الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أبو هريرة كان مشهوراً بالكذب والتدليس ، ولكنّ ليس معنى ذلك أن كلّ ما يرويه كذب وإفتراء وأنّه لم يصدر عن الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بل من المحتمل صحّة بعض رواياته ولو لأجل أنّه سمعه من الثقاة ، وإنّما أسنده إلى الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بحيث يتخيّل السامع أنّه سمعه من الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهذا هو التدليس. وعلى كلّ حال فيمكن للفقيه أن يستند إلى بعض رواياته من باب التأييد لا الاستدلال على الحكم الشرعي ، لأنّ مجرّد احتمال عدم كذبه في هذا المورد الخاصّ يكفي في مرحلة التأييد ، مع وجود دليل آخر معتبر على الحكم. والغالب أنّ علماءنا يذكرون رواياته من باب الإلزام وإن أُعتقدوا عدم صحّتها ، أو من باب الإلزام والتأييد مع ثبوت مضمونها عندهم بأدلّة معتبرة أخرى.
الجواب من السيّد علي الحسيني الميلاني: ليس الكلام حول أبي هريرة من جهة كثرة أحاديثه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله فقط بل الكلام في عدالته ووثاقته أيضاً ، ولسنا نحن الوحيدين في التكلّم في أبي هريرة. وقولك بأنّ أهل السنّة يثقون به ويعتمدون عليه خاطئ ، فقد وجدنا في الصّحابة والتابعين وكبار أئمّة أهل السنّة السابقين وفي الكتّاب المعاصرين منهم من يتكلّم في هذا الرجل ، وتلك مصادركم هي التي تحكي طعن الأكابر فيه ، ونحن نذكر هنا طرفاً من ذلك : قال شيخ الإسلام السرخسي : لما بلغ عمر رضي الله عنه أن أبا هريرة يروى بعض ما لا يعرف قال : لتكفن عن هذا أو لألحقنك بجبال دوس (1). بل لقد اعترف أبو هريرة بذلك عندما قال : لقد حدَّثتكم بأحاديث لو حدَّثتُ بها زمن عمر لضربني عمر بالدِّرَّة (2). وسيأتي عن الإمام ابن قتيبة تكذيب عمر وعثمان وعلي وعائشة. هذا بالنسبة إلى الصحابة باختصار ، وأمّا التابعون فانظر تكذيبهم لأبي هريرة وتكلّمهم فيه في البداية والنهاية لابن كثير (3). هذا ، وقد كان من أسباب الطعن في أبي هريرة كثرة حديثه. قال الإمام ابن قتيبة : وأما طعنه على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعليٍّ وعائشة له ، فإن أبا هريرة صحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، نحواً من ثلاث سنين ، وأكثرَ الرواية عنه وعُمِّر بعده نحواً من خمسين سنة ، وكانت وفاته ، سنة تسع وخمسين ، وفيها توفيت أم سلمة ، زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وتوفيت عائشة رضي الله عنها ، قبلهما بسنة. فلما أتى من الرواية عنه ، ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الأولين إليه ، اتهموه ، وأنكروا عليه ، وقالوا : كيف سمعت هذا وحدك ؟ ومن سمعه معك ؟ وكانت عائشة رضي الله عنها ، أشدهم إنكاراً عليه ، لتطاول الأيام بها وبه. وكان عمر أيضاً ، شديداً على من أكثر الرواية ، أو أتى بخبر في الحكم ، لا شاهد عليه ... (4) وأبو هريرة نفسه كان يعلم بذلك ؛ فقد روي عنه : وعنه ، قال : إِنَّكم تقولون : أكثر أبو هريرة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ، والله الموعِدُ ... (5) إذن الصحابة تكلّموا فيه ، التابعون تكلّموا فيه ، وسائر العلماء تكلّموا فيه ... ، فإن كانوا على حقّ فأبو هريرة يستحقّ ذلك ، وإن كانوا مبطلين فما ذنبنا. وأمّا ما ذكرتم من خبر فإنّه إن صحّ يدلّ على أنّ أبا هريرة قد حفظ ببركة دعاء النبي كلّ ما سمع من النبي صلّى الله عليه وآله ، أمّا أنّه قد سمع كلّ ما كان يروي فلا دلالة للخبر عليه. هذا ، ونتمنّى لكم التوفيق لأن تكونوا من المحقّقين لا من المقلّدين. الهوامش 1. كتاب الأصول « للسرخسي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 341 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت. 2. جامع البيان العلم « لابن عبد البر » / المجلّد : 1 / الصفحة : 1003 / الناشر : دار ابن الجوزي / الطبعة : 2. 3. البداية والنهاية « لابن كثير » / المجلّد : 8 / الصفحة : 109 / الناشر : دار الفكر. 4. تأويل مختلف الحديث « لابن قتيبة » / الصفحة : 41 / الناشر : دار الكتب العلمية ـ بيروت. 5. المرقاة في شرح المشكاة « لملا علي القاري » / المجلّد : 5 / الصفحة : 458.