الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أ : الإعتقاد بوجود الخالق العظيم ووحدانيّته. ب : الإعتقاد بصفات الله الكماليّة من الحياة والقدرة والعلم والإرادة والحكمة والعدل والغنى المطلق ـ أي عدم الحاجة إلى أيّ شيء ـ ، والكمال المطلق ـ أي عدم النقص من أيّ جهة من الجهات ـ ، وبما انّ هذه الأمور كلّها متّفق عليها بين المسلمين ، وانّما وقع الخلاف في خصوص « العدل » ، حيث قالت الأشاعرة بأنّه لا يجب الاعتقاد بذلك ، فان كلّ ما يفعله الله باعتبار انّه خالق الكون حسن سواء كان عدلاً أو غيره ، لكن خالفهم العدليّة وهم الشيعة الإماميّة والمعتزلة ، وقالوا بانّ الظلم قبيح عقلاً ولا يمكن صدوره من الخالق العظيم الحكيم على الإطلاق والغنى على الإطلاق ؛ ولأجل ذلك جعل الشيعة خصوص العدل ركناً من أركان العقيدة ولم يذكروا الصفات الأخرى ، لأنّها متّفق عليها وتدخل في الإعتقاد بوجود الله تعالى. ج : الإعتقاد بنبوّة الأنبياء والرسل ، وانّ الله تعالى أرسل الأنبياء وأنزل الكتب السماويّة لهداية البشر ، والنبي محمّد صلّى الله عليه وآله هو خاتم الأنبياء والمرسلين وشريعته آخر الشرائع الإلهيّة. د : الإعتقاد بالإمامة ، وانّ الله ورسوله لم يتركا الأمّة بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله سدى بل جعل الله تعالى أوصياء وخلفاء للنبي صلّى الله عليه وآله وهم الأئمّة الإثني عشر من عترة النبي وأهل بيته عليهم السلام. وقد صرّح النبي صلّى الله عليه وآله بخلافة علي وإمامته ووصايته من بعده بقوله في غدير خم : « من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه » . وصرّح بولاية الأئمّة من عترته في قوله : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » . وقال صلّى الله عليه وآله : « مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تركها غرق » . وقال صلّى الله عليه وآله : « من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة » . وقد نزل قوله تعالى في ولاية علي عليه السلام : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) [ المائدة : 55 ] ، حيث اتّفق علماء التفسير والحديث انّ الآية نزلت في حقّ علي عليه السلام حينما أعطى خاتمه للسائل وهو في حال الركوع وقد أعطاه الله نفس ولايته وولاية النبي صلّى الله عليه وآله حيث قال : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) ، وبما انّه ليس بعد النبي محمّد صلّى الله عليه وآله نبيّ آخر ، فلا محالة يكون علي عليه السلام خليفة الرسول ووصيّه والحجّة على الخلق من بعده. هـ : الإعتقاد بالمعاد وانّ الناس يبعثون بعد موتهم ويحشرون يوم القيامة ويحاسبون على أعمالهم واعتقاداتهم ، فالمؤمن المطيع لله ولرسوله يدخل الجنّة ويتنعّم بنعيمها ، والكافر أو الفاسق العاصي الذي لم يتب ولم تناله الشفاعة يدخل النار ويعذّب فيها.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أصول الدين خمسة : 1. التوحيد. 2. العدل. والمراد به الإعتقاد بالصفات الكماليّة لله تعالى ، كالحياة والقدرة والعلم والإرادة والحكمة والعدل. وانّما ذكر العدل ؛ لأنّه كان محلّ الخلاف بين الشيعة والمعتزلة من جهة وبين الأشاعرة ، فانّهم لا يقولون بالعدل ، وانّ الله تعالى يجوز ان يعاقب المطيع والمحسن ويعطي الثواب للمسيء والعاصي ، « كلّ ما يفعل المليح مليح ». لكن الشيعة والمعتزلة يرون لزوم العدل ، وانّ الظلم قبيح عقلاً حتّى لو صدر من الله تعالى ـ نعوذ بالله ـ. 3. الإعتقاد بنبوّة الأنبياء والرسل بنحو العموم وبنبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله بالخصوص ، وأنّه خاتم الأنبياء والرسل. 4. الإعتقاد بالإمامة ، أيّ إمامة الأئمّة الإثني عشر من ذريّة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، أوّلهم الإمام علي عليه السلام وآخرهم المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف الذي يظهر في آخر الزمان ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً. والإمامة عند الشيعة يعدّ من أصول الدين ؛ نعم قد يقال أنّها من أصول المذهب ، بإعتبار أنّه أصل من أصول الدين في مذهب الشيعة. 5. الإعتقاد بالحشر والنشر والمعاد والقيامة والجنّة والنار. وأمّا فروع الدين فهي : 1. الصلاة. 2. الزكاة. 3. الخمس. 4. الصوم. 5. الحج. 6. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 7. الجهاد. 8. الولاية لأولياء الله والبراءة من أعدائهم.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في الأمور العقائديّة لا بدّ من تحصيل القطع واليقين بالأدلّة والبراهين ولا يجوز التقليد فضلاً عن وجوبه ، وذلك لأنّ الإعتقاد لا يتحقّق إلّا مع العلم وقول المجتهد لا يفيد العلم بل هو حجّة شرعيّة والقرآن الكريم يذمّ من كان عقيدته مبتنية على أساس التقليد والتعصّب ، ولذا قال الله تعالى ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) [ البقره : 256 ] بمعنى أنّه لا يتحقّق عقلاً الإكراه في العقيدة ، لأنّ الإنسان ما لم يعلم بصحّة عقيدته لا يتمكّن من الإعتقاد به وإذا أظهر اعتقاده من دون يقين وعلم فهو مجرّد لفظه ولقلقة لسان ، مضافاً إلى أنّ حجيّة التقليد إنّما ثبتت بالقرآن الكريم كقوله ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) [ الأنبياء : 7 ] ، وبالروايات المعتبرة ومن المعلوم أن ذلك فرع الإعتقاد بوجود الله تعالى ووحدانيّته وبعثة الأنبياء والرسل والإذعان بصحّة الكتب السماويّة ومنها القرآن الكريم والإعتقاد بإمامة الأئمّة وكونهم حجج الله تعالى على الخلق ، فلا يمكن إثبات صحّة هذه الاُمور بالتقليد الذي لا يكون حجّة إلّا بعد الإعتقاد بصحّة هذه الاُمور ، وهذا يسمّى بالدور المستحيل لأنّ حجيّة التقليد تتوقّف على حجيّة القرآن الكريم مثلاً وهي تتوقّف على حجيّة التقليد إذ يريد أن يعتقد بالقرآن من جهة التقليد. نعم بعض الاُمور الإعتقاديّة التي ليست من اُصول الدين يمكن الإعتماد فيهما على الروايات المعتبرة أو التقليد إذا حصل العلم منه مثل الإعتقاد بالرجعة أو عالم البرزخ ونحو ذلك.
