الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هذا هو معنى الامتحان والتمحيص ، فلو كانت الأمور كلّها مطابقة لرغباتنا لم يتحقّق إمتحان وبلاء ولا يصل الإنسان إلى الكمال والسعادة الحاصلة من قوّة الإرادة والصبر والتحمّل وإطاعة الله تعالى. خلقنا الله تعالى لأجل الوصول إلى الكمال بواسطة معرفته وعبادته وإطاعته ، كما قال سبحانه : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 ] ، ومن المعلوم انّ الوصول إلى الكمال الروحي والنفساني واستحقاق النعيم الأبدي لا يتحقّق إلّا من خلال الإمتحان والتمحيص والبلاء. ومع وجود عوامل الشرّ والخير ومع اختيار الإنسان في أفعاله وأعماله فالحكمة الإلهيّة شاءت ان يكون الإنسان مورداً للإمتحان والبلاء لكي يصل إلى الكمال بواسطة الصبر والتحمّل والتسليم والمقاومة مع عوامل الشرّ وابتاع طريق الهدى ، ومن الطبيعي ان يكون هناك من لا ينجح في هذا الإمتحان ويتردى ولا يصل إلى الكمال. والله تعالى كما غنيّاً عن عبادة الناس وإطاعتهم ولا يحتاج إلى من يطيعه قهراً وقسراً بل تفضّل على الخلق فخلقهم لأجل مصالح ترجع إليهم لا إليه. العقل الفطري والبديهي يحكم بوجود الصانع والخالق وكونه حكيماً وعادلاً وعالماً وغنيّاً على الإطلاق ، وهذا الأمر يشعره حتّى الكفّار ولو بصورة ارتكازيّة لكنّهم يخالفون الفطرة ونداء العقل بسبب الأهواء والتعصّب والتقليد الأعمى. ولما كان الله تعالى حكيماً فلا محالة يرسل الأنبياء والرسل لهداية البشر وإرشادهم إلى الخير والصلاح ، ويأمرهم بكلّ ما هو دخيل في تحصيل الكمال والسعادة ، وينهاهم عن كلّ ما يمنعهم من الوصول إلى الهدف الأسمى ، فكلّ من يطيعه ويختار الأعمال الصالحة يستحقّ الأجر والثواب وكلّ من يعصيه ويخالفه ويرتكب الذنوب والمعاصي يستحقّ العقاب والعذاب ، لأنّ الله تعالى عادل ولا يصدر منه الظلم تجاه عباده وخلقه من العلوم ان جعل المعاصي بمنزلة المطيع ظلم بالنسبة للمطيع. فلابدّ أن يكون هناك حساب وكتاب وثواب وعقاب بل قد يكون الثواب والعقاب من الآثار الوضيعة والنتائج التكوينيّة للإطاعة والمعصية ، كما قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ) [ النساء : 10 ] ، وقوله تعالى : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) [ الزلزلة : 7 ] ، وهذا امّا يسمّى بتجسيم الأعمال. وكذا قوله تعالى : ( قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ) [ الإسراء : 42 ] ، وقوله تعالى: ( مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّـهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) [ المؤمنون : 91 ] . وهذه الآيات كلّها إشارة إلى دليل عقلي للتوحيد وهو دليل التمانع. وقد أشار إليه ما رواه هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذي أتى أبا عبد الله الصادق عليه السلام. فكان من كلام الإمام الصادق عليه السلام : « لا يخلو قولك انّهما اثنان من أن يكونا قد يمين قويّين أو يكونا ضعيفين أو يكون أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً ؛ فان كانا قويين فلم يدفع كلّ واحد صاحبه ويتفرّد بالتدبير ، وان زعمت ان احدهما قوي والآخر ضعيف ثبت انّه واحد ، كما نقول للعجز الظاهر في الثاني ، وان قلت انّهما اثنان لم يخل من ان يكونا متّفقين من كلّ جهة أو مفترقين من كلّ جهة ، فلمّا