المجتمع بلا إشكال ، والرفق بالمجتمع يتطلّب اتّخاذ العنف تجاه القاتل ، قال تعالى : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) [ البقرة : 179 ] . والزنا عمل يهدّد أمن المجتمع من الناحية الأخلاقيّة ، فينبغي للشريعة التي تريد اليسر بالمجتمع والرفق وعدم الضرر أن تشرّع التشريع المناسب ، وأن تتّخذ موقفاً عنيفاً تجاه الزاني والزانية ، قال الله تعالى : ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ النور : 2 ] . واتّهام المرأة المحصنة بالزنا عمل يهدّد كذلك الأمن الأخلاقي والعائلي بلا إشكال ، فلا يصحّ للشريعة السمحة التي تريد بالمجتمع اليسر ، وعدم الاحراج والاضرار أن تقف مكتوفة الأيدي أمام مثل هذا العمل ، وأن تترك السبيل لكلّ شخص في أن يقول ما يحبّ دون أيّ محاسبة ، وأن يقذف هذا وذاك بالزنا ثمّ لا يُثبت ذلك في المحكمة أمام الحاكم العادل ، بل لا بدّ من اتّخاذ العنف بشأنه ، لأنّ هذا العنف بالفرد هو الرفق بالمجتمع بعينه وهو اليسر وعدم الاحراج ، قال تعالى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [ النور : 4 ] . والسرقة عمل يهدّد الأمن الاقتصادي كذلك ، إذن فهو يطلّب العنف بالسارق تحقيقاً لما تتوخّاه الشريعة من اليسر والرفق الاجتماعي ، قال تعالى : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [ المائدة : 38 ] . وهكذا يتضحّ لنا أنّ اليسر والرفق وإن كان أحد المقاصد الكبرى في الشريعة ، لكنّ هذا ليس معناه اليسر والرفق بالفرد دائماً حتّى ولو كان على حساب اليسر والرفق بالآخرين. وعلى هذا الأساس تقوم التشريعات الإسلاميّة في باب الحدود والتعزيرات عموماً. إذن فيصحّ القول بأنّ العنف ممّا يجب تشريعه أحياناً ، وذلك تحقيقاً لليسر ، لكنّ يبقى لنا أن نؤكّد مرّة أُخرى على أنّ العنف ليس هو سيّد الموقف في التشريع الإسلامي ، وليس هو الأصل في التشريعات والأحكام الإسلاميّة بل هو علاج لحاجة طارئة فهو تشريع استثنائي ، وإن كان ممّا لا بدّ منه ولا غنى للشرعة عنه أبداً. أمّا أنّنا كيف نحوّل مجتمعنا إلى مجتمع الأُخوة الإيمانيّة والمحبّة والرفق ؟ فالجواب هو أنّ هذا ممّا لا يتحقّق بالنحو الكامل إلّا في الظرف الذي يطبّق فيه الإسلام بالكامل ، فإنّ الأحكام الإسلاميّة وإن لم تكن ارتباطيّة بالمعنى الأصولي ، بمعنى أن إمتثال كلّ حكم ليس مشروطاً بإمتثال حكم آخر ، لكنّها ارتباطيّة بالمعنى الآخر ، وهو أنّها لا تعطي ثمارها إلّا فيما إذا طبّقت بأجمعها ، فهي رسالة وشريعة ووصفة إلهيّة واحدة لا تتجزأ من هذه الناحية ، فلا تتوقّع من المجتمع الذي لا يطبّق الكثير من تشريعات الإسلام وأحكامه أن يتحوّل إلى المجتمع الذي يتوخّى الإسلام صنعه ، أيّ مجتمع الأُخوة والمحبّة والرفق أنّ هذا التوقّع من قبيل أن نتوقّع في الماء جذوة نار. والسلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّ هذا التقسيم عقائدي قبل أن يكون فقهيّاً وهو تقسيم منبثق من صميم القرآن ، فإذا كان « الدين » هو الأصل والقاعدة وكانت « العقيدة » هي الركيزة الأساسيّة في كيان الإنسان ، وأهمّ عنصر من العناصر التي تتركّب منها شخصيّته. إذن فمن الطبيعي أن يكون « الإسلام » هو الحدّ الفاصل بين إنسان وإنسان ، لأنّ « الدين » عند الله تعالى ليس سوى « الإسلام ». قال الله تعالى : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ) [ آل عمران : 19 ] . وقال تعالى أيضاً : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ آل عمران : 85 ] . وكلمة « الإسلام » في الأصل وإن كانت تعني « التسليم » ، إلّا أنّ التسليم لله تعالى بعد أن بعث الرسول الأعظم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يعني إلّا الإيمان بهذه الشريعة فقط دون غيرها من الشرائع السابقة ـ كاليهوديّة والنصرانيّة ـ. فالبشريّة جمعاء مدعوّة ـ منذ بعثة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى يوم القيامة ـ إلى الإيمان بالدين الذي جاء به هذا النبيّ وإلى اتّباعه في حلاله وحرامه. أمّا الإيمان بالأديان الأُخرى السابقة على بعثته صلّى الله عليه وآله وسلّم فليس تسليماً وانقياداً لله تعالى. إذن تقسيم العالم إلى « دار الكفر » و « دار الإسلام » تقسيم مبدئي ثابت قديماً وحديثاً وليس أمراً فقهيّاً فرعيّاً ثانويّاً قابلاً للنقاش كي يصحّ لنا السؤال عن أنّه هل تجاوز الواقع المعاصر هذا التصوّر ، وهذا التقسيم ؟ إنّ الواقع المعاصر لا يمكنه أن يتجاوز هذا التصوّر إلّا إذا تخلّى عن عقيدته ودينه واعترف بالتنوّع والتعدّد الديني ، ورأى أنّ كلّ الأديان السماويّة مقبولة عند الله تعالى ، بينما لاحظنا أنّ القرآن الكريم ينصّ على أنّ غير الإسلام ليس مقبولاً عند الله تعالى ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: نستميحكم العُذر سلفاً لنصحّح المقطع من سؤالكم : « ما هي أسس العلاقة بين المسلمين وإخوانهم في الإنسانيّة ؟ ». إنّ هذا التعبير يشمل على فكرة خاطئة وهي عبارة عن تصوّر أنّ غير المسلمين هم « إخوة » للمسلمين ، بينما الواقع ليس كذلك ، فنحن إنّما نعتبر الآخرين إخوةً لنا فيما إذا اعتبرهم الله تعالى إخوةً لنا ، ومن الواضح أنّ الله تعالى لم يعتبر غير المسلم أخاً للمسلم ولم يعترف بأيّ أُخوة بين المسلم وغير المسلم ، وإنّما الأُخوة المعترف بها رسميّاً من قبل الله تعالى في القرآن والسنّة مختصّة بالمؤمنين. قال الله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) [ الحجرات : 10 ] . ولم يقل : إنّما الناس إخوة !!! نعم غير المسلم نظير المسلم في الخلق ، أيّ يشبهه في كونه إنساناً كما جاء التعبير بذلك في عهد الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه الصلاة والسلام إلى واليه على مصر مالك الأشتر رضوان الله عليه : « الناس صنفان إمّا أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق » . وعلى هذا الضوء فالصيغة الصحيحة للسؤال هي : « ما هي أسس العلاقة بين المسلمين وبين سائر الناس ؟ ». ونحن قد سبق أن أجبنا على هذا السؤال في بعض الأسئلة الموجّهة إلينا ، فلا نطيل المقام بإعادة ذلك ، وعليه يمكنكم مراجعة الجواب المذكور في هذا الموقع ، وشكراً.
الجواب من السيّد علي الحائري: لا ، ليس الإسلام هو المسؤول عن تخلّف المسلمين بل هم المسؤولون عن ذلك : ( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [ النحل : 118 ] . ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) [ الرعد : 11 ] . ( سُنَّةَ اللَّـهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ) [ الأحزاب : 62 ] . فالإسلام نظير الوصفة الطبيّة الكاملة التي يمنحها الطبيب للمريض ، فأيّ تخلّف في تطبيق هذه الوصفة بالشكل الكامل يكون المريض هو المسؤل عنه ، وتخلّف المسلمين يعود سببه إلى تخلّفهم عن تطبيق الإسلام تطبيقاً كاملاً وشاملاً لكلّ جوانب حياتهم ، فأيّ تعثّر في المجرى التكاملي للأُمّة الإسلاميّة مسبّب في الحقيقة عن تعثّر الأُمّة في التمسّك بالشريعة والالتزام التامّ بها. رزقنا الله تعالى وإيّاكم التوفيق للتمسّك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة.