الجواب من السيّد علي الحائري: 1 ـ أمّا أننا كيف نتعامل مع التعدّد والتنوّع الديني ، فالجواب هو أنّ المسلم الذي يعيش في ظلّ دولة إسلاميّة عليه أن يتعامل مع هذه الظاهرة كما كان يتعامل معها المسلمون في عصر التشريع حينما كانوا يعيشون في ظلّ دولة إسلاميّة على رأسها النبيّ صلّى الله عليه وآله أو الإمام المعصوم عليه السلام ، وفي ذلك تختلف حالة الحرب عن حالة السلم ، ولكلّ منهما حكمه الخاصّ المذكور في الفقه. أمّا المسلم الذي لا يعيش في ظلّ دولة إسلاميّة ، فعليه أن يتعامل مع هذه الظاهرة كما كان يتعامل معها المسلمون تاريخيّاً في الفترات الأخيرة ، فإنّ هذه الظاهرة كانت ولا تزال من الظواهر الاجتماعيّة الملاصقة والملازمة للمجتمعات البشريّة ، وكما قلتم : « أمراً لا مفرّ منه ». 2 ـ أمّا الموقف من اتباع الديانات الأُخرى فيختلف باختلاف هؤلاء الأتباع ، فإن كانوا من أهل الكتاب جرت عليهم أحكام أهل الكتاب ، وإن لم يكونوا من أهل الكتاب جرت عليهم أحكام سائر الكفّار ، وكلّ ذلك مشروح في الفقه.
الجواب من السيّد علي الحائري: فالجواب هو : أنّ حاجة الإنسان إلى « الدين » حاجة ثابتة في حياة الإنسان ، لا تتغيّر ولا تزول ما دام الإنسان يعيش على ظهر هذا الكوكب ، فإنسان عصر الكهرباء والفضاء بحاجة ماسّة إلى « الدين » كما كان إنسان عصر الطاحونة اليدويّة بحاجة إليه ، فإنّ « الدين » هو الوحيد القادر على إشباع بعض الحاجات الثابتة في كيان الإنسان والمخلوقة معه دائماً مهما تطوّرت حياته ونمت سيطرته على الطبيعة ووسائل عيشه فهو يشبع حاجة الإنسان الذي يزاول اليوم عمليّة تحريك الآلة بقوّة « الذّرة » ، كما يُشبع حاجة الإنسان الذي كان يحرث الأرض بمحراثه اليدوي. والسؤال الذي نواجهه هنا هو أنّه ما هو هذا الدور الإيجابي الفعّال الثابت للدين في حياة الإنسان ؟ وما هي تلك الحاجة أو الحاجات الثابتة في الإنسان ، والتي لا علاج لها إلّا « الدين » ؟ هل هناك حقّاً حاجة ثابتة في حياة الإنسان منذ القديم منذ أن بدأ « الدين » دوره التربوي للإنسان وظلّت هذه الحاجة حاجة إنـسانيّة حيّة ثابتة باستمرار إلى يومنا هذا ، وسوف تبقى حاجة إنـسانيّة ثابتة ما دامت الإنسانيّة ثابتة وموجودة ؟ وقـد يبدو في النظرة الأولى أن افتراض حاجة ثابتة من هذا القبيل ليس مقبولاً ، ولاينطبق على واقع حياة الإنسان حينما نقارن بين إنسان اليوم وإنسان الأمس البعيد ، لأنّنا نجد أنّ الإنسان يبتعد ـ باستمرار ـ في طريقة حياته ومشاكلها ، وعوامل تطوّر حياته عن الإنسان القديم. وهذا الابتعاد المستمرّ يفرض تـحوّلاً أساسيّاً في كلّ حاجاته وهمومه ومتطلّباته ، وبالتالي في طريقة علاج الحاجات وتنظيمها ، فكيف بإمكان « الدين » أن يؤدّي دوراً حقيقياً على هذه الساحة الممتدّة زمنياً مـن حياة الإنسانيّة ، على الرغم من التطوّر الكبير في الوسائل وأساليب الحياة ؟ إلّا أنّ هذه النظرة خاطئة ، لأنّ التطوّر الذي حصل إنّما يفرض التغيّر في علاقة الإنسان بالطبيعة ، وما تتّخذه هذه العلاقة من أشكال مادّية ، فالزراعة مثلاً التي تمثّل علاقة الإنسان المزارع بالأرض تتطوّر ـ شكلاً ومضموناً ـ من الناحية المادّية تبعاً للتطوّر الكبير الذي حصل في الوسائل وأساليب الحياة. لكن تبقى علاقة الإنسان بربّه ، وعلاقة الإنسان بالإنسان ، وفي كلتا هاتين الـعلاقتين نجد أنّ الإنسان دائماً وعلى مسار التاريخ يعيش عدداً من الحاجات والمشاكل الثابتة التي يواجهها إنسان عصر الزيت ، وإنسان عصر الكهرباء على السواء. و « الدين » علاج ثابت لحاجات ثابتة من هذا النوع ولمشاكل ليست ذات طبيعة مـرحلية ، بل تواجه الإنسان باستمرار , ولا يزال هذا العلاج الذي يعبّر عنه « الدين » حيّاً في أهدافه حتّى اليوم ، وشرطاً أساسيّاً في تغلّب الإنسان على مشاكله ونجاحه في ممارساته الحضارية. فإنسان عصر الفضاء والذّرة إذا أراد إشباع كلّ حاجاته والتغلّب على كلّ مشاكله فلا محيص له عن « التديّن » ، وإدخال « الدين » في صميم حياته. وفيما يلي نشير إلى بعض الحاجات والمشاكل في حياة الانسان والدور الذي يمارسه « الدين » في إشباع تلك الحاجات والتغلّب على هذه المشاكل. ونركّز في هذا العجالة وفي هذا البحث المحدود على حاجتين أساسيتين من حاجات الإنسان الثابتة دائماً وفي كلّ العصور : الأولى : حاجة الإنسان إلى الارتباط بالمطلق ، فإنّ « الدين » يكرّس علاقة الإنسان بربّه ، وهذه العلاقة لا يستغني عنها الإنسان أبداً مهما تطوّرت حياته من الناحية المادّية ، فهي من الحاجات الثابتة للإنسان في مسيرته وتحرّكه وتكامله. ولنوضحّ كيف أنّ هذه العلاقة حاجة دائميّة للإنسان ؟ وكيف أنّ « الدين » يكرّس هذه العلاقة ؟ إذا لاحظنا الأدوار التاريخيّة المختلفة لحياة الإنسان وجدنا أنّ هناك مشاكل متنوّعة يعاني منها الإنسان على مرّ التاريخ في تحرّكه ، ولكنّنا إذا تجاوزنا السطح ونفذنا إلى عمق المشكلة وجوهرها إستطعنا أن نحصّل على مشكلة رئيسيّة ذات حدين أو جانبين. فهي من زاوية تعبّر عن مشكلة « الضياع » و « اللّا انتماء » ، وهذا يمثّل الجانب السلبي من المشكلة ، ومن زاوية اُخرى تعبّر عن مشكلة « الغلوّ في الانتماء والانتساب » ، أيّ مشكلة تحويل الإنسان الحقائق النسبيّة التي ينتمي إليها إلى حقائق مطلقة ، وهذا يمثّل الجانب الإيجابي من المشكلة. وقد أطلقت الشريعة الإسلاميّة على المشكلة الأولى اسم « الإلحاد » ، باعتبار أنّ الإلحاد المثل الواضح لمشكلة ضياع الإنسان ، ولا انتمائه. وأطلقت على المشكلة الثانية اسم « الشرك » و « الوثنية » ، باعتبار أنّ الشرك هو المثل الواضح أيضاً لمشكلة غلوّ الإنسان في انتماءه « مشكلة تحويل الحقيقة النسبيّة إلى حقيقة مطلقة ». وفي الحقيقة إنّ جهاد الإسلام المستمرّ ضدّ « الإلحاد » وضدّ « الشرك » هو جهاد ضدّ هاتين المشكلتين بكامل بُعديهما التاريخيّين. وهاتان المشكلتان تلتقيان في نقطة واحدة أساسيّة وهي إعاقة حركة الإنسان في تطوّره وتكامله عن الاستمرار الخلّاق المبدع الصالح ، لأنّ مشكلة « الضياع » تعني بالنسبة إلى الإنسان أنّه صيرورة مستمرة تائهة لا تنتمي إلى « مطلق » يسند إليه الإنسان نفسه في مسيرته الشاقّة الطويلة المدى ، ويستمدّ من إطلاقه وشموله العون والمدد والرؤية الواضحة للهدف ، ويربط من خلال ذلك « المطلق » حركته بالكون ، بالوجود كلّه ، بالأزل والأبد ، ويجدّد موقعه منه. فالتحرّك الضائع بدون « مطلق » هو في الواقع تحرّك عشوائي كريشة في مهبّ الريح ، تنفعل بالعوامل من حولها ، وتتأثر بها ولا تؤثّر