رأينا الخلق منتظماً والفلك جارياً واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على انّ المدبّر واحد » . وامّا احتمال انّ الالهين اتّفقا فيما بينهما على أن يخلقا معاً العالم على نسق ونظام واحد ، فجوابه انّ دليل التمانع يدلّ على استحالة افتراض انّ الآلة متعدّد والاستحالة ليست ناشئة من وجود إلهين ، بل من فرض وجود إلهين لأن فرض وجود إلهين يقتضي فرض ان يتنازعا ويختلفا في التدبير ، فلا يتحقّق وجود أيّ مخلوق في العالم لأنّ أحدهما يريده والآخر لا يريده.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الله تعالى خلق الإنسان لعبادته كما قال : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 ] ، لكن فائدة العبادة ونفعها لا تصل إلى الله تعالى ليكون محتاجاً ، بل خلق الله الإنسان ليصل إلى الكمال والسعادة الدنيويّة والاُخرويّة بواسطه معرفة الله تعالى وعبادته وإطاعته وإمتثال أوامره ونواهيه ، وهذه الاُمور كلّها فوائد ترجع إلى المخلوقين لا إلى الخالق ، ولنعم ما قال أمير المؤمنين عليه السلام في أوّل خطبة المتّقين : « اما بعد فان الله عز وجل خلق الخلق حيث خلقهم غنياً عن طاعتهم آمنا بمعصيتهم لانه لا يضره معصية من عصا منهم ولا تنفعه طاعة من اطاع » . [ روضة المتقين / المجلّد : 12 / الصفحة : 17 / الناشر : بنياد فرهنگ اسلامي حاج محمد حسين كوشانپور ] وفي بعض الأدعية : « فَنَطقت شَواهد صُنْعك فيه بِأنَّك أَنْت الله لا إله إلّا أنتَ ، مُكوِّنه وبارِؤهُ وفاطِرُه ابْتَدعته لا مِن شَيء ، ولا عَلى شَيء ، ولا في شَيء ، ولا لِوَحشة دَخَلت عَلَيك إذ لا غَيْرك ، ولا حاجة بَدَت لَك في تَكْوينه ، ولا لإسْتِعانة مِنْك عَلى ما تَخْلق بَعْده ... » . [ المزار الكبير / الصفحة : 299 / الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي / الطبعة : 1 ] فيما انّ الله تعالى غني على الإطلاق ولا حاجة له إلى أيّ شيء ، فلابدّ أن نلتزم بأنّه لم يخلق الخلق لأجل انّه محتاج إلى عبادته أو إظهار قدرته وحكمته بل انّما خلق الخلق لأجل إيصالهم إلى الكمال وذلك لأنّ الله تعالى متفضّل وكريم رحيم فيّاض منّان قد منّ على المخلوقات بنعمة الوجود وتفضّل على الخلق لكي يوصلهم إلى الكمال والسعادة ، نعم بعدما خلق الخلق ظهرت آثار قدرته وحكمته وجبروته وعظمته ، وليس إقدامه على الخلق والإيجاد لأجل إظهار عظمته وقدرته إذ لم يكن محتاجاً إلى ذلك بل هو نتيجة وعاقبة تترتّب على الإيجاد نظير ما يقال : « لدوا للموت وابنوا للخراب ». [ رسائل الشريف المرتضى / المجلّد : 3 / الصفحة : 195 / الناشر : دار القرآن الكريم ]
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: المسألة واضحة عقلّياً ولا ترتبط بقولنا « لا إله إلّا الله » ، فسواء قلنا إن معناه « لا إله ـ موجود ـ إلّا الله » أو « لا إله ـ معبود ـ إلّا الله » أو « لا إله ـ ممكن ـ إلّا الله » ، يمتتع وجود شريك للباري تعالى بحسب الواقع ونفس الأمر ، وذلك لأنّ المستحيل هو فرض أيّ خالق غير الله تعالى ، وإن كان ذلك الخالق له خلق خاصّ وملك خاص ، فإنّ هذا الفرض يستلزم العجز والنقص والحاجة في الله تعالى الذي هو قادر على كلّ شيء وكامل من جميع الجهات ، وذلك لأنّنا إمّا أن نفرض أنّ الله تعالى قادر على أن يمنع الإله الآخر من الخلق والتدبّر والتصرّف