الجواب من السيّد علي الحائري: الدليل على نبوّة نبيّنا محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلى أنّ الدين الذي جاء به ـ وهو الإسلام ـ هو الدين الحقّ الذي دعت البشريّة منذ البعثة النبويّة وإلى يوم القيامة إلى الالتزام والإيمان والعمل به عبارة عن نفس الدليل الذي نثبت به وجود اللّه تبارك وتعالى كما ذكره سيّدنا الاُستاذ الشهيد السعيد آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر رضوان اللّه عليه وهو دليل علمي استقرائي وبنفس المناهج العلميّة التي نستخدمها في الإستدلال على الحقائق المختلفة في حياتنا الإعتياديّة وحياتنا العلميّة ، ولنمثّل لذلك أوّلاً بمثالين ثمّ نعرّج على نبوّة النبيّ الأعظم محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، والرسالة التي أعلنها على العالم باسم السّماء ، والمثالان أحدهما من حياتنا الإعتياديّة والآخر من حياتنا العلميّة : فالمثال الأوّل : للفكرة من حياتنا الإعتياديّة هو أنّك إذا تسلّمت رسالةً من أحد أقاربك ، وكان هذا القريب صبيّاً يدرس في مدرسة إبتدائيّة بأحد الأرياف ، فلاحظتَ أنّ الرسالة قد كُتبت بلغةٍ حديثة وبعبارات مركّزة وبليغة وبقدرة فنّية فائقة على تنسيق الأفكار وعرض أدقّ المعاني بصورة مثيرة ، فسوف تستنتج أن شخصاً مثقّفاً واسع الاطّلاع ، قويّ العبارة قد أملى الرسالة على هذا الصبيّ ، أو شيئاً من هذا القبيل. وإذا أردنا أن نحلّل هذا الإستنتاج والإستدلال نجد أن بالإمكان تجزئه إلى الخطوات التالية : الأولى : أنّ كاتب الرسالة صبيّ ريفي ، ويدرس في مدرسة إبتدائيّة. الثانية : أنّ الرسالة تتميّز بأسلوب بليغ ودرجة كبيرة من الإجادة الفنّية وقدرة فائقة على تنسيق الأفكار وعرض أدقّ المعاني وأرفعها. الثالثة : أنّ الاستقراء يثبت في الحالات المماثلة أنّ صبيّاً بتلك المواصفات لا يمكنه أن يصوغ رسالة بهذه المواصفات. الرابعة : يستنتج من ذلك أنّ الرسالة إذاً من نتاج شخص آخر استطاع ذلك الصبيّ أن يستفيد منه بنحو من الأنحاء ، ويسجّله في رسالته. والمثال الثاني : للفكرة من حياتنا العلميّة هو الدليل العلمي الذي أثبت به العلماء « الإلكترون » ، فقد درس بعض العلماء نوعاً معيّناً من « الأشعّة » وَلَّدها في أنبوبة مغلقة ، ثمّ سلّط على وسط الأنبوبة قطعة مغناطيس على شكل نعل الفرس ، فلاحظ إنّ « الأشعة » تميل إلى القطب الموجب من المغناطيس ، وتبتعد عن القطب السالب منه ، وكرّر التجربة في ظروف مختلفة حتّى تأكّد من أنّ تلك « الأشعّة » تنجذب بالمغناطيس ، وأنّ القطب الموجب في المغناطيس هو الذي يجذبها ، ولمّا كان هذا العالم يعرف من خلال استقرائه ودراساته للإشعاعات الأخرى ـ كالضوء الاعتيادي ـ أنّها لا تتأثّر بالمغناطيس ولا تنجذب إليه ، وأنّ المغناطيس يجذب الأجسام لا « الأشعة » أمكنه أن يدرك أن انجذاب الأشعّة المعيّنة التي كان يُجري عليها تجاربه وميلها إلى القطب الموجب من المغناطيس لا يمكن أن يُفسّر على أساس المعلومات المفترضة ، ومن هنا أكشف عاملاً إضافيّاً وحقيقةً جديدة ، وهي أنّ هذه الأشعّة تتألّف من أجسام دقيقة سالبة موجودة في جميع المواد ، لأنّها تنبعث من مختلف المواد ، وسمّيت هذه الجسميات بـ « الإلكترونات ». هذان مثالان لفكرة واحدة ، وهي أنّه كلّما لوحظت ظاهرة معيّنة ضمن عوامل وظروف محسوسة ، ولوحظ من خلال الإستقراء أنّ هذه العوامل والضروف المحسوسة لا تؤدّي ـ في الحالات المماثلة ـ إلى نفس الظاهرة ، فيدلّ ذلك على وجود عامل آخر غير منظور لابدّ من إفتراضه لتفسير تلك الطاهرة . وبكلمة أُخرى : أنّ النتيجة إذا جاءت أكبر من الظروف والعوامل المحسوسة ـ بحكم الإستقراء للحالات الممثلة ـ كشفت عن وجود شيء غير منظور وراء تلك الظروف والعوامل المحسوسة. وهذا ما يصدق تماماً على نبوّّة الرسول الأعظم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ورسالاته ، ودينه ـ الإسلام ـ ؛ وذلك ضمن الخطوات التالية : الأولى : أنّ هذا الشخص الذي أعلن هذه الرسالة المتمثّلة في « القرآن الكريم » و « الشريعة الإسلاميّة » ينتسب إلى شبه الجزيرة العربيّة التي كانت من أشدّ أقطار الأرض تخلّفاً في ذلك الحين من الناحية الحضاريّة والفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة والإقتصاديّة . وينتمي إلى الحجاز بالذات من أقطار تلك الجزيرة ، والحجاز قطر لم يمرّ حتّّى تاريخياً بمثل الحضارات التي نشأت قبل ذلك بمئات السنين في مواضع أُخرى محدّدة من تلك الجزيرة ، ولم يعرف أيّ تجربة اجتماعيّة متكاملة ، ولم ينل هذا القطر من ثقافة عصره ـ على الرغم من انخفاضها عموماً ـ شيئاً يذكر ، ولم ينعكس على أدبه وشعره شيء ملحوظ من أفكار العالم ، وتيّاراته الثقافيّة وقتئذٍ ، وكان منغمساً من الناحية العقائديّة في فوضى الشرك والوثنية ، ومفكّكاً اجتماعيّاً ، تسيطر عليه عقلية « العشيرة » ، وتلعب فيه الإنتماءاتُ إلى هذه العشيرة أو تلك دوراً أساسيّاً في أكثر أوجه النشاط بكلّ ما يؤدّي إليه ذلك من التناقضات ، وألوان الغزو والصراع الرخيص. ولم يكن البلد الذي نشأ فيه هذا الرسول قد عرف أيّ شكل من أشكال الحكم سوى ما يفرضه الولاء للقبيلة من مواصفات. ولم يكن وضع القوى المنتجة ، والظروف الاقتصاديّة في ذاك القطر من العالم يتميّز عن أكثر بقاع العالم المتخلّف حينذاك. وحتّى القرارة والكتابة ـ بوصفهما من أبسط أشكال الثقافة ـ كانت حالةً نادرةً نسبياً في تلك البيئة ؛ إذ كان المجتمع أمّياً على العموم : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) [ الجمعة : 2 ] . وكان شخص النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يمثّل الحالة الاعتياديّة من هذه الناحية ، فلم يكن قبل البعثة يقرأ ولا يكتب ، ولم يتلقّ أيّ تعليم منظّم أو غير منظم : ( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) [ العنكبوت : 48 ] . وهذا النصّ القرآني دليل واضح على مستوى ثقافة الرسول قبل البعثة ، وهو دليل حاسم حتّى في حقّ مَن لا يؤمن بربّانيّة القرآن ؛ لأنّه ـ على أيّ حال ـ نصّ أعلنه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على بني قومه ، وتحدّث به إلى أعرف الناس بحياته وتاريحه ، فلم يعترض أحد على ما قال ، ولم ينكر أحد ما ادّعى. بل نلاحظ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يساهم قبل البعثة حتّى في ألوان النشاط الثقافي الذي كان شائعاً في قومه من شعر وخطابة ، ولم يُؤثَر عنه أيّ تميّز عن أبناء قومه سوى تميّزه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عنهم في التزاماته الخُلقية ، وأمانته ، ونزاهته وصدقه ، وعفّته. وقد عاش أربعين سنة قبل البعثة في قومه دون أن يحسّ الناس من حوله بأيّ شيء يميّزه عنهم سوى ذلك السلوك النظيف النزيه ، ودون أن تبرز في حياته أيّ بذور عمليّة أو اتّجاهات جادّة نحو عمليّة التغيير الكبرى التي طلع بها على العالم فجأةً بعد أربعين عاماً من عمره الشريف : ( قُل لَّوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) [ يونس : 16 ] . وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد ولد في مكّة ، وظلّ فيها طيلة الفترة التي سبقت البعثة ، ولم يغادرها إلى خارج الجزيرة العربية إلّا في سفرتين قصيرتين : أحداهما مع عمّه أبي طالب وهو صبيّ في أوائل العقد الثاني ، والأخرى بأموال خديجة وهو في أواسط العقد الثالث. ولم يتيسّر له بحكم عدم تعلّمه القراءة والكتابة أن يقرأ شيئاً من النصوص الدينية اليهوديّة أو المسيحيّة ، كما لم يتسرّب إليه أيّ شيء ملحوظ من تلك النصوص عن طريق البيئة ؛ لأنّ مكّة كانت وثنيّة في أفكارها وعاداتها ، ولم يتسرّب إليها الفكر الديني المسيحي أو اليهودي ، ولم يدخل الدين إلى حياتها بشكل من أشكالها ، وحتّى أولئك الحنفاء الذين رفضوا عبادة الأصنام من عرب مكّة لم يكونوا قد تأثّروا باليهوديّة أو المسيحيّة ، ولم ينعكس شيء من الأفكار اليهوديّة والمسيحيّة على ما خلّفه قسّ بني ساعدة أو غيره من تراثٍ أدبي وشعري. ولو كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد بذل أيّ جهد للاطلاع على مصادر الفكر اليهودي والمسيحي للوحظ ذلك ؛ إذ في بيئة ساذجة ومنقطعة الصلة بمصادر الفكر اليهودي والمسيحي ، ومعقّدة ضدّها لا يمكن أن تمرّ محاولة من هذا القبيل دون أن تلفت الأنظار ، ودون أن تترك بصماتها على كثير من التحرّكات والعلاقات. هذه هي الخطوة الأولى في الدليل. الثانية : أنّ الرسالة التي طلع بها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على العالم ، والتي هي متجسّدة في القرآن ، والشريعة الإسلاميّة تميّزت بخصائص كثيرة : منها : أنّها جاءت بنمط فريد من الثقافة الإلهيّة عن الله سبحانه وتعالى وصفاته وعلمه وقدرته ، ونوع العلاقات بينه وبين الإنسان ، ودور الأنبياء في هداية البشريّة ، ووحدة رسالتهم ، وما تميّزوا به من قيم ومُثُل ، وسنن اللّه تعالى مع أنبيائه ، والصراع المستمرّ بين الحقّ والباطل ، والعدل والظلم ، والارتباط الوثيق المستمرّ لرسالات السماء بالمظلومين والمضطهدين ، وتناقضها المستمرّ مع أصحاب المصالح والامتيازات غير المشروعة. وهذه الثقافة الإلهيّة الفريدة المطروحة في الإسلام ، وفي القرآن لم تكن فقط أكبر من الوضع الفكري والديني لمجتمع وثني منغمس في عبادة الأصنام ـ مجتمع الجزيرة العربيّة ـ بل كانت أكبر من كلّ الثقافات الدينيّة