فيها. وما من إبداع وعطاء في مسيرة الإنسان الكبرى على مرّ التاريخ إلّا وهو مرتبط بالاستناد إلى « مطلق » ، والالتحام معه في سير هادف. غير أنّ هذا الارتباط بالمطلق نفسه يواجه من ناحية أُخرى الجانب الآخر من المشكلة ، أيّ مشكلة « الغلوّ في الانتماء والارتباط » من خلال تحويل « النسبيّ » إلى « مطلق » وهي مشكلة تواجه الإنسان باستمرار ، وذلك حينما ينسج الإنسان ولاءه لقضيّة من القضايا ـ من قبيل قضية « العشيرة » أو « الوطن » أو « العنصر والدم » أو « اللون » أو « الحزب » أو « المال » أو « السلطة » أو أيّ قضيّة أُخرى ـ لكي يمدّه هذا الولاء بالقدرة على الحركة ومواصلة السير ، إلّا أنّ هذا الولاء يتجمّد تدريجيّاً ويتجرّد عن ظروفه النسبيّة التي كان صحيحاً ضمنها وينتزع الذهن البشري من هذا « النسبيّ » الذي انتمى إليه ومنح ولاءه له « مطلقاً » لا حدّ له ، فيقدّم الإنسان حينئذٍ بالاستجابة إلى كلّ مطالب هذا « النسبيّ » الذي تحوّل لديه إلى « مطلق » ، وبالتعبير الديني يتحوّل إلى « إله » يُعبد بدلاً عن « حاجة » يُستجاب لإشباعها. وحينما يتحوّل « النسبيّ » إلى « مطلق » و « إله » يُعبد ، يُصبح بنفسه سبباً في تطويق حركة الإنسان وتجميد قدراته على التطوّر والإبداع يُصبح سبباً لإقعاد الإنسان عن ممارسة الإنسان دوره الطبيعي المفتوح في المسيرة. قال الله تعالى في القراآن الكريم : ( لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا ) [ الإسراء : 22 ] . وهذه حقيقة صادقة على كلّ « الآلهة » التي صنعها الإنسان عبر التاريخ سواء ما كان قد صنعه في المرحلة الوثنيّة من العبادة أو في المراحل اللاحقة ، فنحن نجد سلسلة من « الآلهة » التي أعاقت الإنسان عن التقدّم الصالح بسبب قيام الإنسان نفسه بتأليهها والتعامل معها كـ « مطلق » فابتدائاً من « العشيرة والقبيلة » ، ومروراً بـ « اللون » و « العنصر والدّم » و « الوطن » وما إلى ذلك ، وانتهاءاً بـ « العلم » ، كلّها آلهة مصطنعة ومن نسيج ذهن الإنسان نفسه. نعم من « القبيلة » التي كان الإنسان البدوي يمنحها ولاءه باعتبارها حاجة واقعيّة بحكم ظروف حياته الخاصّة ثمّ غلا هذا الإنسان في ولاءه للقبيلة ، فتحوّلت عنده إلى « مطلقٍ » ، لا يُبصر شيئاً إلّا من خلالها تجرّد هذا « النسبيّ » عن تلك الظروف النسبيّة التي كان صحيحاً ومقبولاً في ضمنها وانتزع ذهن الإنسان منه « مطلقاً » ، لا حدّ للاستجابة إلى مطالبه ، فأصبحت « القبيلة » بذلك مُعيقة له عن التقدّم والنموّ والتكامل ، وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم قعدت به مذموماً مخذولاً. إلى « العلم » الذي منحه الإنسان الحديث ـ بحقّ ـ ولاءه ، لأنّه شقّ له طريق السيطرة على الطبيعة ، ولكن هذا الإنسان غلا ـ أحياناً ـ في ولاءه لـ « العلم » ، فتحوّل إلى ولاء مطلق ، تجاوز به حدوده ، وانتزع الإنسان المفتون بالعلم من « العلم » « مطلقاً » و « آلهاً » يعبده ويقدّم له فروض الطاعة والولاء ويرفض من أجله كلّ القيم والحقائق التي لا تمتدّ يدّ « العلم » إليها ولا يمكن قياسها بالأمتار أو رؤيتها بـ « المجهر ». فكلّ محدود ونسبيّ إذا نسج الإنسان منه في مرحلة ما « مطلقاً » يرتبط به على هذا الأساس ، يصبح في مرحلة رشدٍ ذهنيٍ جديدٍ قيداً على الذهن الذي صنعه ، بحكم كونه محدوداً ونسبياً. فلابدّ للإنسانيّة في مسيرته من « مطلق ». هذا أوّلاً. ولابدّ من أن يكون مطلقاً حقيقيّاً يستطيع أن يستوعب المسيرة الإنسانيّة ويهديها سواء السبيل مهما تقدّمت المسيرة وامتدّت على خطّها الطويل ، ويستطيع أيضاً أن يمحو من طريق المسيرة الإنسانيّة كلّ « الآلهة » الذين يطوّقون المسيرة ويعيقونها. هذا ثانياً. وبهذين الأمرين تعالج المشكلة التي ذكرناها بكلا جانبيها ، السلبي « الضياع » والإيجابي « الغلوّ ». وهذا العلاج يتمثّل في ما قدّمته السماء إلى الأرض من عقيدة « الإيمان باللّه » بوصفه « المطلق » الذي يمكن أن يربط الإنسان المحدود مسيرته وحركته به دون أن يسبّب له أيّ تناقض على الطريق الطويل. فالإيمان باللّه يعالج الجانب السلبي من المشكلة ويرفض الضياع والإلحاد واللّا انتماء ، لأنّ الإيمان باللّه تعالى يضع الإنسان في موضع المسؤولية وينيط « الكون » بحركته وتدبيره ، ويجعله خليفة اللّه في الأرض. و « الخلافة » تستبطن « المسؤوليّة » ، والمسؤولية تضع الإنسان بين قطبين ، بين « مستخلفٍ » يكون الإنسان مسؤولاً أمامه ، و « جزاءٍٍ » يتلقّاه الإنسان تبعاً لتصرّفه ، أيّ بين « اللّه » و « اليوم الآخر » ، بين « المبدأ » و « المعاد » ، بين الأزل والأبد ، والإنسان يتحرّك في هذا المسار تحرّكاً مسؤولاً هادفاً. والإيمان باللّه تعالى يعالج الجانب الإيجابي من المشكلة ـ مشكلة الغلوّ في الانتماء التي تفرض المحدوديّة على الإنسان ، وتشكّل عائقاً عن تقدّمه في مسيرته ـ وذلك على الوجه التالي : أوّلاً : إنّ هذا الجانب من المشكلة كان ينشأ من تحويل المحدود والنسبيّ إلى مطلق وذلك من خلال عمليّة تصعيد ذهني وتجريد للنسبيّ من ظروفه وحدوده. وأمّا « المطلق » الذي يقدّمه الإيمان باللّه تعالى للإنسان فهو لم يكن من نسيج مرحلةٍ من مراحل الذهن الإنساني ليصبح في مرحلة رشدٍ ذهنيٍ جديدٍ قيداً على الذهن الذي صنعه ، ولم يكن وليد حاجة محدودة لفردٍ أو لفئةٍ كي يتحوّل ـ بسبب انتصابه مطلقاً بلا حدود ـ إلى سلاح بيد ذاك الفرد أو تلك الفئة لضمان استمرار مصالحها اللّا مشروعة. فاللّه تبارك وتعالى مطلق لا حدود له ، ويستوعب ـ بصفاته الثبوتيّة ـ كلّ المُثُل العليا للإنسان الخليفة على الأرض ، من إدراك وعلم وقدرة وقوّة وعدل وغنى. وهذا يعني أنّ الطريق إلى الله تعالى لا حدّ له ، فالسير نحوه يفرض التحرّك النسبيّ نحو المطلق باستمرار وتدرّج بدون توقّف. قال الله تعالى في القرآن الكريم : ( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ) [ الإنشقاق : 6 ] . ويعطي لهذا التحرّك مُثُله العليا المنتزعة من الإدراك والعلم والقدرة والعدل وغيرها من صفات ذلك المطلق الذي تكدح المسيرة الإنسانيّة نحوه. فالسير نحو مطلقٍ ، كلّه علم وكلّه قدرة وكلّه عدل وكلّه غنى ، معناه أن تكون المسيرة الإنسانيّة كفاحاً متواصلاً باستمرار ضدّ كلّ جهل وعجز وظلم وفقر. وما دامت هذه هي أهداف المسيرة المرتبطة بهذا المطلق فهي إذن ليست تكريساً للإله ، وإنّما هي جهاد مستمرّ من أجل الإنسان وكرامته وتحقيق تلك المُثُل العليا له. قال تعالى : ( وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) [ العنكبوت : 6 ] . ( فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) [ الزمر : 41 ] . وعـلـى العكس من ذلك المطلقات الوهميّة والآلهة المزيّفة ، فإنّها لا يمكن أن تستوعب المسيرة بكلّ تطلّعاتها ، لأنّ هذه المطلقات المصطنعة وليدة ذهن الإنسان العاجز أو حاجة الإنسان الفقير أو ظلم الإنسان الظالم ، فهي مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالجهل والعجز والظلم ولا يمكن أن تبارك كفاح الإنسان المستمرّ ضدّها. ثانياً : إنّ الارتباط باللّه تعالى بوصفه « المطلق » المستوعب لكلّ تطلّعات المسيرة الإنسانيّة ، يعني في الوقت نفسه رفض كلّ تلك المطلقات الوهميّة الكاذبة والآلهية المصطنعة التي كانت تشكّل ظاهرة « الغلوّ في الانتماء » ، ويعني : خوض حـرب مستمرّة ونضال دائم ضدّ كلّ ألوان الوثنية والتأليه المصطنع. وبهذا يتحرّر الإنسان من سراب تلك المطلقات الكاذبة التي تقف حاجزاً دون سيره نحو اللّه وتزوّر هدفه النزيه ، وتطوّق مسيرته التكامليّة اللّا محدودة. تأمّل في القرآن الكريم حيث يقول في الآيات الشريفة البديعة الرائعة التالية : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّـهَ عِندَهُ ) [ النور : 39 ] . ( مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّـهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) [ يوسف : 40 ] . ( أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [ يوسف : 39 ] . ( ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ) [ فاطر : 13 ] . ونـحـن إذا لاحظنا الشعار الرئيسي الذي طرحته السماء بهذا الصدد : « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » ، نجد أنّه قد قُرن فيه بين ربط الإنسان بالمطلق الحقّ وبين رفض كلّ مطلق كاذب ومصطنع. وجاء تاريخ المسيرة الإنسانيّة في واقع الحياة على مرّ الزمن ليؤكّد الارتباط العضوي بين هذاالرفض وذلك الربط والشدّ الوثيق الواعي إلـى اللّه تعالى ، فبقدر ما يبتعد الإنسان عن « الإله الحقّ » ينغمس في متاهات « الآلهة » و « الأرباب المتفرّقين ». فالرفض والإثبات المندمجان في « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » هما وجهان لحقيقة واحدة ، وهي حقيقة لا تستغني عنها المسيرة الإنسانيّة على مدى خطّها الطويل ، لأنّها الحقيقة الجديرة بأن تُنقِذ المسيرة من « الضياع » وتساعد على تفجير كلّ طاقاتها المُبدِعة وتحرّرها من كلّ « مطلق » كاذب معيق. والإنسان وُلِد مشدوداً بطبيعته إلى المطلق ، لأنّ علاقته بالمطلق أحد مقوّمات نجاحه وتغلّبه على مشاكله ولا توجد تجربة أشمل وأوسـع مـن تـجربة « الإيمان » في حياة الإنسان ، فإنّ « الإيمان » كان ظاهرة ملازمة للإنسان منذ أبعد العصور وفي كلّ مراحل التاريخ ، وهذا التلازم الاجتماعي المستمرّ بين « الإنسان » و « الإيمان » يبرهن ـ تجريبيّاً ـ على أنّ النزوع إلى « المطلق » والتطلّع إليه اتّجاه أصيل في الإنسان مهما اختلفت أشكال هذا النزوع ، وتنوّعت طرائقه ودرجات وعيه. إذن فالإيمان باللّه تعالى والشعور العميق بالتطلّع نحو الغيب والانشداد إلى المطلق ، غريزة متجذّرة في الإنسان وضرورة ثابتة وحاجة مستمرّة في مسيرته ، إذ لا مسيرة بدون « مطلق » تنشدّ المسيرة إليه وتستمدّ منه مُثُلها ولا « مطلق » يستطيع أن يستوعب المسيرة على امتدادها الطويل ، سوى « المطلق الحقّ » تبارك وتعالى وما سواه من مطلقات مصطنعة يشكّل حتماً بصورة وأُخرى عائقاً عن نموّ المسيرة. فالارتباط بالمطلق الحقّ حاجة ثابتة ورفض غيره من المطلقات المصطنعة حاجة ثابتة أيضاً. ولا ارتباط بالمطلق الحقّ بدون تعبير عملي عن هذا الارتباط يؤكّده ويرسخه باستمرار ، وهذا التعبير العملي هو التديّن. هذه جهة من جهات حاجة الإنسان والمجتمع إلى التديّن وحاجة من حاجات الإنسان الثابتة دائماً ، والتي لا يُشبعها سوى « الدين ». كانت هذه هي الحاجة الأولى من الحاجتين الأساسيتين للإنسان اللتين وعدنا بالتركيز عليهما وهي حاجة الإنسان إلى الارتباط بالمطلق وعلاقته بربّه المطلق الحقّ ، وقد رأينا أنّ الإنسان لا يستغني أبداً مهما تطوّرت حياته المادّية عن هذا الارتباط وهذه العلاقة ، ورأينا أنّ الدين والتديّن هو الذي يكرّس هذه العلاقة ، ولا طريق آخر لإشباع هذه الحاجة الإنسانيّة الدائمة. الثانية : حاجة الإنسان إلى الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤوليّة تجاه التزاماته الاجتماعيّة. فنحن إذا لاحظنا الإنسانيّة في أيّ فترة ٍمن تاريخها نجد أنّها تتّبع نظاماً معيّناً في حياتها وطريقة محدّدة في توزيع « الحقوق » و « الواجبات » بين الناس ، ونجد أيضاً أنّه بقدر ما يتوّفر لدى الإنسانيّة من « ضمانات » لالتزام الناس بذاك النظام ، وتطبيقه في حياته تكون الإنسانيّة أقرب إلى الاستقرار وتحقيق الأهداف العامّة المتوخّاة من ذلك النظام. فكلّ نظام اجتماعي فاقدٍ لـ « ضمان التنفيذ » محكوم عليه بالفشل مُسبقَاً مهما أُوتي من عناصرة القوّة. هذه حقيقة تصدق على المستقبل والماضي على السواء ، ولا يختلف فيها إنسان عصر الفضاء والذرّة عن إنسان عصر الآلة اليدويّة ، لأنّها من الحقائق الثابتة في مسيرة الإنسان على المدى الطويل. و « ضمان التنفيذ » على قسمين : فهناك ضمانات موضوعيّة كالعقوبات التي توضع تأديباً للفرد الذي يتجاوز حدوده وهناك ضمان ذاتي نابع من ذات الإنسان وداخله ، وهو الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤوليّة تجاه التزاماته الاجتماعيّة ، وما يُفرض عليه من « واجبات » وما يحدّد له من « حقوق ». والقسم الأوّل ـ أيّ الضمان الموضوعي ـ وإن كان له دور كبير في السيطرة على سلوك الأفراد وضبطه ، حيث إنّه لا شكّ في أنّ العقوبات التي توضع لتأديب الأفراد المتجاوزين عن حدودهم ، والمتخلّفين عن تطبيق النظام لها الأثر الواضح في الحدّ من التجاوزات والتخلّفات. إلّا أن هذا القسم من الضمان لا يكفي وحده في كثير من الأحيان ما لم ينضمّ إليه القسم الثاني ، وهو الضمان الذاتي الذي ينبثق من الشعور الداخلي لكلّ فرد بالمسؤولية ، لأنّ الرقابة الخارجية