في ملكه الخاصّ أو أنّه ليس قادراً على ذلك ، فإن كان قادراً ، فالإله الثاني عاجز من الخلق والتدبر حتّى في مورد مخلوقاته الخاصّة ، إذ لا يتمكّن من دفع الإله الأوّل و إن لم يكن قادراً تبيّن العجز والنقص في الإله الأوّل حيث لا يتمكّن من التصرّف في ملك الإله الثاني ومنعه عن الخلق والتصرّف والتدبير. فالإلهان وإن توافقا مسبقاً على أن يكون لكلّ منهما ملكه الخاصّ ومخلوقاته الخاصّة ، ولا يتدخّل أحدهما في شؤون الآخر ، لكن من الممكن عقلاً أن يتدخّل أحدهما في شؤون الآخر ، و مع هذا الإمكان العقلي إمّا أن يغلّب عليه ويمنعه من التصرّف في ملكه الخاصّ أو لا يتمكّن من ذلك ، فإنّ التمكّن الأوّل من منع الثاني لم يكن الثاني إلهاً لعجزه ، وإن يتمكّن ، لم يكن الأوّل إلهاً لعجزه عن منع الآخر.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: كلّ دين سماوي وإلهي كان يدعوا إلى التوحيد المستفاد من القرآن الكريم حسب تعاليم أهل البيت عليهم السّلام ، بل نقول : إنّ التوحيد أمر فطري يشعر به كلّ إنسان بحسب فطرته وغريزته والقرآن الكريم يشير إلى هذه الفطرة السليمة ، قال اللّه تعالى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) [ الروم : 30 ] . ففي الكافي بسنده عَنْ هِشامِ بنِ سالِم ، عَنْ أَبي عَبْدِ اللهِ عليه السلام قال : قُلْتُ : « فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا » ؟ قالَ : التوحيد . [ الاصول من الكافي ، المجلّد : 2 / الصفحة : 10 / الناشر : المكتبة الإسلاميّة ] وفي حديث آخر عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ سِنانٍ عَنْ أَبي عَبْدِ اللهِ عليه السلام قال : سَأَلتُهُ عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) ، ما تِلْكَ الفِطْرَهُ ؟ قالَ : هِي الإِسلامُ ، فَطَرَهُمُ اللهُ حينَ أَخَذَ ميثاقَهُمْ عَلَى التَّوْحيدِ . [ الاصول من الكافي ، المجلّد : 2 / الصفحة : 10 / الناشر : المكتبة الإسلاميّة ] وفي حديث آخر عن الصادق عليه السلام في قوله : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) قال على التوحيد ومحمّداً رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وعليّ أمير المؤمنين عليه السّلام » . [ بصائر الدرجات الكبرى ، المجلّد : 1 / الصفحة : 98 / الناشر : منشورات الأعلمي ] وفي الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى يَكُونَ أبَواهُ يُهَوِّدانِهِ وَيُنَصِّرانِهِ » . [ المجعم الكبير ، المجلّد : 1 / الصفحة : 285 / الناشر : مكتبة ابن تيميّة ] . نعم لاريبّ في أنّ التوحيد المستفاد من القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت عليهم السلام هو التوحيد الكامل الذي له أغصان وشعب ، ويعبّر عنه بتوحيد اللّه تعالى من جميع الجهات : كالتوحيد في الذات : ( قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ * اللَّـهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) [ الإخلاص : 1 ـ 4 ] . والتوحيد في الصفات : بمعنى أنّ صفات ذاته تعالى عين ذاته. كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : « أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ، وَکَمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ ، وَکَمالُ التَّصْديقِ بِهِ تَوْحِيدِهِ ، وَکَمالُ تَوْحيدُهُ الإخلاصُ لَهُ ، وَکَمالُ الإخلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفاتِ عَنْهُ لِشَهادَةِ کُلِّ صِفَةٍ أنَّها غَيْرُ المَوْصُوفِ ، وَشَهادَةِ کُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ. فمََنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحانَهُ ، فَقَدْ قَرَنَهُ ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنّاهُ ، وَمَنْ ثَنّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ ... » . [ نهج البلاغة : الخطبة الاولى ، الصفحة : 7 / الناشر : منشورات بنياد نهج البلاغة ] . والتوحيد في العبادة : بمعنى أنّه لا تجوز عبادة أحد سواه قال اللّه تعالى : ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [ التوبة : 31 ] . والتوحيد في الأفعال : وهو الاعتقاد بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه ، وهذا لا يتنافى ترتب المسبّبات على الأسباب كالإحراق على النار أو الزرع على البذر ، كما لا يتنافى اختياريّة أفعال الإنسان ، وكذا لا يتنافى التوسّل بالأولياء والأنبياء والأئمّة عليهم السلام. أمّا عدم منافاته لترتّب المسبّبات على الأسباب ، فلأنّ ذلك أيضاً بمشيئة الله ومسبّب الأسباب هو الله تعالى. وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « أَبَى اللهُ أَنْ يُجْرِيَ الأَشْياءَ إِلّا بِأسْباب فَجَعَلَ لِكُلِّّ شَيْءٍ سَبَبَاً وَجَعَلَ لِكُلِّ سَبَبٍ شَرْحاً ، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَرْحٍ عِلْماً وَجَعَلَ لِكُلِّ عِلْمٍ باباً ناطِقاً ، عَرَفَهُ مَن عَرَفَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ، ذاك رَسُولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وَنَحْنُ » [ الاصول من الكافي ، المجلد : 1 / الصفحة : 140 / الناشر : المكتبة الإسلامية ] . وأمّا عدم منافاته لاختيار الإنسان ، فهو على أساس الفكرة التي طرحها أئمّتنا عليه السلام من مسألة الأمر بين الأمرين حيث إنّ اللّه تعالى يفيض القدرة على الإنسان في كلّ آن ، لكنّه جعله مختاراً في تصرّفاته ، فلا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين. وأمّا عدم منافاته للتوسّل بالمعصومين عليهم السلام ، فلأن تأثيرهم لا يكون إلّا بإذن اللّه سبحانه وتعالى وليس لهم باستقلالهم شيء ، قال اللّه تعالى : ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) [ المائدة : 110 ] . ثمّ إنّ التوحيد في الأفعال له شعب : 1ـ التوحيد في الخلق : ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) [ الأعراف : 54 ] . 2 ـ التوحيد في الربّوبّية : ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّـهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) [ الأنعام : 164 ] . وقال تعالى على لسان يوسف عليه السلام : ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [ يوسف : 39 ] . ويظهر من هذه الآية إنّ عبادة الأصنام كانت من قبيل الشرك في الربّوبّية ، كما أنّها كانت من قبيل الشرك في العبادة كما في قوله تعالى : ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّـهِ زُلْفَىٰ ) [ الزمر : 3 ] . 3 ـ التوحيد في المالكيّة والحاكميّة التكوينيّة : قال اللّه تعالى : ( ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ) [ الزمر : 6 ] . 