التي عرفها العالم يومئذٍ ، حتّى أنّ أيّ مقارنة تبرز بوضوح أنّها جاءت لتصحّح ما في تلك الثقافات من أخطاء ، وتعدّل ما أصابها من إنحراف ، وتعيدها إلى حكم الفطرة ، والعقل السليم. وقد جاء كلّ ذلك على يد إنسان أمّي في مجتمع وثنيّ شبه معزول عن العالم ، لا يعرف عن ثقافة عصره وكتبه الدينيّة شيئاً يذكر ، فضلاً عن أن يكون بمستوى القيمومة والتصحيح والتطوير. ومنها : أنّها جاءت بقيم ومفاهيم عن الحياة ، والإنسان ، والعمل ، والعلاقات الاجتماعيّة ، وجسّدت تلك القيم والمفاهيم في تشريعات وأحكام ، وكانت تلك القيم والمفاهيم ، وهذه التشريعات والأحكام ـ حتّى من وجهة نظر مَن لا يؤمن بربّانيّتها ـ من أنفس ، ومن أروع ما عرفه تاريخ الإنسان من قيم حضاريّة ، وتشريعات اجتماعيّة. فابنُ مجتمع القبيلة ظهر على مسرح العالم والتاريخ فجأةً لينادي بوحدة البشريّة ككلّ ، وابنُ البيئة التي كرّست ألواناً من التمييز والتفضيل على أساس العرق والنسب والوضع الاجتماعي ظهر ليحطّم كلّ تلك الألوان ، ويعلن أنّ الناس سواسية كأسنان المشط و ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) [ الحجرات : 13 ] ، وليحوّل هذا الإعلان إلى حقيقة يعيشها الناس أنفسهم ، ويرفع المرأة الموءودة إلى مركزها الكريم كإنسان تكافئ الرجل في الإنسانيّة والكرامة. وابن الصحراء التي لم تكن تفكّر إلّا في همومها الصغيرة ، وسدّ جوعتها ، والتفاخر بين أبنائها ضمن تقسيمها العشائري ظهر ليقودها إلى حمل أكبر الهموم ، ويوحدّها في معركة تحرير العالم ، وإنقاذ المظلومين في شرق الدنيا وغربها من إستبداد كسرى وقيصر. وابن ذلك الفراغ الشامل سياسيّاً وإقتصاديّاً بكلّ ما يعجّ به من تناقضات الربا والإحتكار والاستغلال ظهر فجأةًً ليملأ ذلك الفراغ ، ويجعل من ذلك المجتمع الفارغ مجتمعاً ممتلئاً له نظامه في الحكم وشريعته في العلاقات الاجتماعيّة والإقتصاديّة ، ويقضي على الربا والإحتكار والاستغلال ، ويعيد توزيع الثروة على أساس أن لا تكون دُولَة بين الأغنياء ، ويعلن مبادئ التكافل الاجتماعي ، والضمان الاجتماعي التي لم يناد بها التجربة الاجتماعيّة البشرية إلّا بعد ذلك بمئات السنين ، وكلّ هذه التحوّلات الكبيرة تمّت في مدّة قصيرة جدّاً نسبياً في حساب التحوّلات الاجتماعيّة. ومنها : أنّ الرسالة في نصوص قرآنيّة كثيرة تحدّثت عن تاريخ الأنبياء وأممهم ، وما مرّت بهم من وقائع وأحداث بتفاصيل لم تكن بيئة النبيّ العربي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ الوثنية والأمّيّة ـ نعرف شيئاً عنها ، وقد تحدّى علماءُ الكتاب ـ علماءُ اليهود والنصارى ـ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسّلم أكثر من مرّة ، وطالبوه بالحديث عن تاريخ تراثهم الديني ، فواجه التحدّي بكلّ شجاعة ، وجاء القرآن بما طلبوا دون أن تكون هناك أيّ وسيلة اعتياديّة لتفسير اطّلاع النبي ّ صلّى اللّه عليه وآله وسّلم شخصيّاً على تلك التفاصيل : ( وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَـٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَـٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) [ القصص : 44 ـ 45 ] . وممّا يبهر الملاحظ أنّ القصص الحقّ في القرآن لا يمكن أن تكون مجرّد استنساخ لما جاء في كتب العهدين ، حتّى لو افترضنا أنّ أفكار هذه الكتب كانت شائعة ومنتشرة في الوسط الذي ظهر فيه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسّلم ؛ لأنّ الاستنساخ يمثّل دوراً سلبيّاً فقط ، دور الأخذ والعطاء ، بينما دور القرآن في عرض القصّة دور إيجابي ؛ فإنّه يصحّح ويعدّل ويفصل القصّة عمّا ألُصقت بها من ملابسات لا تتّفق مع فطرة التوحيد ، والعقل المستنير ، والرؤية الدينيّة السليمة. ومنها : أنّ القرآن بلغ في روعة بيانه وبلاغته وتجديده في أساليب البيان إلى درجة جعلت منه ـ حتّى من وجهة نظر غير المؤمنين بربّانيّته ـ حدّاً فاصلاً بين مرحلتين من تاريخ اللغة العربيّة ، وأساساً لتحوّل هائل في هذه اللغة وأساليبها. وقد أحسّ العرب الذين حدّثهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بالقرآن بأنّه لا يشبه إطلاق ما ألفوه من أساليب البيان ، وما نشأوا عليه ، وأتقنوه من طرائق التعبير ، حتّى قال قائلهم ـ وهو الوليد بن المغيرة ـ حين استمع إلى القرآن : « والله لقد سمعت كلاماً ما هو من كلام الإنس ، ولا من كلام الجنّ ، وإنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمعذق ، وإنّه ليعلو وما يُعلي ، وإنّه ليحطم ما تحته ». وكانوا لا يسمحون لأنفسهم بالاستماع إلى القرآن ، إحساساً منهم بأثره الهائل ، وخوفاً من قدرته الفائقة على تغيير نفوسهم ، وهذا دليل على التميّز الهائل للبيان القرآني ، وعدم كونه استمراراً متطوّراً لما ألفوه. وقد استسلموا أمام التحدّي المستمرّ والمتصاعد الذي واجههم النبيّ به ؛ إذ أعلن تارةً عجزهم مجتمعين متكاتفين عن الإتيان بمثل القرآن : ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) [ الإسراء : 88 ] . وأكّد تارةً اخرى على عجزهم جميعاً عن الإتيان بعشر سورٍ مثل سور القرآن : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) [ هود : 13 ] . وشَدّد ثالثةً على عجزهم عن الإتيان بما يناظر سورةً واحدةً من مثل سور القرآن : ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) [ البقرة : 23 ] . أعلن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ذلك ، وكرّره على مجتمع لم يعرف صناعةً كما عرف صناعة الكلام ، ولم يتقن فنّاً كما أتقن فنّ الحديث ، ولم يتعوّد على شيء كما تعوّد على مجابهة التحّدي والتغنّي بالأمجاد ، ولم يحرص على أمرٍ كما حرص على إطفاء نور الرسالة الجديدة وتطويقها ، ومع ذلك كلّه لم يشأ هذا المجتمع الذي واجه تلك التحدّيات الكبيرة أن يجرّب نفسه ، ولم يحاول أن يعارض القرآن بشيء ؛ وذلك بسبب إيمانه بأنّ الأدب القرآني فوق قدرته اللغويّة والفنّية. والطريف هو أنّ الذي كان يحمل إليهم هذا الزاد الأدبي الجديد على حياتهم هو إنسان مكث فيهم أربعين سنة ، فلم يعهدوا له مشاركة في حلبة أدبيّة ، ولا تميزاً في أيّ فنٍّ من فنون القول والبيان. هذا عدد من خصائص الرسالة التي أعلنها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على العالم. وهنا يأتي دور الخطوة الثالثة لتؤكّد ـ على أساس الإستقراء العلمي في تاريخ المجتمعات ـ أنّ هذه الرسالة بتلك الخصائص التي درسناها في الخطوة الثانية هي أكبر بدرجة هائلة من الظروف والعوامل التي مَرَّ استعراضها في الخطوة الأولى ؛ فإنّ تاريخ المجتمعات ، وإن كان قد شهد في حالات كثيرة إنساناً يبرز على صعيد مجتمعه ، فيقوده ، ويسير به خطوةً إلى الأمام ، غير أننا هنا لا نواجه حالةً من تلك الحالات ، لوجود فوارق كبيرة : فمن ناحية : نحن نواجه هنا طفرةً هائلة ، وتطوّراً شاملاً في كلّ جوانب الحياة ، وإنقلاباً في القيم والمفاهيم ـ التي ترتبط بمختلف مجالات الحياة ـ نحو الأفضل ، بدلاً عن مجرّد خطوةٍ إلى الأمام. إنّ مجتمع القبيلة طفر رأساً ـ على يد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ إلى الإيمان بفكرة المجتمع العالمي الواحد. وإنّ المجتمع الوثين طفر رأساً إلى دين التوحيد الخالص الذي صحّح كلّ أديان التوحيد الأُخرى ، وأزال عنها ما علق بها من زيفٍ وأساطير. وإنّ المجتمع الفارغ تماماً تحوّل إلى مجتمع ممتلئ تماماً ، بل إلى مجتمع قائد يشكّل الطليعة لحضارةٍ أنارت الدنيا كلّها. ومن ناحية أُخرى أنّ أيّ تطوّرٍ شاملٍ في مجتمعٍ إذا كان وليد الظروف والمؤثرات المحسوسة ، فلا يمكن أن يكون مرتجلاً ومفاجئاً ، ومنقطع الصلة عن مراحل تمهّد له ، وعن تيّار يسبقه ، ويظلّ ينمو ، ويمتدّ فكريّاً وروحيّاً حتّى تنضج في داخلة القيادة الكفوءة تزعمّه ، وللعمل من أجل تطويراً المجتمع على أساسه. إنّ دراسةً مقارنةً لتاريخ عمليّات التطوّر في مختلف المجتمعات توضّح لنا أنّ كلّ مجتمع يبدأ فيه هذا التطوّر فكرياً على شكل بذور متفرّقة في أرضيّة ذاك المجتمع ، وتتلاقى هذه البذور فتكوّن تيّاراً فكرياً ، وتتحدّد بالتدريج معالم هذا التيّار ، وتنضج في داخلة القيادة التي تتزعمه ، حتّى يبرز على المسرح كواجهة لجزء يعيش في المجتمع تناقض