على الفرد ـ المتمثّلة في قوى الأمن والجيش والبوليس والقضاء والعقوبات من السجن وغيره ـ مهما كانت دقيقة وشاملة لا يمكن عادةً أن تضمن الإحاطة بكلّ الأمور التي تقع في المجتمع واستيعاب كلّ الوقائع التي تحدث من قبل الأفراد ، فما لم يشعر كلّ فرد من داخله بالمسؤولية تجاه واجباته والتزاماته ، وتجاه حقوقه وحقوق الآخرين لا يتحقّق الاستقرار التامّ والأمن الكامل في المجتمع ، هذا واضح جدّاً ، ولا يمكن إنكاره وتجاوزه. وهذا الشعور الداخلي بالمسؤوليّة لا يتحقّق ـ من الناحية العمليّة الحيّة ـ في حياة الإنسان ما لم يكن الإنسان مؤمناً برقابة لا يعزب عن علمها مثقال ذرّة في السماوت ولا في الأرض ، وهذه الرقابة الشاملة إنّما تتواجد في حياة الإنسان نتيجةً لارتباطه بـ « المطلق الحقّ العليم القدير الذي أحاط علمه بكلّ شيء » ، فإنّ هذا الارتباط بنفسه يوفّر للإنسان هذه الرقابة ويهيّء بذلك إمكانيّة نشوء الشعور الداخلي بالمسوؤليّة. وإذا نشأ هذا الشعور الداخلي بالمسؤوليّة في كيان كلّ فرد ونما واعتاد الفرد على التصرّف بموجبه ، كان هذا الفرد هو المواطن الصالح في المجتمع وهو الإنسان الذي لا يتخلّف عن أداء حقوق الآخرين المشروعة ، ولا يتجاوز حدوده ولا يتعدّي على أحد ، لا بسبب خوفه من ردّ الفعل الاجتماعي على هذا التخلّف والتجاوز والتعدّي بل بسبب الخوف من الله العليم القدير الذي يعلم كلّ شيء ويقدر على كلّ شيء ، وهذا هو الأساس المتين والصحيح للمواطنة الصالحة. فلا يكفي ـ لكي يكون الفرد مواطناً صالحاً ـ أن لا يتخلّف خوفاً من ردّ الفعل الاجتماعي على تخلّفه بل إنّما تتحقّق المواطنة الصالحة بأن لا يتخلّف الإنسان عن أداء حقوق الآخرين بدافعٍ من الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤوليّة ، وذلك لأنّ الخوف من ردّ الفعل الاجتماعي على التخلّف لو كان وحده هو الأساس لالتزامات المواطنة الصالحة في المجتمع الصالح لأمكن التهرّب من الواجبات في حالات كثيرة حينما يكون بإمكان الفرد أن يُخفي تخلّفه أو يفسّره تفسيراً كاذباً لا يطابق الواقع أو يحمي نفسه من ردّ الفعل الاجتماعي بشكل وآخر فلا يوجد في هذه الحالات ضمان سوى الشعور الداخلي بالمسؤوليّة. ولعلّ هذا هو أحد أسرار تشريع العبادات في الشريعة حيث إنّ العبادة واجب غيبيّ بمعنى أنّ ضبطها بالمراقبة من خارج أمر مـسـتحيل فلا يمكن أن تنجح أيّ إجراءات خارجية لغرض الإتيان بها ، لأنّها متقوّمة بالقصد النفسي والربط الروحي للعمل باللّه تعالى ، وهذا أمر لا يدخل في حساب الرقابة الموضوعيّة من خارج ولا يمكن لأيّ إجراء قانوني أن يكفّل تحقيقه ، وإنّما الرقابة الوحيدة الممكنة في هذا المجال هي الرقابة الناتجة عن الارتباط بالمطلق الغيب الذي لا يعزب عن علمه شيء ، والضمان الوحيد الممكن هنا هو الشعور الداخلي بالمسؤوليّة. وهذا يعني أنّ الإنسان الذي يمارس العبادة يباشر واجباً يـخـتلف عن أيّ واجب أو مشروع اجتماعي آخر ، فحين يقترض مالاً من شخص ويوفّي دينه أو حين يعقد صفقة تجاريّة وينفّذ شروطها وحين يستعير مالاً من غيره ثمّ يعيده إليه ، يباشر بذلك واجباً يدخل في نطاق الرقابة الاجتماعيّة رصده أيّ يمكن للمراقبة الخارجيّة أن ترصد هذا الواجب وتضمن حصوله وتحقّقه. وبهذا قد يتخّذ الفرد القرار بالقيام بهذا الواجب خوفاً من المراقبة الخارجيّة وتحسّباً لردّ الفعل الاجتماعي على التخلّف عن أداءه. وأمّا الواجب العبادي الغيبي الذي لا يعلم مدى مدلوله النفسي إلّا اللّه تبارك وتعالى فهو واجب لا يمكن للمراقبة الخارجية رصده ، ولذا فهو لا يصدر من الفرد إلّا نتيجةً للشعور الداخلي بالمسؤوليّة ، وخوفاً من الله تعالى. والحاصل أنّ الشعور الداخلي بالمسؤوليّة يترسّخ من خلال الممارسات العباديّة ويألف الإنسان العمل على أساس هذا الشعور ويكون الشعور ضماناً قوًياً لالتزام الفرد بما عليه من واجبات. هذا هو في الواقع نبذة من أسرار « الدين » وحاجة الفرد والمجتمع إلى التديّن ، وقد يتاح لنا في فرصة أُخرى الكلام عن أسراره الاخرى. والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: 1 ـ أمّا مجال العقيدة وحدودها : فعبارة عمّا يسمّى بـ « أصول الدين » ، وهي : أ ـ وجود الخالق والصانع ، وهو تبارك وتعالى ، وواحدانيّته. ب ـ وجود اليوم الآخر « القيامة ». ج ـ وجود النبوّة والوحي والأنبياء. د ـ وجود الإمامة والأئمّة. فالعقيدة تعني إذن الإيمان والتصديق بوجود الله تبارك وتعالى وبأنّه الأحد الذي لا شريك له في الخالقيّة والأُلوهيّة ، وبوجود يوم القيامة ، وبنبوّة النبيّ الأعظم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله ، وبإمامة علي ابن أبي طالب والأئمّة الأحد عشر من ولده عليهم أفضل الصلاة والسلام. 2 ـ أمّا العلاقة بين « العقيدة » و « الشريعة » ، فهي علاقة بين « البنية التحتيّة الأساسيّة » و « البناء الفوقي » ، فالشريعة بمعنى التشريعات مبنيّة على العقيدة. إذن ، فالعقيدة تشكّل القاعدة الفكريّة لكلّ التشريعات والأحكام. 3 ـ طبعاً إنّ العقيدة هي التي تفرز بين المؤمن المؤمن والكافر. 4 ـ نعم تتغيّر القيم عند الإنسان بحسب عقيدته ولذا قلنا مراراً أنّ العقيدة هي أهمّ ما في الإنسان. والله العالم ، والسلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّ الشريعة لم تسمح للمكلّف بأن يقلّد في العقائد الدينيّة الأساسيّة ، وذلك لأنّ المطلوب شرعاً في أصول الدين هو أن يحصل للإنسان العلم واليقين بربّه ونبيّه ومعاده ودينه وإمامه ، فلابدّ لكلّ إنسان من أن يتحمّل بنفسه مسؤوليّة عقائده الدينيّة الأساسيّة بدلاً من أن يقلّد فيها ، ويحمّل غيره مسؤليّتها. وقد عنّف القرآن الكريم ـ بأشكال مختلفة ـ أولئك الذين يبنون عقائدهم الدينيّة ومواقفهم الأساسيّة من الدين ـ سواء في القبول أو الرفض ـ على التقليد للآخرين بدافع الحرص على طريقة الآباء مثلاً ، ووراثتها منهم والتعصّب لهم أو بدافع الكسل عن البحث والهروب من تحمّل المسؤوليّة. وليس تحصيل العلم واليقين بأصول الدين أمراً صعباً ، لأنّ هذه الأصول محدودة عدداً أوّلاً ، وليست كثيرة ومنسجمة مع فطرة الناس ثانياً بحيث يكون تحصيل العلم واليقين بها أمراً ميسوراً غالباً ، وهي من ناحية ثالثة ذات أهمّية قصوى في حياة الإنسان. فلذا كان من الطبيعي أن تكلّف الشريعة كلّ إنسان ببذل الجهد مباشرة في البحث عن هذه الأصول واكتشاف حقائقها ، وحتّى لو كان تحصيل العلم واليقين بأصول الدين صعباً على الإنسان ، فإنّه مع ذلك يجب عليه بذل الجهد لتذليل الصعوبة مهما كانت حتّى لو استغرق ذلك شطراً من عمره ، لأنّ عقيدة الإنسان هي أهمّ ما في « الإنسان » ، وليكن على ثقة بأنّه لو بذل جهده في هذا الطريق فسوف يفتح الله تعالى عينه على الحقيقة ويهديه إليها ، قال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] . ولا ننسى بهذا الصدد نقطة أُخرى وهي عبارة عن اختلاف مستويات الناس الفكريّة والثقافيّة ، فالإنسان الأمّي الجاهل يختلف في مستواه الفكري والثقافي عن الإنسان العالم ، ولذا فلا يجب على كلّ إنسان سوى النظر والبحث في أصول الدين بالقدر الذي يتناسب مع مستواه ويصل به إلى قناعة كاملة بالحقيقة تطمئن بها نفسه ويعمر بها قلبه ويتحمّل مسؤوليّتها المباشرة أمام ربّه. هذا هو الطريق للتعقّل والتدبّر في الدين وعدم التقليد في أصوله ، وهو أن تبذل جهدك في البحث عنها إلى أن يحصل لك اليقين بها ، ويزول عن نفسك كلّ شك وريب.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ليست المشكلى في التشريع الديني ، وإنّما المشكلة في أنّ أكثر الأغنياء لا يؤدّون الزكاة الواجبة فضلاً عن المستحبّة بل هناك مَن يعتدّي على حقّ الفقراء والمساكين ، ويغصب الثروات والأموال المعّدة لهم أو يمنعهم من الإكتساب والإستفادة من المنابع الطبيعيّة ، ومن الإمكانات والقدرات الجسمّية والعقليّة. ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « إنّ الله عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يسعهم ، ولو علم أنّ ذلك لا يسعهم لزادهم إنّهم لم يؤتوا من قبل فريضة الله عزّ وجلّ ، ولكن أوتوا من منع من منعهم حقّهم لا ممّا فرض الله لهم ، ولو أنّ الناس أدّوا حقوقهم لكانوا عائشين بخير » . وفي الحديث آخر عن الصادق عليه السلام : « إنّما وضعت الزكاة اختباراً للأغنياء ومعونة للفقراء ، ولو أنّ الناس أدّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً ولاستغنى بما فرض الله له ، وأنّ الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا إلّا بذنوب الأغنياء ... » .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الأمور الإعتقاديّة : لا بدّ من تحصيل اليقين بها من أدلّة قطعيّة ، فكلّ من قامت عنده الأدلّة القطعيّة يكون عالماً بها ومجتهداً ، ولا يعدّ مقلّداً. وأمّا أدلّة جواز التقليد : فهي واردة بالنسبة إلى الأحكام والفروعات لا في المسائل الأصوليّة. والسّر في ذلك أنّ الأمور العقائديّة ترجع إلى الإيمان والإذعان وعقد القلب على شيء ولا يحصل ذلك إلّا إذا كان ذلك الشيء معلوماً لدينا بالدليل القطعي ، ولذا لا يتصوّر الإكراه أو الإجبار على الإعتقاد بعقيدة خاصّة ، بل لابدّ من حصول القناعة النفسيّة لكي يعتقد الإنسان بنظريّة أو فكرة خاصّة ، وقد تحصل هذه القناعة بدليل قطعي بديهي أو سهل التناول ، كما ورد قوله : « عليكم بدين العجائز » إشارة إلى تلك المرأة التي سألت عن وجود الصانع لهذا العالم وكانت تدير آلة الحياكة فرفعت يدها ووقفت الآلة ولم تتحرّك وقالت : إنّ مثل هذه الماكنة البسيطة تحتاج إلى محرّك فكيف لا يحتاج هذا الفلك العظيم في دورانه إلى محرّك ؟ ومن ذلك يظهر أن التدبّر في آثار رحمة الله ومخلوقاته ومعرفة الأنفس والآفاق خير دليل على الإيمان بالله ووحدانيته وصفاته وأسمائه الحسنى.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أمّا التوحيد والنبوّة والمعاد ، فقد اتّفق عليها السنّة والشيعة بأنّها من أصول الدين. وأمّا العدل ، فهو في الحقيقة راجع إلى صفات الله تعالى ويكون داخلاً في أصل التوحيد ، وإنّما جعل عند الشيعة أصلاً برأسه لأهمّيّته ، لأنّ الأشاعرة من أهل السنّة اختلفوا مع العدليّة ، وهم الإماميّة والمعتزلة في ثبوت هذه الصفة لله تعالى باعتبار إنّ الأشاعرة ذهبوا إلى أنّ الظلم ليس قبيحاً على الباري تعالى شأنه بل كلّ ما يفعله الله سواء كان ظلماً أو عدلاً فهو حسن ، وكلامهم في الحقيقة يرجع إلى نفي التحسين والتقبيح العقليين. ونتيجة ذلك إمكان صدور الظلم من الله تعالى فلا يستحيل أن يجازي الله المسيء بالثواب ويجازي المطيع بالعقاب. ولكن الشيعة قالوا باستحالة ذلك ، وأنّ العقل يدرك بنفسه حسن العدل وقبح الظلم وأنّ القبيح يمتنع صدوره من الحكيم تعالى شأنه ، ولأجل ذلك خصّصوا العدل من بين صفات الله تعالى بجعله من أصول المذهب.
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّما يتمّ ذلك من خلال الرجوع إلى الفقهاء في أخذ معالم الدين والتمييز بين الدين وغيره ، فهم المحاور والمراجع والأخصّائيون في شؤون الدّين ، فإنّ استخراج الحكم الشرعي من مصدره الأساسي ـ وهو القرآن الكريم والسنّة الشريفة ـ ليس عمليّة ميسورة لكثير من الناس بل هي عملية معقّدة وبحاجة إلى جهد علمي وذلك نتيجة الفاصل الزمني والابتعاد عن عصر نزول القرآن الكريم وصدور السنّة الشريفة ، فيزداد هذا الجهد العلمي ضرورةً وتتنوّع وتتعمّق ـ أكثر فأكثر ـ متطلّباته وحاجاته كلّما ابتعد الإنسان عن زمان صدور النصّ الشرعي ـ كتاباً وسنّةً ـ وامتدّ الفاصل الزمني بينه وبنبيّه بكلّ ما يحمله هذا الامتداد من مضاعفات كضياع جملة من الأحاديث ولزوم تمحيص الأسانيد وتغيّر كثير من أساليب التعبير وقرائن التفهيم والملابسات التي تكتنف الكلام ودخول شيء كثير من الدسّ والإفتراء في مجاميع الروايات ، كلّ هذا يتطلّب عناية بالغة في التمحيص والتدقيق. هذا إضافةً إلى أن تطوّر الحياة يفرض عدداً كبيراً من الوقائع والحوادث الجديدةً التي لم يرد فيها نصّ خاصّ من كتاب أو سنّة ، فلا بدّ من استنباط حكمها على ضوء القواعد العامّة ، ومجموعة ما بأيدينا ممّا أعطانا الشارع من أصول وتشريعات. كلّ ذلك وغير ذلك ممّا لا يمكن استيعابه في هذا الحديث الموجز أدّى إلى أن أصبح التعرّف على الحكم الشرعي وفهم الدين في كثير من الحالات عملاً علميّاً معقّداً وفنّاً تخصيصيّاً يعجز عنه عامّة الناس ، لأنّه بحاجة إلى جهد وعناء وبحث ودارسة طويلة الأمد. نعم في بعض الحالات التي يكون الحكم الشرعي فيها واضحاً كلّ الوضوح لا يحتاج الأمر إلى الجهد العلمي المذكور ، لكن « الدين » لا يقتصر