4 ـ التوحيد في التشريع : قال اللّه تعالى ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ ) [ يوسف : 40 ـ 67 ] ، [ الأنعام : 57 ] . 5 ـ التوحيد في الإلوهيّة والطاعة : قال اللّه تعالى : ( اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ) [ الأعراف : 3 ] . وقوله تعالى : ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) [ النساء : 59 ] . ولا يتنافى وجوب طاعة المعصومين مع توحيد اللّه في الطاعة ، لأنّ طاعتهم ليست اطاعة لهم بذاتهم واستقلالاً بل بإذن اللّه ، ولأنّه أوجب طاعتهم علينا فهي في الحقيقة طاعة للّه تعالى.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : عدم وصول خبر الإله الآخر ومخلوقاته إلينا دليل على عجزه وعدم قدرته المطلقة حيث لم يتمكّن من تعريف نفسه لنا ولو بآياته وآثار خلقته ، كما أنّه لم يتمكّن أن يتصرّف في عالمنا ، فيكون محتاجاً إلى تعريف نفسه ، واللّه تعالى ـ أيّ واجب الوجوب بالذات ـ لابدّ أن يكون قادراً على الإطلاق وغنيّاً على الإطلاق. ولعلّ إلى هذا المعنى أشار الحديث الشريف في الإستدلال على نفي الشريك للباري تعالى ، ففي وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام لولده الإمام الحسن عليه السلام : « وَاعْلَمْ ، يا بُنَيَّ ، أَنَّهُ لَوْ كانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ ، وَ لَرَأَيْتَ اثارَ مُلْكِهِ وَسُلْطانِهِ ، وَلَعَرَفْتَ أَفْعالَهُ وَصِفاتِهِ ، وَلكِنَّهُ إلهٌ واحِدٌ ، كَما وَصَفَ نَفْسَهُ ، لا يضادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ ، وَلا يَزُولُ أَبَداً ، وَلَمْ يَزَلْ ، أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْياءِ بِلا أوليَّةٍ وَاخِرٌ بَعْدَ الْأَشياءِ بِلا نِهايَةٍ » . [ نهج البلاغة / الصفحة : 340 / الناشر : بنياد نهج البلاغة ] ثانياً : هذا الفاصل الذي بين خلق الإلهين مَن الذي خلقه ؟ وهل اتّفقا على وجوده ؟ أم أوجد نفسه ؟ أم كان مختار أحدهما دون الآخر ؟ ففي حديث الإمام الصادق عليه السلام : « ثمَّ يَلْزِمُكَ إنِ ادَّعَيْتَ اثْنَيْنِ فَلابُدَّ مِنْ فُرْجَةٍ بَيْنَهُما حَتّى يَكوُنَا اثْنَيْنِ فَصارَتِ الفُرْجَةُ ثالِثاً بَيْنَهما ، قَدِيماً مَعَهُما ، فَيَلْزِمُكَ ثَلاثَةً ، فَإنِ ادَّعَيْتَ ثَلاثَةً لَزِمَكَ ما قُلْنا في الاثْنَينِ حَتّى يَكوُنَ بَيْنَهُمْ فُرْجَتانِ فَيَكونَ خَمْساً ، ثُمّ يَتَناهى في العَددِ إلى ما لا نِهايَةَ في الكَثْرَةِ » . [ التوحيد / الصفحة : 224 / الناشر : منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة ] ويمكن توضيحه بما ذكره المجلسي في البحار : « إنّه لو كان التعدّد موجوداً لكان امتياز أحد الإلهين عن الآخر بأمر خارج عن ذاتهما يحتاج إليه في الإمتياز فيكون الإلهان محتاجين إلى هذا المائز ، والاحتياج ليس من شأن الإله ، فإنّ كلّ محتاج ممكن ». ثالثاً : بعد ثبوت امتناع وجود الإلهين بالأدّلة القطعيّة العقليّة لا معنى لفرض وجود إله آخر لا نعلم بحاله ولا بحال مخلوقاته. قال اللّه تعالى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّـهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) [ الأنبياء : 22 ] ، وهذا إشارة إلى دليل التمانع حيث إنّ كلّ آله لو