الواجهة الرسميّة التي يحملها المجتمع ، ومن خلال الصراع يتّسع هذا التيّار حتّى يسيطر على الموقف. وخلافاً لذلك نجد أنّ محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم في تاريخ الرسالة الجديدة لم يكن حلقةً من سلسلة ، ولم يكن يمثّل جزءاً من تيّار ، ولم تكن للأفكار والقيم والمفاهيم التي جاء بها بذور أو رصيد في أرضية المجتمع الذي نشأ فيه. وأمّا التيّار الذي تكوّن من صفوة المسلمين الأوائل على يد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقد كان من صنع الرسالة والقائد ، ولم يكن هو المناخ المسبق الذي ولدت فيه الرسالة ، وتكوّن القائد. ومن أجل ذلك نجد أنّ الفارق بين عطاء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وعطاء أيّ واجد من هؤلاء المسلمين الصفوة لم يكن فارق درجة كالفوارق التي تبدو بين بذرة وأُخرى من البذور التي تكوّن التيار الجديد ، بل كان فارقاً أساسيّاً لا حدّ له ، وهذا يبرهن على أنّ محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يكن جزءاً من تيّار ، بل كان التيّار الجديد جزءاً منه. ومن ناحية ثالثة يبرهن التاريخ على أنّ القيادة الفكريّة والعقائديّة والاجتماعيّة لتيّار جديد إذا تركّزت كلّها في محور واحد من خلال حركة تطوّر فكري واجتماعي معيّن ، فلابدّ أن يكون في هذا المحور من القدرة والثقافة والمعرفة ما يتناسب مع ذلك ، ولابدّ من أن يكون تواجدها فيه طبقاً لما يعرف عادةً من أساليب في حياة الناس ، ولابدّ من ممارسة متدرّجة أنضجته ووضعته على خطّ القيادة لذلك التيّار. وخلافاً لذلك نجد أن محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم قد مارس بنفسه القيادة الفكريّة والعقائديّة والاجتماعيّة دون أن يكون تاريخيّة ـ كإنسان أمّي لم يقرأ ، ولم يكتب ، ولم يعرف شيئاً من ثقافة عصره وأديانه ـ يرشّحه لذلك من الناحية الثقافيّة ، ودون أن تكون له أيّ ممارسات تمهيديّة لهذا العمل القيادي المفاجئ. وعلى ضوء ذلك كلّه ننتهي إلى الخطوة الرابعة التي نواجه فيها التفسير الوحيد المعقول والمقبول للموقف ، وهو إفتراض عامل إضافي وراء الظروف والعوامل المحسوسة ، وهو عامل الوحي ، عامل النبوّة الذي يمثّل تدخل السماء في توجيه الأرض : ( وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) [ الشورى : 52 ] . إذاً فالرسالة والشريعة الإسلاميّة ، ودين الإسلام من حيث المحتوى حقيقة إلهيّة وربّانيّة ، وفوق الشروط والظروف المادّية ، والعوامل المحسوسة : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ) [ آل عمران : 19 ] ، ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) [ آل عمران : 85 ] . فالبشريّة جمعاء ـ منذ بعثة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وإلى يوم القيامة ـ بدعوّة من قبل اللّه تبارك وتعالى إلى الاعتقاد بهذا الدين ، والإيمان بهذه الشريعة ، والإعتراف بنبوّة هذا النبيّ ، وتطبيق هذه الرسالة الإلهيّة في كلّ مجالات حياتها ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وصلّى الله على رسوله وحبيبه وصفيّه محمّد بن عبد الله وعلى أهل بيته الطاهرين. خصائص الرسالة الإسلاميّة فالإسلام هو دين الله الذي بعث به محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم رحمةً للعالمين ، ولهذا الدين خصائص وميزات تميّزه عن سائر الأديان السماويّة ، وتجعل منه حدثاً فريداً في التاريخ ، وفيما يلي نذكر عدداً من هذه الخصائص والسمات بإيجاز : أوّلاً : إنّ هذا الدين ظلّ سليماً ضمن « القرآن الكريم » دون أن يتعرّض لأيّ تحريف ، بينما مُنيت الأديان والكتب السماويّة السابقة بالتحريف ، وأفرغت من كثير من محتواها ـ للأسف ـ وذلك بأيدي الجهلة والمغرضين ، وأدخلت فيها أفكار سقيمة وباطلة ، أمّا القرآن الكريم فلم تمتد إليه يد التحريف ، بل بقي كالشمس الساطعة يضيء القلوب والعقول : ( قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّـهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّـهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ) [ المائدة : 15 ـ 16 ] . ولا يتلى القرآن الكريم بمضيّ الزمان ، بل يتجلّى إعجازه أكثر فأكثر لما سوف نشير إليه بإذن الله تعالى. فالقرآن الذي يتداوله المسلمون حالياً هو نفسه الذي نزل على النبي محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم دون أن يضاف عليه شيء أو يحذف منه شيء ، فمنذ الأيّام الأولى نزول الوحي كان كُتّاب الوحي يدوّنونه ، وكان المسلمون مكلّفين بتلاوة الآيات النازلة آناء الليل وأطراف النهار ، وفي صلواتهم اليوميّة ، ولذا فقد حفظ « القرآن الكريم » عن ظهر القلب عدد كبير من المسلمين ، وقد حظي حفّاظ القرآن وقرّاؤه بمكانة خاصة في المجتمع الإسلامي ، وهذه العوامل وغيرها أدّت إلى صيانة القرآن من التحريف والتغيير ، والأهمّ من ذلك كلّه هو أنّ الله سبحانه وتعالى قد ضمن حفظ القرآن إلى الأبد ، فلا يمكن أن تمسّه يد التحريف والتغيير مطلقاً ، قال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر : 9 ] . وأجمع الباحثون وكبار علماء الإسلام ـ من الشيعة والسنّة ـ على أنّ القرآن لم يتعرّض للتحريف. ولم يقل بالتحريف إلّا النزر اليسير ، والعدد القليل جدّاً من كلا الفريقين ؛ وذلك استناداً إلى بعض الروايات ، إلّا أنّ الأكثريّة الساحقة من علماء المسلمين رفضوا هذا الرأي بصورة قاطعة ، واعتبروا تلك الروايات موضوعة ، أو أنّها تقصد التحريف المعنوي ، أيّ التفسير المحرّف والخاطئ لآيات القرآن ، أو أنّه قد حصل الخلط ـ لدى القائلين بالتحريف ـ بين تفسير القرآن ، وبين النصّ القرآني نفسه. وعلى أيّ حال فإنّ دراسة المسار التاريخي لجمع القرآن منذ عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، والاحتمام الشديد من قبل المسلمين بكتابته وحفظه وتلاوته ، ووجود كتّاب الوحي ، وغيرها من العوامل تكشف عن هذه الحقيقه ، وهي أنّ يد التحريف لم تستطع أن تمتدّ إلى القرآن أبداً. ولا يوجد أيّ قرآنٍ آخر عند أيّ فرقة من فرق المسلمين غير هذا القرآن المتداول والموجود اليوم بين أيدي المسلمين ، فأيّ مقولة أُخرى في هذا المجال مرفوضة جملةً وتفضيلاً. واحتفاظ الرسالة الإسلاميّة بمحتواها العقائدي والتشريعي ضمن النصّ القرآني هو الذي يمكّنها من مواصلة دورها التربوي ، وكلّ رسالة تفرغ من محتواها بالتحريف والضياع لا تصلح أداة ربط بين الإنسان وربّه ، والحال أنّ الإسلام يستهدف قبل كلّ شيء ربط الإنسان بربّه وبمعاده ، والسبب في عدم صلاحيّة الرسالة المحرّفة للقيام بدور الأداة التي تربط الإنسان بمبدأه وبمعاده هو أن هذا الربط لا يتحقّق بمجرّد الانتماء الإسمي إلى الرسالة والشريعة والديانة ، وأن يُسمّى الإنسان مسلماً أو نصرانيّاً أو يهوديّاً مثلاً ، بل يتحقّق الربط بين الإنسان وبين ربّه من خلال التفاعل مع محتوى الرسالة والشريعة والدين وتجسيد ، هذا الدين في الفكر والسلوك ، ومن أجل ذلك كانت سلامة الدين الإسلامي بسلامة النصّ القرآني الشرط الضروري لقدرة هذا الدين على مواصلة أهدافه. ثانياً : إنّ بقاء القرآن نصّاً وروحاً معناه أن نبوّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم لم تفقد أهمّ وسيلة من وسائل إثباتها ، وأهمّ معجزة من معاجزه صلّى الله عليه وآله وسلّم ؛ لأنّ القرآن وما يعبّر عنه من مبادئ الرسالة والشريعة كان هو الدليل العلمي الاستقرائي عندنا على نبوّته ، وعلى حقّانية دين الإسلام الذي جاء به ، وفقاً لما تقدّم ، وهذا الدليل العلمي يستمرّ ويبقى مادام القرآن باقياً. وخلافاً لذلك النبوّات التي يرتبط إثباتها بوقائع معيّنة تحدث في لحظة وتنتهي ، كإبراء الأكمه والأبرص على يد عيسى ـ على نبيّنا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام ـ ، أو عصا موسى ويده البيضاء ـ على نبيّنا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام ـ ، أو غير ؛ فإنّ هذه الوقائع لا يشهدها عادةً إلّا المعاصرون لها ، وبمرور الزمن ، وتراكم القرون تفقد الواقعة شهودها الأوائل ، ويعجز الإنسان غالباً عن الحصول على أيّ تأكيد حاسم لها عن طريق البحث والتنقيب ، وكلّ نبوّة لا يمكن التأكّد من دليلها لا يمكن أيضاً أن يكلّف الله سبحانه وتعالى الإنسان بالاعتقاد بها ، أو بالبحث عن وسيلة إثباتها ؛ لأنّه ( لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ) [ الطلاق : 7 ] ، ونحن اليوم نعتمد ـ في إيماننا بالأنبياء السابقين ، وبكتبهم ، وبمعاجزهم ـ على إخبار القرآن الكريم بذلك. ثالثاً : إنّ مرور الزمن ـ كما عرفنا ـ لا ينقص من قيمة الدليل الأساسي على حقّانية دين الإسلام ، ولكن ليس هذا فقط ، بل أنّه أيضاً يمنح هذا الدليل أبعاداً جديدة من خلال تطوّر المعرفة البشريّة ، واتّجاه الإنسان إلى دراسة الكون بأساليب العلم والتجربة ، وليس ذلك فقط لأنّ القرآن الكريم سبق إلى الاتّجاه نفسه ، وربط الأدلّة على الصانع الحكيم بدراسة الكون ، والتعمّق في ظواهره ، ونَبَّه الإنسان إلى ما في هذه الدراسة من أسرار ومكاسب ، بل لأنّ الإنسان الحديث يجد اليوم في هذا الكتاب ـ الذي جاء به رجل أمّي في بيئة جاهلة ومتخلّفة قبل مئات السنين ـ إشارات واضحة إلى ما كشف عنه العلم الحديث ، حتّى لقد قال المستشرق الإنجليزي « أجنيري » ـ وهو أستاذ اللغة العربيّة في جامعة أكسفورد ـ عند ما اكتشف العلم دور الرّياح في التلقيح : « إنّ أصحاب الإبل قد عرفوا أنّ الرّيح تلقّح الأشجار والثمار قبل أن يتوصل العلم في أوربا إلى ذلك بعدّة قرون » يشير بذلك إلى قول القرآن الكريم : ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) [ الحجر : 22 ] . إذاً فالقرآن الكريم ليس فقط لا يبتلى بمضيّ الزمان ، بل يتجلّى إعجازه ، وتتّضح عظمته ، وتتبلور دلالته على نبوّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم حقّانية دين الإسلام أكثر فأكثر. وقد ورد في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال بشأن القرآن : « إنّ الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمانٍ دون زمان ، ولناسٍ دون ناسٍ ، فهو في كلّ زمان جديد ، وعند كلّ قومٍ غَضّ إلى يوم القيامة » . [ بحار الأنوار 2 : 280 ، الحديث : 44 ] . رابعاً : إنّ هذا الدين ـ دين الإسلام ـ جاء شاملاً لكلّ جوانب الحياة ، وعلى هذا الأساس استطاع أن يوازن بين تلك الجوانب المختلفة ، ويوحّد أسسها ، ويجمع في إطار صيغة كاملة بين « الجامع » و « الجامعة » ، و « العمل » و « الحقل » ، ولم يعد الإنسان يعيش حالة الانشطار والانفصال بين حياته الروحيّة المعنويّة وحياته الجسديّة الدنيويّة. خامساً : إنّ هذا الدين هو الدين السماوي الوحيد الذي طبّق على يد الرسول الذي جاء به صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وسجّل في مجال التطبيق نجاحاً باهراً ، واستطاع أن يحوّل الشعارات التي أعلنها إلى حقائق في الحياة اليوميّة للناس. سادساً : إنّ هذا الدين بنزوله إلى مرحلة التطبيق دخل التاريخ ، وساهم في صنعه ؛ إذ كان هو حجر الزاوية في بناء أمّةٍ حملت هذا الدين ، واستنارت بهداه. ولمّا كان هذا الدين ربّانياً ، وعطاءاً سماويّاً للأرض فوق العوامل والمؤثّرات المحسوسة ، نتج عن ذلك ارتباط تاريخ هذه الأمّة بعاملٍ عيّني لا يخضع للحسابات المادّية للتاريخ ، ومن هنا كان من الخطأ أن نفهم تاريخنا ضمن إطار العوامل والمؤثّرات الحسيّة فقط ، أو أن نعتبره حصيلة ظروف مادّية ، أو تطوّر في قوى الانتاج ، فانّ هذا الفهم المادّي للتاريخ لا ينطبق على أمّةٍ بُني وجودها على أساس رسالة السماء ، ودين الله تعالى ، وما لم ندخل هذه الرسالة ، وهذا الدين في الحساب كحقيقةٍ ربّانيّة ، لا يمكن أن نفهم تاريخ هذه الأمّة. سابعاً : إنّ هذا الدين لم يقتصر أثره على بناء هذا الأمّة ، بل امتدّ من خلالها ليكون قوّةً مؤثرة وفاعلة في العالم كلّه على مسار التاريخ ، ولا يزال المنصفون من الباحثين الأوربيين يعترفون بأنّ الدّفعة الحضاريّة للإسلام هي التي حرّكت شعوب أوربا النائمة ، وأيقظتها ونبّهتها إلى الطريق. ثامناً : إنّ النبيّ محمداً صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي جاء بهذا الدين تميّز عن جميع الأنبياء الذين سبقوه بتقديم دينه بوصفه آخر دين ربّاني ، وآخر أطروحة إلهيّة ، وبهذا أعلن أنّ بنبوّته هي النبوّة الخاتمة ، وفكرة النبوّة الخاتمة لها مدلولان : أحدهما سلبي ، وهو المدلول الذي ينفي ظهور نبوّة أُخرى إلى الأبد. والآخر إيجابي ، وهو المدلول الذي يؤكّد استمرار النبوّة الخاتمة ، وامتدادها ما امتدّت العصور والأجيال إلى يوم القيامة. وحينما نلاحظ المدلول السلبي النبوّة الخاتمة نجد أنّ هذا المدلول قد انطبق على الواقع تماماً خلال الأربعة عشر قرناً التي تلت ظهور الإسلام ، وسيظلّ منطبقاً على الواقع مهما امتدّ الزمن ، غير أن عدم ظهور نبوّة أُخرى على مسرح التاريخ ليس ؛ لأنّ النبوّة تخلّت عن دورها كأساس من أسس الحضارة الإنسانيّة ؛ بل لأنّ النبوّة الخاتمة جاءت بالرسالة الوريثة لكلّ ما يعبّر عنه تاريخ النبوّات من رسالات ، جاءت بالرّسالة المشتملة على كلّ ما في تلك النبوّات والرسالات من قيم تابتة دون ما لا بسها من قيم مرحليّة ، وبهذا كانت هي الرسالة المهيمنة القادرة على الاستمرار مع الزّمن ، وكلّ ما يحمله الزمن من عوامل التطوّر والتجديد : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) [ المائدة : 48 ] . تاسعاً : وقد اقتضت الحكمة الرّبّانية الّتي ختمت النبوّة بمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم أن تُعدّ له أوصياء يقومون بأعباء الإمامة والخلافة بعد اختتام النبوّة ، وبعد انقطاع الوحي ، ورحيل الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهم اثنا عشر إماماً ، قد جاء النصّ على عددهم من قبل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أحاديث صحيحة اتّفق المسلمون على روايتها ، أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وبعده الحسن ، ثمّ الحسين ، وبعده تسعة من ولد الحسين على الترتيب التالي ، علي بن الحسين السجّاد ، ومحمّد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمّد الصادق ، وموسى بن جعفر الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ، ومحمّد بن علي الجواد ، وعلي بن محمّد الهادي ، والحسن بن علي العسكري ، ومحمّد بن الحسن المهدي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. عاشراً : وفي حالة غيبة الإمام الثاني عشر ـ عجّل اللّه تعالى ظهوره وفرجه ـ أرجَعَ الإسلام الناس إلى الفقهاء لأخذ معالم دينهم عنهم ، وفَتَح باب الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسّنة. هذه صورة موجزة عن الإسلام ، وعن الدليل على أنّه هو دين الحقّ نأمل أن تنفعكم بإذن الله تعالى.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ليس الإختلاف في أصول العقائد وأركان الدين بل الإختلاف إنّما هو في الفروع والأحكام والتشريعات ، والكلام مع أهل الكتاب من النصارى واليهود أو مع المشركين إنّما هو في العقائد التي اتّفق عليها المسلمون وهم يرون أنفسهم على الحقّ ويعتقدون بطلان العقائد الأُخرى ، فالمسلمون بأجمعهم يعتقدون بوجود اللّه تعالى ووحدانيّته ، وبالأنبياء والرسل ، والأديان الإلهيّة ، وبنبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ورسالته ، وبالدين الإسلامي الحنيف الذي أوحاه اللّه تعالى إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وباليوم الآخر ، وبالقرآن الكريم الذي هو معجزة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم الخالدة ، وهذه العقائد متّفقة بين المسلمين وكلّهم يرون أنّها حقّ ويدعون جميع أهل الملل والأديان إلى الإعتقاد بها. وأمّا الاختلاف فلا يضرّ بأصل العقيده وبحقّانيّة الدين الذي يدعو إليه المسلمون ويرونه هو الحقّ الذي لابدّ أن يتّبع ، وذلك لأنّ الاختلاف إنّما هو في الفروع وهو موجود في جميع الأديان الإلهيّة السابقة ، مع أنّ أصحاب كلّ دين يرون أنّهم على الحقّ ، مع وجود هذه الإختلافات بينهم. وأمّا تحريف القرآن ، فالمحقّقون من علمائنا الأبرار يقولون ببطلانه وأنّه لم يحصل في القرآن الكريم زيادة أو نقيصه ، ولأجل ذلك أمرنا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة الأطهار عليهم السّلام بالتدّبر في القرآن الكريم والاستدلال والاحتجاج به واستنباط الأحكام منه بمعونة السنّة النبويّة التي يحكي عنها روايات أهل البيت عليهم السّلام.