على ذاك البعض ، بل يمتدّ ليشمل كلّ أبعاد وجود الإنسان وكلّ مناحي حياته بوصفه « الدين القيّم » عل توجيه الحياة الإنسانيّة ، وبوصفه أشرف رسالات السماء وخاتمها ، والمنسجم مع فطرة الإنسان : ( صِبْغَةَ اللَّـهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) [ البقرة : 138 ] ، ( فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) [ الروم : 30 ] . هذا هو شأن فهم « الدين » في عصورنا البعيدة عن عصر النصّ والتشريع. ولم يشذّ فهم الدين في هذا الجانب عن سنّة الحياة في سائر نواحيها ، فأيّ مجال من مجالات الحياة إذا لاحظناه نجد أن ممارسته تتطلّب معرفة معيّنة ، وأنّ جزءاً من هذه المعرفة قد يكون واضحاً ومتيّسراً لعموم الناس ، لكنّ الجزء الأكبر منها غير واضح ويتطلّب جهداً علميّاً ، ومعاناة في الدرس والبحث. خذ إليك مثلاً : المجال الصحّي ، فكلّ إنسان يعلم ـ بحكم التجربة الساذجة في حياته ـ إنّه إذا تعرض إلى مناخ بارد وفجأة فقد يصاب بأعراض حُمّى ، ولكن كثيراً من أساليب الوقاية والعلاج لا يعرفها الإنسان إلّا عن طريق الطبيب ، ولا يعرف الطبيب إلّا من خلال البحث والجهد العلمي ، وهكذا الحال في مجال التعمير والبناء ، وفي مجال الزراعة والصناعة على اختلاف فروعها. ومن هنا وجد كلّ إنسان إنّه لا يمكن عمليّاً أن يتحمّل بمفرده ووحده مسؤوليّة البحث والجهد العلمي الكامل في كلّ ناحية من نواحي الحياة ، لأنّ هذا عادة أكبر من قدرة الفرد وعمره من ناحية ولا يتيح له التعّمق في كلّ تلك النواحي بالدرجة الكبيرة من ناحية أُخرى ، فاستقرّت المجتمعات البشريّة على أن تخصّيص لكلّ مجال من مجالات المعرفة والبحث عدد من الناس ، فيكتفي كلّ فرد في غير مجال اختصاصه بما يعلم على البديهة ويعتمد في ما زاد عن ذلك بين الناس على ذوي الاختصاص محمّلاً لهم المسؤلية في تقدير الموقف ، وكان هذا لوناً من تقسيم العمل بين الناس سار عليه الإنسان بفطرته منذ أبعد العصور. ولم يشذّ الإسلام عن ذلك بل جرى على نفس الأساس الذي أخذ به الإنسان في كلّ مناحي حياته ، فوضع مبدأي « الإجتهاد » و « التقليد » ، فـ « الإجتهاد » هو التخصّص في علوم الشريعة ، و « التقليد » هو الإعتماد على المتخصّصين ، فكلّ إنسان يريد التعرّف على الدين والشريعة وأحكامها يعتمد : أوّلاً : على ما يعلمه بالبداهة والوضوح من الدين. وثانياً : على المجتهد المتخصّص في علوم الشريعة فيرجع إليه في فهم ما لا يعرفه بالبداهة من الدين. ولم يكلّف الإسلام كلّ إنسان بـ « الإجتهاد » ومعاناة البحث والجهد العلمي من أجل التعرّف على الحكم الشرعي ، وذلك من أجل توفير الوقت وتوزيع الجهد الإنساني على كلّ حقول الحياة. كما لم يأذن الإسلام لغير المتخصّص المجتهد بأن يحاول التعرّف المباشر على الدين والشريعة وأحكامها من القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، ويعتمد على محاولته هذه يثق بها ، انّ هذا ممّا لا يجوز له ويكون من قبيل أن يحاول الإنسان التعرّف المباشر على المرض وطريق علاجه من دون أن يكون قد درس شيئاً من علم الطبّ ، بل الواجب على غير المجتهد المتخصّص أن يتعرّف على الدين وأحكامه بصورة غير مباشرة ، أيّ عن طريق التقليد والإعتماد على العلماء والمجتهدين المتخصّصين في علوم الشريعة. وبهذا كان التقليد أمراً واجباً مفروضاً في الدين. وعلى هذا الأساس يكون « التقليد » في الواقع عبارة عن تحميل المسؤوليّة لذوي الإختصاص والمعرفة ، الأمر الذي جرت عليه سنّة الحياة في سائر المجالات كالمجال الصحّي الذي تقدّمت الإشارة إليه. وإنّما سمّي تقليد المجتهد « تقليداً » ، لأنّ المكلّف يضع عمله كالقلادة في رقبة المجتتهد الذي يقلّده تعبيراً رمزياً عن تحميله مسؤوليّته هذا العمل أمام الله سبحانه وتعالى ، وليس « التقليد » هو التعصّب الأعمى والإعتقاد بما يعتقده الآخرون جهلاً وبدون دليل. ففرق كبير بين أن يُبدي شخص رأياً معيّناً فتسارع أنت إلى اليقين ، والإعتقاد بذلك الرأي بدون ان تعرف دليلاً عليه وبدون أن يكون ذاك الشخص من ذوي الإختصاص والمعرفة بذاك الأمر ، وبين أن يبدي شخص رأياً فتتّبعه أنت وتحمّله مسؤوليّة هذا الرأي بحكم كونه من ذوي الإختصاص والمعرفة ، فالأوّل هو « التقليد المذموم عقلاً وشرعاً » ، الثاني هو « التقليد الصحيح الذي جرت عليه سنّة الحياة ، ويؤكّده العقل والشرع ». وقد احتاطت الشريعة لـ « التقليد » احتياطاً كبيراً ، ففرضت على الإنسان أن يقلّد أعلم المتخصّصين في حالة اختلاف آرائهم وأن لا يقلّد إلّا مَن كان عادلاً لا يميل عن الشرع إلى هواه خطوةً واحدة في صغير الأمور وكبيرها ، وذلك لكي يضمن المقلّد عن هذا الطريق أكبر درجة ممكنة من الصواب في رأي مرجعه الديني ومجتهده المتخصّص الذي يرجع إليه في فهم « الدين ». وأمرت الشريعة الإنسان بالعدول إلى الأكفأ والأعلم في اللحظة التي يجد فيها مَن هو أعلم و أكفأ من مجتهده الذي كان يقلّده ، كلّ ذلك للابتعاد بالتقليد عن معنى المتابعة العمياء ، والمتعصّب المذموم. وعلى ذلك جرت سنّة المؤمنين والمسلمين منذ عصور الأئمّة عليهم السّلام إلى يومنا هذا ، فقد كان الأئمّة عليهم السّلام يوجّهون السائلين من أبناء البلاد والأمصار الأُخرى إلى اتّباع الفقهاء من أبناء مدرستهم والرجوع إليهم ، وتقليدهم في فهم الشريعة وأحكامها ، ولا يرون لهم عذراً في التسامح في ذلك : « لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك في ما يرويه عنّا ثقاتنا » . وفي الوقت الذي أوجبت فيه الشريعة « التقليد » بالمعنى الذي ذكرناه ، وذلك في فروع الدين من الحلال والحرام ، نرى أنّها حرّمت « التقليد » حتّى بهذا المعنى في أصول الدين فلا يجوز للإنسان أن يقلّد في عقائده الدينيّة الأساسيّة أحداً حتّى ولو كان من ذوي الاختصاص والمعرفة ، ولم تسمح الشريعة للإنسان بأن يتّبع غيره في رأي يُبديه في أصول الدين بدون أن يعرف دليله عليه ويثق هو شخصيّاً بذاك الرأي ، فالمطلوب شرعاً في أصول الدين هو أن يحصل لكلّ شخص العلم واليقين بربّه ونبيّه ومعاده وإمامه ، وأن يتحمّل بنفسه مسؤوليّة عقائده الدينيّة الأساسيّة ، بدلاً عن أن يقلّد فيها ويحمّل غيره مسؤوليّتها. وأصول الدين محدودة عدداً من ناحية ، ومنسجمة مع الفطرة والعقل على نحو تكون الرؤية الباشرة الواضحة ميسورة فيها للإنسان غالباً