فرضنا مثل الآخر في القدرة والقوّة والعلم وجميع الصفات الكماليّة ، فمن المحتمل أن يريد أحدهما نقيض ما يريده الآخر فإمّا أن يقع ما أراداه ، وهو محال لاجتماع النقيضين أو لا يقع شيء منهما فهذا ارتفاع النقيضين أو يقع أحدهما دون الآخر ، فمَن وقع مراده هو الإله والثاني عاجز. إن قلت : لعلّهما يتّفقان على أن لا يريد أحدهما ضدّ الآخر ، قلنا : احتمال ذلك كافٍ في حصول الاستحالة ، لأنّ احتمال اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما محال وهكذا احتمال عجز الإله محال. قال اللّه تعالى : ( مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّـهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) [ المؤمنون : 91 ] . والأدّلة على توحيد اللّه تعالى ونفي الشريك كثيرة نذكرها بنحو الإجمال : 1 ـ برهان الارتباط والتدّبير : كما يستفاد من حديث هِشامِ بنِ الحَكَمِ : قالَ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله عليه السلام : مَا الدَّليلُ عَلى أَنّ اللهَ واحِدٌ ؟ قال : اتِّصالُ التَّدْبيرِ وَتَمام الصُّنْعِ . [ التوحيد / الصفحة : 250 / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة ] وعنه عليه السلام : فَلَمّا رَأَيْنا الخَلْقَ مُنْتَظِماً وَالفُلْكَ جارِياً واخْتِلافَ اللَّيلِ وَالنَّهارِ ، وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَلَّ صِحَّةُ الأَمْرِ وَالتَّدْبِيرِ وَائْتِلافُ الأَمْرِ عَلى أَنَّ المُدَبِّر واحِدٌ . [ التوحيد / الصفحة : 244 / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة ] 2 ـ برهان عدم وجود الأثر للشريك الكاشف عن عدم المؤثّر : « لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ». [ نهج البلاغة / الصفحة : 340 / الناشر : بنياد نهج البلاغة ] 3 ـ برهان السبر والتقسيم : لأنّه لو قيل بالتعدّد فلا يخلو الأمر فيهما من أحد ثلاثة : إمّا أن يكونا قادرين على إقامة النظام أو غير قادرين أو متفاوتين ومختلفين فيها ؟ فإذا كانا قادرين كان أحدهما لغواً ، وإذا كانا عاجزين كان كلاهما عبثاً ، وإذا كان أحدهما قادراً والآخر عاجزاً ثبت إلوهيّة القادر ولم يكن يليق بها الآخر العاجز. 4 ـ برهان استلزام الشركه للإستحاله : قال الصدوق : « أَنّهُما لَوْ كانا اثْنَيْنِ لَمْ يَخْلُ الأَمْرُ فيهما مِنْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما قادراً عَلى مَنْعِ صاحِبهِ مِمّا يُريدُ أوْ غَيْرَ قادِر » ؟ [ التوحيد / الصفحة : 269 / الناشر : منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة ] فإن كان قادراً كان الآخر ممنوعاً ، والممنوع حادث ، والحدوث ليس من صفات الإله ، وإن لم يكن قادراً لزم عجزه ونقصه ، والعجز أيضاً ليس من صفات الله ، فيستحيل الشريك على كلا التقديرين ، ويثبت أنّ الآله واحد لا شريك له وهو الإله القادر جلّت قدرته. 5 ـ برهان الدفع : فإنّ وجوب الوجود لله تعالى الذي هو مسلّم ، يستلزم القدرة والقوّة الكاملة على جميع الأشياء بحيث يقدر على دفع جميع ما يضادّه ويقابله بنحو مطلق ، فإنّ عدم القدرة على هذا الدفع عجز ونقص ، والنقص عليه محال بالضرورة لوجوب وجوده ، وعليه فشريكه مندفع بالبداهة ، فيكون هو تعالى واحداً لا شريك له. 6 ـ دليل الكمال : إنّ التفرّد بالصنع كمال للصانع والشركة مستلزمة لسلب هذا الكمال ، وسلب الكمال عن ذاته المقدّسة المستجمعة لجميع الصفات الكماليّة محال بالبداهة ، فلا يكون له شريك ، لأنّ الشريك يستلزم سلب الكمال وسلب الكمال باطل ، فوحدة الصانع هو الحقّ. 