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: يجب أن يتشهّد الشهادتين ، ويعترف بوحدانيّة الله تعالى ، ونبوّة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وسائر العقائد الإسلامية ، ويعمل بوظائفه من الواجبات ، ويترك المحرمات الألهيّة ، وليس هناك عمل أو إجراء خاصّ للدخول في الإسلام ، بل يحكم بإسلامه بمجرد التشهّد بالشهادتين والاعتقاد بالمعاد ، ويجري عليه جميع أحكام الإسلام من الطهارة والتناكح والتوارث.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: مضافاً إلى أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كانت له معاجز كثيرة وأهمّها القرآن الكريم ، وهو المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة ويكون حجّة ودليلاً على نبوّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى آخر الدهر ، كان نفس وجود النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم معجزة وحجّة على صدق دعواه ، فقد أودع الله تعالى في شخصيّته الكريمة صفات وكمالات وفضائل ومناقب وأخلاق سامية يؤمن بصدقه وبنبّوته كلّ مَن يراجع سيرته ومنهجه وسلوكه وأقواله ، وقد أعترف جميع علماء التاريخ والآثار وبالخصوص المستشرقون بعظمة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وقدسيّته ونبوغه وسجاياه الأخلاقيّة ، ومن المعلوم أنّ هؤلاء العلماء لا يعتمدون على ما يختلقه الخلفاء ووعاظ السلاطين ، وأنّما يتفحصون عن الحقائق ويعتمدون على الكتب والآثار الثابتة حجّيتها عندهم. ثمّ إنّ المعاجز التي تروى عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم رواها الصحابة الأخيار الذين كان الكثير منهم مخالفاً للخلفاء أو مطروداً من قبلهم لعدم موافقته لهم ، وهكذا المؤرّخون المتأخّرون كانوا يذكروا مثالب الخلفاء ومعايبهم وفي نفس الوقت يروون معاجز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وسيرته ومواعظه وأفعاله وأقواله ، بل بعض معاجز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ورد في نفس القرآن الكريم مثل قوله تعالى : ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ) [ القمر : 1 ] . وقوله تعالى : ( الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) [ الروم : 1 ـ 3 ] . ونحن نوصيكم بالإمعان في معاجز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وخصوصاً في وجوه القرآن الكريم بمطالعة كتب التاريخ والحديث والتفسير وبالخصوص تفسير البيان للإمام الخوئي قدسّ سرّه.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: إليك أيّها السائل الكريم الإجابة على بعض الإشكالات التي تسجّل على تعاليم الدين الإسلامي . 1 ـ الأصل عندنا احترام المرأة فهي ريحانة وليست قهرمانة ، والأصل عندنا احترام الإنسان : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) [ الإسراء : 70 ] ، ولكن الإنسان ايّاً كان رجلاً أو امرأة قد يعمل عملاً يستوجب التنبيه بالقول أو الاعراض عنه أو حتّى الضرب الخفيف إذا شخّص الحاكم ذلك بعد أن تصل القضيّة الخارجيّة إليه. والمرأة هي إنسان قد ترتكب ما يوجب التنبيه من قبل الحاكم إذا وصلت القضيّة إليه فيحكم عليها بالسجن أو بالضرب حسب الحالة التي ارتكبتها المرأة التي يعاقب عليها القانون أو الشرع. وقد تعمل المرأة في البيت ما يستوجب أن تُنبّه عليه من قبل ولي الأمر فلا يجوز لأحد أن يقوم بتنبيهها إلّا وليّ الأمر الذي جعل الشارع له حقّ التأديب والتوجيه ، والتأديب يكون حسب ما يراه الولي الرشيد فقد يكون بالإعراض وقد يكون بالكلام وقد يكون بالوعيد وقد يكون بالضرب الخفيف بحيث لا يصل إلى حدّ الإحمرار أو الاسوداد ، فالمرأة ليست مصانة من كلّ عقوبة حتّى إذا صدر منها ما يوجب العقوبة . نعم إذا ضربها الولي أو غيره انتقاماً أو حتّى للتأديب ، ولكنه وصل إلى حدّ الاحمرار أو الاسوداد أو الاخضرار ، ففيه الدية على الضارب وان كان وليّاً ، لأنّ جواز التأديب كحكم شرعي لا يتنافى مع الحكم الوضعي بثبوت الدية لها على الولي. ولا أظن أنّ أحداً يقول بأنّ المرأة لا تُضرب ولا تُؤدّب ولا يحكم عليها القاضي بأيّ حكم مهما فعلت من أفعال ، فإنّ هذه صيانة لم يجعلها القانون لأحد. 2 ـ أمّا جواز تزويجها في السنّ التاسعة ، فإنّ الشارع المقدّس عندما يجوّز شيئاً فليس معنى ذلك أنّنا لا بدّ أن نعمل به بل يجب أن نلاحظ جملة أمور أخرى ، فقد تكون تلك الأمور الأخرى تجعلنا لا نقدم على ذلك الفعل الجائز ، فإذا جوّز الشارع الركض في الشارع فإنّ كثيراً من الناس لا يعملونه لأمور خاصّة تخصّهم تجعل ذلك الأمر الجائز مرجوحاً لهم أو ممتنعاً عليهم ، كما إذا كان الإنسان قد بلغ سنّ السبعين ، فليس معنى الجواز هو لا بديّة الفعل. ثمّ إنّ هذا الجواز لأجل بيان أنّ بعض النساء إذا كان لهم جسم كبير حسب طبيعة بدنهم ومحيطهم بحيث يكون الزواج بالنسبة لها أمراً مألوفاً ، فإنّ الشارع لا يقف منه موقف كمانع ، وليس معنى ذلك إنّ المرأة إذا كان لها تسع سنين وكانت غير قادرة على الزواج بدنياً تجبر على الزواج ، فإنّ هذا هو معنى الوجوب لا الجواز. 3 ـ وأمّا استئذان الأب في تزويجها ، فهو أمر قد جعله الشارع لمصلحة المرأة ، إذ إنّ المرأة في سنينها الأولى ليست عندها تجربة في ما يصلح لها من الأزواج ، فجعل لها الشارع مرشداً يعمل على مصلحتها فهو ولي لها وليس ولياً عليها يعمل بما تشتهيه رغبته الشخصيّة ، فإنّ الولي إذا كان لا يعمل لمصلحة البنت فولايته ساقطة بل هو يعمل لما يصلحها ، فالمرأة تشارك الولي في عقله للإستفادة منه للوصول إلى الزوج الصالح ، وهذا ليس منقصة للمرأة ، إذ إنّ الشارع جعل الاستشارة مستحبّة ، وجعل هنا استشارة المرأة لوليّها في الزواج واجبة لأنّ الزواج أمر مهم والمرأة تحتاج إلى من يرشدها في سنينها الأولى ، وخير من تستشيره ويرشدها هو وليّها الذي يدأب على مصلحتها. نعم إذا ثبت أنّ الأب ـ الولي ـ معاند لزواجها ويريد أن يعضلها من الأزواج فتسقط ولايته هنا ويكون أمرها بيدها. 4 ـ وأمّا عدم حرمة دم الحربي ، فانّنا إذا اعتقدنا بصحّة الدين الإسلامي وعالميّته ، وأنّه آخر الأديان وهو الصالح للبشريّة ، فَمَن لم يعتنق هذا الدين يكون إنساناً منحرفاً عن الطريق الصالح والسالم والهادي ، وحينئذ حكم الشارع بعدم الحرمة لدمه وماله ، إلّا أن هذا الحكم لا يسوّغ لنا التعدي عليه بالقتل أو الجرح أو السرقة لأمور له ، فإنّ هذه الأمور أيضاً محرّمة ولا تجوز ، فإذا أراد إنسان أن يعتدي على كافر حربي فلا بُدّ من أخذ إجازة من الحاكم الشرعي ، وإلّا فهو عمل محرّم أيضاً. 5 ـ أمّا عدم جواز ممارسة الحربي طقوسه بصورة علنية ، فهو أمر واضح لأنّنا عندما نعتقد عدم صحّة أديانهم وأنّها أديان منسوخة ، ونعتقد صحّة ديننا وعالميّته وإستمراره ، فبأيّ منطق نسمح لمن يؤدّي طقوساً هي منسوخة وباطلة بإعتقادنا ونجعله يدعو إليها ، فإنّ علنيتها معناه أنّه يدعو لها ، وإنّما العقل والمنطق يقول الدعاية والنشر يكون لما فيه صلاح البشريّة وهو الإسلام ، أمّا ما لا يكون صالحاً فنمنع من الدعاية له ، ومع هذا نسمح لهم بممارسة شعاراتهم سرّاً ، لأنّها تلبّي حاجاتهم الإعتقاديّة بدون دعوة الناس إليها. 6 ـ أمّا تربية الأطفال ، فإنّ التربية تختلف فقد تكون باللسان والمعاشرة وبيان الطرق الصحيحة وقد تستدعي التربية ضرباً وتأنيباً ، فإذا كان الضرب يفيد في تنبيه الطفل يكون جائزاً أمّا إذا كان الضرب لا يفيد في التربية فيكون غير جائز ، والتربية تختلف من إنسان لآخر ، فقد يكون بعض من الأطفال يُؤدّب بالكلام غير الشديد ، وقد يُؤدّب طفل بالكلام الشديد التأنيبي إذا صدر منه خطأ متعمد فيه ، وقد لا يفيد الطفل إلّا الضرب في حالات خاصّة ، فيكون الضرب جائزاً لمصلحته وتربيته لا للإنتقام منه. ومع هذا تأتي القاعدة القائلة : إنّ الضرب لا يجوز أن يكون قد وصل إلى حدّ الاحمرار أو الاخضرار أو الاسوداد ، فإنّ فيه الديّة حينئذٍ. 