من ناحية أُخرى ، وذات أهمّية قصوى في حياة الإنسان من ناحية ثالثة ، فلذا كان تكليف الشريعة كلّ إنسان ببذل الجهد المباشر في البحث عنها واكتشاف حقائقها أمراً طبيعياً ، ولا يواجه غالباً صعوبة كبيرة ولا يؤثّر على المجرى العملي لحياة الإنسان. وحتّى إذا واجه أحياناً صعوبات فالإنسان جدير ببذل الجهد لتذليل تلك الصعوبات فيجب عليه بحكم العقل أن يجهد لكي يصل إلى الحقيقة ، وذلك لأنّ المسألة مسألة عقيدة ، والعقيدة هي أهمّ شيء في كيان الإنسان وشخصيّته وإذا جهد وبذل ما في وسعه فسوف يصل إلى الحقيقة إن شاء الله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] . هذا هو مبدأ « الإجتهاد » ، وهذا هو مبدأ « التقليد ». وهذان المبدأن مستمرّان لا ينقطعان ، ومتجدّدان لا يجمدان مادام العصر عصر غيبة الإمام المعصوم عليه أفضل الصلاة والسّلام وعجّل الله فرجه ، وذلك لأنّ مصادر الشريعة محفوظة ـ ولله الحمد ـ إلى يومنا هذا في « القرآن الكريم » كاملاً ، و بدون أيّ نقصان ، وكذلك في عدد كبير من أحاديث « السنّة الشريفة ». إذن فمن الطبيعي أن يستمرّ « الإجتهاد » كتخصّص علمي في فهم تلك المصادر واستخراج الشريعة والدين منها ، ومن الطبيعي أيضاً أن تنمو خبرات المجتهدين وتتراكم لفتاتهم وانتباهاتهم على مرّ الزمن وتكون للمجتهد المتأخّر زمنيّاً رصيداً أكبر وعمقاً أوسع بالإستنباط. وهذا من الأسباب التي تدعوا إلى عدم جواز جمود المقلّدين على رأي فقيه من فقهاء عصر الغيبة طيلة قرن أو قرون ، لأنّ ذلك كالجمود على رأي طبيب من الأطبّاء طيلة قرن أو قرون رغم نموّ الطبّ بعده وتراكم الخبرات لدى الأطبّاء خلال تلك المدّة. ومن هنا كانت رابطة المقلّد بالمرجع الديني رابطةً حيّة متجدّدة باستمرار ويزيدها قدسيّة ما يتمثّل في المرجع من نيابة عامّة عن الإمام الغائب عليه أفضل الصلاة والسّلام. وحينما وضعت الشريعة هذين المبدأين ـ الإجتهاد والتقليد ـ كمبدئين مستمرّين مادام « الكتاب » و « السنّة » ، وفرضت « المجتهد » محوراً ومرجعاً للناس في شؤون الدين ، استعملت كلّ الأساليب الكفيلة بإنجاح هذين المبدئين وأدائهما لرسالتهما الدينيّة باستمرار : فمن ناحية نرى أنّ الشريعة أوجبت « الإجتهاد » وجوباً كفائيّاً على المسلمين ، ومعنى الوجوب الكفائي هو أنّه إذا قام به البعض وبلغوا درجة الإجتهاد سقط الوجوب عن الآخرين ، وإذا أهمل المسلمون جيمعاً هذا الواجب فلم يتوفّر في المجتمع الإسلامي مجتهد واجد للشروط يرجع إليه الناس في شؤون الدين كان الجميع آثمين مستحقّين للعقوبة الإلهيّة الأُخرويّة. والعدد الواجب توفّره في المجتمع من المجتهدين ليس محدَّداً شرعاً بل يتحدّد وفقاً للحاجة. هذا عن ايجاب الشريعة للإجتهاد وحثّها على طلب العلم ودراسة علوم الشريعة ، قال الله تبارك وتعالى : ( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) [ التوبة : 122 ] . ومن ناحية أُخرى نرى أنّ الشريعة حثّت على التمسّك بالعلماء والسؤال منهم ، قال تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ النحل : 43 ، الأنبياء : 7 ] . وقدّمت العلماء إلى الناس بوصفهم ورثةً للأنبياء ، فقد جاء في الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّ « العلماء ورثة الأنبياء » [ الكافي : 1 : 34 ، الحديث 1 ] . وجاء عنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال : « اللهم ارحم خلفائي » . فقيل : يا رسول الله ، ومَن خلفاؤلك ؟ قال : « الذين بأتون من بعدي يروون عنّي حديثي وسنتّي فيعلّمونها الناس من بعدي » [ وسائل الشيعة 18 : 66 ] . وفي رواية عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه أفضل الصلاة والسّلام أنّه قال : « مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء بالله ، الأمناء عل حلاله وحرامه » [ تحف العقول : 238 ] . إلى غير ذلك من الأحادث الروايات . ورغّبت الشريعة ـ بشتّى الأساليب ـ في التقرّب من العلماء والإستفادة منهم حتّى جعلت النظر إلى وجه العالم عبادة ، للترغيب في الرجوع إليهم والأخذ منهم. وبقدر عظمة المسؤوليّة التي أناطتها الشريعة بالعلماء شدّدت عليهم وتوقّعت منهم سلوكاً عامراً بالتقوى والإيمان والنزاهة ، نقيّاً من كلّ ألوان الاستغلال للعلم لكي يكونوا ورثة الأنبياء حقّاً. فقد جاء عن الإمام الحسن العسكري عليه السّلام في هذا الصدد قوله : « فأمّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه » . [ تفسير الإمام العسكري : 300 ] وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « مَن استأكل بعلمه افتقر » . فقيل له : إنّ في شيعتك قوماً يتحمّلون علومك ويبثّونها في شيعتكم يتلقون منهم الصلة. فقال : « ليس أولئك بمستأكلين إنّما ذاك الذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله ليبُطل به الحقوق طمعاً في حطام الدين » . [ وسائل الشيعة 18 : 102 ] . وفي حديث عن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله أنّه قال : « الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخول في الدنيا » . [ الكافي 1 : 46 ] . وأخيراً فقد جاء في الأحاديث التأكيد على أنّ مبدأ الإجتهاد أضافة إلى استمراره شرعاً ـ كما لاحظنا ـ مستمرّ عملاً وواقعاً وأنّ الدين لن يعدم ولن يفقد أبداً العلماء القادرين عل استيعابه والتفقّه فيه وتفهيمه للآخرين ورفع الشبهات عنه والدفاع عن حوزته. فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال : « يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدون ينفون عنه تأويل المبطلين وتحرف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد » . [ وسائل الشيعة 18 : 109 ] . وصفوة القول هي أنّ التفريق بين ما هو دين ثابت وما هو ليس كذلك لا سبيل إليه عادة سوى الرجوع إلى الأخصائيين في شؤون الدين. والله العالم ، والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: أركان الإسلام تنقسم إلى أصول وفروع : فالأصول عبارة عن : « التوحيد بالمعنى الشامل للعدل أيضاً » و « النبوّة بامتدادها الشامل للإمامة أيضاً » و « المعاد ». والفروع عبارة عن : « الصلاة » و « الصوم » و « الزكاة » و « الخمس » و « الحجّ » و « الجهاد » و « الأمر بالمعروف » و « النهي عن المنكر » و « التوليّ » و « التبريّ ».