7 ـ وأمّا الخمُس الذي يريد منه السائل « حقّ السادات كرّمهم الله تعالى » ، فإنّ هذا الحقّ حينما جعله الله للسادة اشترط أن يكونوا من الفقراء ، ولا يجوز أن يُعْطَوْن منه أيّ شيء إذا كانوا من الأغنياء ، وحينما يُعْطَون لا يُعْطَون إلّا بقدر ما يرفع عنهم الفقر فقط ، أمّا الزائد فيكون لمذهب الإمام يصرفه في صالح المسلمين. وفي قبال ذلك فقد حرم الإسلام على السادة الفقراء الزكاة والفطرة فجعلهم محرومين منها فجعل لهم حق السادات بشرط الفقر ، إذ ما يُعْطى السادة الفقراء مقدار ما يرفع به فقرهم كما يعطى الفقراء من غير السادة ما يرفع به فقرهم من الزكاة والفطرة ، فإن وصل الإنسان إلى حدّ الغنى وأصبح مكتفياً أو كان صاحب مهنة أو حرفة يكتفي بها لمعاشه ، لا يجوز له أن يأخذ من حقّ السادات ، وإن كان سيّداً ، ولا يجوز له أن يأخذ من الصدقات إن لم يكن سيّداً ، فليس حقّ السادة هو مختصّاً بعشيرة من العرب يوزع عليهم ممّا توّهم. إذا لا عنصريّة في البين ، وإنّما اهتمّ التشريع برفع مستوى الفقراء من السادة وغيرهم. والسيّد إذا لم يكن فقيراً يحرم عليه أخذ حقّ السادات باتّفاق الفقهاء. أخي الكريم ، إن كانت عندكم شبهات من هذا النوع فلا بأس بطرحها لاستلام الجواب عليها ، وقد امتلأت المكتبات الإسلاميّة ببيان أنّ أحكام الاسلام مطابقة للعقل والفطرة السليمة ، إلا أنّكم غير مطلعين عليها ، فإذا أمكنكم الاتّصال بأهل العلم الحقيقيين الذين ألّفوا وكتبوا في التشريع الإسلامي وبيان مطابقته للفطرة وللعقل ، لاتضح لكم أنّ هذه الشبهات قد اُجيب عليها من قبل المفكّرين الإسلاميين. وأكرّر لكم أيّها الأستاذ الكريم وللدكتور الذي يدرس في الجامعات الغربية ، إنّكم غير مطلعين على التشريع الإسلامي وتطوّره ومسايرته للعقل والفطرة ، فإنّ لهذه الأبحاث أساتذة متخصصين حبّذا لو سألتم عمّا يدور في أذهانكم من شبهات حتّى يجيب عليها أهل الإختصاص. تنبيه : إنّ علماء الإسلام تثبّتوا في رواة الروايات ، فلم يأخذوا إلّا بمن ثبت توثيقه وعدالته ، وتركوا ما لم يثبت توثيقه وعدالته ، أو كان مجهولاً ، فأحكموا اُسس التشريع الإسلامي من الإعتماد على الرواة والعلماء الذين بذلوا كل عمرهم في حفظ التراث الديني قد يمتنعون من أخذ الحقوق الشرعية احتياطاً لدينهم ، فهم لا يجرون النار إلى قرصهم ، فإنّ هذا الدين قد ثبت بمداد العلماء والرواة وبدمائهم ، ولا يوجد من العلماء الحقيقيين من يتكلّم بكلام واحد من دون دليل من قرآن أو سُنّة. وإذا كان الرواة قد جرّوا النار إلى قرصهم كما توهّم ، فماذا تعمل بالآية القرآنيّة القائلة : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) [ الأنفال : 41 ] ؟! فهذه الآية أثبتت الخمس من كلّ غنيمة ، فما نحصل عليه من الغنائم في حياتنا هذه أوجدت فيه الآية الخمسة ، فنصفه هو سهم الله وسهم رسوله وسهم الأئمّة وهو ما يسمّى حقّ الإمام عليه السلام ، يصرفه في ما يصلح الدين وينشر الدين ، فهو بيد المرجع يصرفه على ترويج الدين وتشييده ونشره ، وأمّا حقّ السادات الذي للفقراء ، فقد ذكر القرآن أنّه لليتامى السادة والمساكين السادة وأبناء السبيل السادة من آل محمّد صلّى الله عليه وآله بعد أن منعهم من الصدقات والزكاة والفطرة ، فإنّ سادة آل محمّد الذين حرّم الله عليهم الصدقات من أين يعيش ضعيفهم ومسكينهم ويتيمهم ؟! فهل يحكم عليه بالموت أو يكون له حق عند الناس يسمّى حق السادات كرمهم الله تعالى ؟ ! إذاً هذا القانون قانون متطوّر يرفع الفقير إلى حدّ يتمكن فيه من العيش بكرامة ولا يعطى لهم كعشيرة وإن كانوا أغنياء ، وهذا التشريع هو من أروع تشريعات الإسلام للنهوض بالفقراء إلى حدّ العيش الكريم وترويج الدين الصحيح.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: الكافر على قسمين : 1 ـ الكافر الكتابي : الذي له كتاب سماوي ، كاليهودي والنصراني والمجوسي ومن اُلحق بهم ، وهذا ذهب جماعة من العلماء إلى طهارته إلّا أن يُشاهد على جسمه نجاسة ، كالخمر والغائط وأمثالهما. 2 ـ الكافر الملحد : الذي لا يعتقد بوجود خالق لهذا الكون ، وهذا وإن اُجمع على نجاسته ، وأنّه لا يطهر الا بالاعتقاد بوجود خالق لهذا الكون وهو الله سبحانه وتعالى ، إلّا أنّ معنى النجاسة التي ثبتت للكافر ليست بمعنى القذارة كالغائط والبول التي يتقزّز منها الإنسان وتنفّره بل النجاسة هنا بمعنى عدم قبوله لقاعدة « إنّ لكل معلول علّة » ، فلم يقبل أنّ لهذا الكون الواسع المنظَّم علّة أوجدته ونظّمته وسيرته وجعلته على هذه الكيفيّة المنظمة الدقيقة ، وطهارة الكافر تكون باعتقاده بوجود العلّة لهذا المعلول المنظّم أو بإسلامه الذي يحتوي على الإعتقاد بوجود علّة لهذا الكون. وهذا الأمر لا يتعارض مع دعوته إلى الإسلام ودعوته إلى الإعتقاد بخالق الكون ، لأنّها دعوة إلى العلم والمعرفة والوجدان. وبهذه المناسبة حينما نقول بأنّ الدم نجس فلا نقصد القذارة المقزّزة بل الدم ليس مقزّزاً ، فلا يلزم من ملامسة القزازة والقذارة التي تحصل عند الناس من ملامسة الغائط ، ومع هذا قال العلماء بنجاسة الدم وبوجوب غسله لمن أراد الدخول في الصلاة مثلاً ، فكذا الكفر فليست كلّ نجاسة معناها القذارة. والحمد لله رب العالمين.
الجواب من الشيخ محمد السند: أمّا الدليل العقلي المجرّد البحث المحض فهو لا يقضى إلّا بضرورة الحاجة إلى الدين الإلهي ، وأنّ البشر والعقل المحدود محتاج في الهداية إلى الكمالات التامّة العديدة على كلّ الأصعدة إلى عناية ربّ الخليقة. نعم الدليل العقلي المركب من مقدّمات حسيّة أو نقليّة قطعيّة قائم على لزوم التمسّك بدين الإسلام وانحصار النجاة به ، ويمكن تقريبه بعدّة صياغات نشير إلى كيفيّتها بنحو الإشارة والتفصيل فيها لا يخفى على السائل إن شاء الله تعالى : الأوّل : أنّ الأدلة الدالة على حقانيّة دين الإسلام المبيّنة البيّنة تثبت حقانيّته ، وحيث يثبت ذلك فإنّ مفاد العديد من الآيات والروايات المتواترة هو حصر النجاة في الآخرة به دون غيره من الأديان ، مثل قوله تعالى : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ آل عمران : 85 ] . وقول النبي صلّى الله عليه وآله : « لو كان موسى حيّاً ما وسعه إلّا اتّباعي » ، وقد وصف القرآن الكريم بأنّه مهيمناً على الكتب السماويّة المتقدّمة ومصدّقاً لها ، وأنّه فيه تبيان كلّ شيء بخلاف التوراة وغيرها ، فإنّه فيها بيان من كلّ شيء لا كلّ شيء ، وإنّ القرآن ما من غائبة في السماوات والأرض إلّا مستطرة في كتاب مبين ، وهو حقيقة القرآن العلويّة للقرآن النازل في ليلة مباركة كما في سورة الدخان ، وكذا : ( وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ الأنعام : 59 ] . ممّا يدلّ على سعة وإحاطة شمول القرآن لكل شيء في كلّ مكان وزمان وظرف متغيّر ، ممّا يلزمه عقلاً تعيّنه ككتاب هداية ورشاد. وكذلك ما روي عند الفريقين من أنّ حلال محمّد صلّى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه صلّى الله عليه وآله حرام إلى يوم القيامة. وقوله صلّى الله عليه وآله : « إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق » ، ممّا يلزمه عقلاً أنّ تمام وكمال المكارم بهذا الدين . وغيرها من الشواهد النقليّة القطعيّة التي لا تحصى عدداً الدالّة على ذلك ، الملازمة عقلاً للحصر بعد ثبوت حقانيّة الدين كأمر مفروغ عنه في المرتبة السابقة. الثاني : وجوه إعجاز القرآن التي تصل إلى ما يذرف على العشرة مناهج وقد يوصلها البعض إلى أكثر من ذلك ، منها العلوم والمعارف المختلفة في القرآن سواء في المعرفة العامّة الكونيّة كالتوحيد ونحوه أو في القانون للنظام الإجتماعي والفردي وأصول تلك القوانين ، أو العلوم المرتبطة بالطبيعة ونحوها ، أو العلوم الإنسانيّة المرتبطة بالأخلاق وعلم النفس والاجتماع والعلوم الروحيّة ، وكذلك العلوم الرياضيّة والفلكيّة وغيرها أقسام للعلوم ، وإن كان التركيز الأصلي على القرآن في الدرجة الأولى هو في كونه كتاب هداية وفلاح وصلاح للإنسانيّة. وبعبارة أخرى إنّ أحكام ومعارف الدين الإسلامي تنتدب التحدّي للبشريّة في وجود أيّ خلل في ما تعرضه كنظام هداية ، شريطة أن تدرس معطيات الدين وتحاكم على أسس وأصول علميّة وتخصصيّة وقطعيّة. وهذا الوجه حاصر عقلاً طريق النجاة به دون بقيّة الأديان لتخصّصه وتميّزه بذلك دونها ، فضلاً عن مناهج الاعجاز الأخرى الملازمة لكمال القرآن المجيد الملازم للحصر فيه ميّزه دون بقيّة الكتب السماويّة. الثالث : تغطية أقوال وسيرة الرسول صلّى الله عليه وآله والمعصومين عليهم السلام لكلّ مستجدات ومتغيّرات الأزمنة شريطة أن تدرس على الأصول المشار إليها سابقاً الملازم عقلاً لتعيين هذا الدين للبغاة. الرابع : الوعد الإلهي بإظهار هذا الدين على كافّة ارجاء الكرة الأرضيّة ، ولم يتحقّق هذا الوعد الإلهي على يد أحد من بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله بعد أن زويت قيادة النظام الإجتماعي السياسي للمسلمين عن أهل البيت عليهم السلام ممّا يلزم عقلاً كون هذا الدين هو الأكمل والأمثل للسؤدد كمنهاج للبشريّة ، وهناك وجوه عديدة لا يسع المقام ذكرها.
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: المراد بالإسلام في الآية الاولى معناه اللغوي المأخوذ من التسليم والإذعان أيّ التسليم لكلّ ما يصدر من الله سبحانه وتعالى في المعارف والأحكام. ومن الواضح أنّ هذا ممّا تشترك فيه جميع الأديان السماويّة بمعنى أنّ المطلوب في كلّ دين هو التسليم لأمر الله سبحانه ، وما يرد منه على لسان أنبيائه لكن تختلف الأديان في نفس ما يصدر منه سبحانه كأحكام وتشريعات ومعارف فانّها تختلف من دين لدين حسب اختلاف الزمان والظروف السائدة في زمان إنزال ذلك الدين وحيث إنّ شريعة النبي محمّد صلّى الله عليه وآله هي الشريعة الخاتمة والأبدية ، لذلك اعتبرت ناسخة لكل الشرائع السابقة ووجب اتّباعها ، وهو معنى الآية الثانية ، فإنّ المراد بالإسلام فيها هو مجموعة التشريعات التي جاء بها النبي صلّى الله عليه وآله ، ولا إشكال أنّ المولى سبحانه لا يقبل غيرها.
الجواب من الشيخ محمد السند: وأمّا كون دين الإسلام آخر الأديان ، والنبي محمّد صلّى الله عليه وآله خاتم وآخر الأنبياء فهو : 1 : وصف النبي صلّى الله عليه وآله بالخاتم قوله تعالى : ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) [ الأحزاب : 40 ] . والختم بمعنى النهاية ، والبهائية يفسّرون « خاتم » بمعنى زينة من الألة التي توضع في إصبع الله ، مع أنّ منشأ تسمية تلك الآلة بالخاتم ، هو أنّ الفصّ في تلك الآلة ينقش في العادة بنقش يمهر به الرسائل المكتوبة ويختم وينهى به الكلام فيها. وقالت البهائية أنّ نهاية الأنبياء لا يستلزم نهاية الرسل ، ولم يتفطّنوا أنّ كلّ رسول لا بدّ وأن يكون نبياً أوّلاً. 2 : الوعد بإظهار وغلبة الدين على كلّ وجه الأرض في قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) ، وقد كرّر القرآن هذه الآية في ثلاث سور : [ الصف : 9 ، والفتح : 28 ، والتوبة : 33 ]. وهذا الوعد الإلهي بانتشار الدين الإسلامي على كافة أرجاء الكرة الأرضيّة لم يتحقّق. 3 : عقيدة المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف : وبعقيدة كافة المسلمين أنّ المهدي من آل محمّد ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ هو الكافل لتحقيق هذا الوعد الإلهي ، ومن ثمّ فضرورة عقيدة المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف هي أحد أدلّة خلود هذا الدين التي أنبأ بها النبي محمّد صلى الله عليه وآله. وكذا بقية الآيات المبشّرة بظهور المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف كقوله تعالى : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) [ الأنبياء : 105 ] . وقوله تعالى : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) [ القصص : 5 ـ 6 ] ، والآية بصيغة الفعل المضارع للدلالة على الاستمرار في السُنّة والإرادة الإلهيّة. 4 : حصر الدين بالإسلام ، وقوله تعالى : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِي اللَّـهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [ آل عمران : 85 ـ 86 ] . وقوله تعالى : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ) [ آل عمران : 19 ] . وقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) [ آل عمران : 102 ] . 5 : أوصاف القرآن ، وقوله تعالى : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) [ النحل : 89 ] ، فليس من شيء إلى يوم القيامة إلّا وحكمه وبيانه في القرآن الكريم. وقوله تعالى : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) [ المائدة : 48 ] ، فالهيمنة ـ كوصف للقرآن ـ دلالة على إحاطته ، وقد وصف القرآن بأوصاف عديدة دالّة على إحاطته بكلّ نشأة الخلقة ، ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) [ الرعد : 39 ] ، و ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ الأنعام : 59 ] . وقد وصف القرآن بالكتاب المبين في سورة الدخان : ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [ الدخان : 1 ـ 6 ] . وقال تعالى : ( وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ يونس : 61 ] . وقال : ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ هود : 6 ] . ممّا يدلّ على عدم خروج شيء عن حيطة القرآن الكريم المبين ، فليس هو على نسق ما تقدمه الكتب الإلهيّة مؤقّتة لظرف زمني محدّد. وقال : ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ... مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ) [ الكهف : 49 ] . وقد وصف القرآن بالكتاب في المبين في سورة الشعراء : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ) [ الشعراء : 2 ] . والنمل أيضاً : ( طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ النمل : 1 ] ، وقال : ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ النمل : 75 ] . وفي سورة القصصٍ : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ) [ القصص : 2 ] ، وكذلك : [ سبأ : 3 ] . وفي سورة التكوير : ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ) [ التكوير : 27 ] . 6 : آيات الشهادة ، شهادة الرسول على كلّ الناس كقوله تعالى : ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) [ البقرة : 143 ] . وفي قراءة أهل البيت عليهم السلام أئمّة بدل : ( اُمّة ) ، جمع إمام ، ويشهد لها : ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) [ التوبة : 105 ] . وقوله تعالى : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ) [ النساء : 41 ] ، فالشاهد المطلق العام على كلّ الاُمم البشريّة هو خاتم الأنبياء صلّى الله عليه وآله. 7 : خيريّة اُمّته صلّى الله عليه وآله أو الأئمّة خلفاؤه على كتاب الناس ، كما في قوله تعالى : ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) [ آل عمران : 110 ] ، وفي قراءة أهل البيت عليهم السلام كنتم خير أئمّة ـ جمع إمام ـ ، وإلا فكيف تكون الأمة الإسلامية خير اُمّة وقد قتلت سبطا النبي المختار وابن عمّه علي بن أبي طالب عليه السلام. 8 : بقاء الإمامة في عقب إسماعيل وهو الرسول المختار وآله صلوات الله عليهم إلى يوم القيامة بمقتضى عدّة من الآيات. كقوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة : 124 ] . وقوله : ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) [ البقرة : 128 ] . وقوله تعالى : ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) [ الزخرف : 28 ] ، أنّ الإمامة باقية في عقب إبراهيم عليه السلام. وقوله تعالى : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) [ النساء : 54 ] ، والملك العظيم هو الإمامة بقرينة ما تقدّم وليس الملك الظاهري حيث لم يتقلدوا السلطان الظاهري ، وهناك طوائف من الآيات أخرى كثيرة لا يسع المقام ذكرها.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: قال الله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) [ الإسراء : 15 ] ، وقد فسّرت الآية بأنّ الله تعالى ليس من شأنه أن يعذّب أحداً قبل إتمام الحجّة ، وبيان الأحكام والشرائع بواسطة الأنبياء والرسل وأوصيائهم ، فالذي لم يسمع بالإسلام حقيقة ولا حصل لديه احتمال وجود دين إلهي فيكفي في نجاته وخلاصه اتّباع الفطرة والعقل السليم ، والفطرة تدعوا إلى الإيمان بالله تعالى ووحدانيّته وعبادته وطاعته. وأمّا رجال الدين أيّ الفقهاء والمجتهدون العدول ، فهم حجّة على الناس في هذا العصر ولابدّ للعامّي أن يرجع إليهم في معرفة الأحكام الشرعيّة ليكون عمله صحيحاً أو ممّا قامت الحجّة على اعتباره ، نعم يمكن الوصول إلى الأحكام الواقعيّة بالإحتياط لكنّه يوجب العسر والحرج بل اختلال النظام في بعض الأحيان كما لا يخفى.