7 ـ دليل الاستغناء : وذلك إنّ اللّه تعالى غني عمّا سواه ومستغن بذاته عن غيره ولا طريق للاحتياج إليه ، فيكون غنيّاً عن الشريك ومنزّهاً عن الحاجة والشركة ، مع أنّ الشركة بنفسها من الحاجة والفقر والنقص للاحتياج فيها إلى الإذن في التصرّف ، والغني أجلّ من الاحتياج وارفع من الاستيذان. ومع هذه الأدّلة العقليّة كيف يمكن فرض وجود إله ولو في عالم آخر لا نعلم به ؟
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: كلّ الأديان الإلهيّة تدعوا إلى التوحيد الذي يؤمن به الشيعة الإماميّة ، وقد أرسل جميع الأنبياء والرسل للدعوة إلى معرفة الله تعالى ووحدانيّته وصفاته الكماليّة والجماليّة والجلاليّة ، لكنّ وقع التحريف والتغيير في أكثر الأديان بعد أن توفّي الأنبياء والرسل أو حتّى في زمانهم حيث خالف بعض الأُمم أنبيائهم بل قتلوهم وغيّروا دينهم وانحرفوا حينما تركوا الحجج الإلهيّة ، وهكذا بعض الفرق الإسلاميّة وقع عندهم الانحراف والظلال لأنّهم لم يسيروا على نهج الإسلام الصحيح ، فأن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الأعظم أمرنا بالتمسكّ بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة من أهل بيته ، ولكن قال بعض المسلمين : « حسبنا كتاب الله » وأضطرّوا إلى تفسير القرآن الكريم بآرائهم الباطلة ولم يأخذوا معارف دينهم من أهل البيت عليه السلام الذين هم أدرى بما في البيت ، ومن أهل الذكر الذين نزل فيهم الذكر والقرآن في بيوتهم. ولذا نرى جمعاً من المسلمين يعتقدون بأنّ الله تعالى جسم لقوله تعالى : ( الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) [ طه : 5 ] ، ولروايات موضوعة. ومنها إنّ الله تعالى يأتي بصورة شاب جميل إلى سطوح البيوت ليالي الجمعة. ومنها إنّ الله تعالى يجعل رجله في نار جهنّم فتقول : « قط قط ». وغاب عنهم الأدلّة العقليّة والنقليّة من الكتاب والسنّة على بطلان مثل هذه الدعاوى. وعلى كلّ حال فالتوحيد الذي دعا إليه الأنبياء والرسل والأئمّة الطاهرين شيء واحد ويتلخّص في توحيد الذات والصفات والأفعال والعبادة.
الجواب من الشيخ مصطفى الهرندي: بعد ما دلّت الأدلّة بأنّ القديم منحصر بالواجب جلّ وعلا .. فيمكن تقسيمه إلى قسمين : القديم المطلق وينحصر في ذاته المقدّسة ، والقديم النسبي .. فإنّ الممكنات متدرّجة الوجود وطوليّة ، يطلق على الموجود الأوّل قديم بالنسبة إلى ما وجد بعده .. فأوّل ما خلق الله حيث كان العالم ـ السماوات والأرض ـ فلا مانع من إطلاق القديم عليها.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الدليل على التوحيد الأحدي أيّ عدم تركّب الصانع من جزئين هو أنّ التركّب نقص ومستلزم للاحتياج فإنّ كلّ جزء من أجزائه يحتاج إلى الجزء الآخر ، والمفروض أنّ واجب الوجود غني على الإطلاق ولا يحتاج إلى أيّ شيء. وأمّا الدليل على التوحيد الواحدي أيّ عدم وجود شريك للباري تعالى فهو ما أشارت إليه الآية الكريمة : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا ) [ الأنبياء : 22 ] ، وقوله تعالى : ( مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ) [ المؤمنون : 91 ] . ويستفاد من قول الإمام الصادق عليه السلام : « فَلَمّا رَأَيْنَا الْخَلْقَ مُنْتَظِماً وَالْفَلَكَ جارِياً وَالتَّدْبِيرَ واحِداً وَاللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَلَّ صِحَّةُ الْأمْرِ وَالتَّدْبِيرِ وَائْتِلافُ الْأَمْرِ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ واحِدٌ » [ الأصول من الكافي / المجلّد : 1 / الصفحة : 81 / الناشر : منشورات المكتبة الإسلاميّة ، بحار الأنوار / المجلّد : 3 / الصفحة : 230 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] ، فلو كان المدبّر لهذا الكون متعدّداً ولكلّ واحد منهما قدرة كاملة لوقع الفساد في الكون ، إذ من المحتمل إرادة كلّ منهما غير ما يريده الآخر ، فيحصل الفساد أو عدم تحقّق شيء. ولعلّ الإستدلال في مورد السؤال يرجع إلى دليل آخر على نفي الشريك للبارى أشار إليه المجلسي في بحار الأنوار كتاب التوحيد وهو : إنّه يلزم من تعدّد الإله وجود الفاصل المائز القديم بينهما ، ثمّ وجود الفصل أيضاً بين الثلاثة فيما بينهما ، وهكذا متسلسلاً والتسلسل باطل ، فيصدق ضد التعدّد وهي الوحدة. وتوضيحه : أنّه لو كان التعدّد موجوداً لكان امتياز أحد الآلهتين عن الآخر بأمر خارج يحتاج إليه في الإمتياز ، فيكون الإلهان محتاجين إلى المائز والاحتياج ليس من شأن الإله ، فإن كلّ محتاج ممكن والله الغني أجلّ من الاحتياج ، فلا يكون له شريك.
الجواب من الشيخ علي الكوراني: أصل التوحيد هو أوّل أصول العقائد لأنّ موضوعه معرفة الخالق عزّ وجلّ ، وهي أهمّ من معرفة المخلوق. ومن ناحية ثانية ، فإنّ التوحيد هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، فكلّ إنسان يدرك بفطرته وجود الله تعالى وتوحيده ، ثمّ ينتقل إلى معرفة أنبيائه ورسله ووحيه وأوصياء أنبيائه ومعرفة اليوم الآخر والحساب فيه.
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: المراد بالتوحيد هنا هو التوحيد الذاتي ، أيّ انّه سبحانه وتعالى واحد لا ثاني له ولا شريك كما قال تعالى في سورة الإخلاص : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) [ الإخلاص : 4 ] . وأمّا الدليل على ذلك فقد ذكر علماؤنا قدّس سرّهم أدلّة عديدة على ذلك مثل دليل الفطرة الذي هو دليل على أصل وجود الصانع والخالق فإنّه يدلّ أيضاً على وحدانيّته ، فإنّ الإنسان كما يعلم بالعلم الحضوري ربّه ، ولذا يتوجّه إليه في الشدائد ويرجوه في الملمّات والتوجّه والرجاء فرع معرفته والعلم به ، كذلك يلاحظ إنّ الإنسان في تلك الأحوال إنّما يتوجّه إلى حقيقة واحدة ويرجو ربّاً واحداً لا أكثر. ومثل برهان المحدوديّة الذي هو أيضاً من أدلّة وجود الصانع وهو مؤلّف من صغرى مفادها : « إنّ كل شيء في العالم محدود بحدود مثل الحد المكاني والزماني وغير ذلك من الكيفيّات والخصائص ، بل هو موجود على تقدير وجود سببه ، وليس له وجود خارج تلك الحدود على تقدير عدم وجود سببه ». وكبرى حاصلها : « إنّ كلّ محدود لا بدّ أن يكون له حاد غير محدود دفعاً للدور والتسلسل وليس هو إلّا الله سبحانه إذ ليس له حدّ ونهاية بل هو حقيقة مطلقة وموجودة على كلّ التقادير ، هذه خلاصة هذا البرهان لإثبات وجود الصانع ، وهو أيضاً دليل على توحيده الذاتي فإنّه إذا ثبت بهذا البرهان وجود حقيقة غير محدودة ومطلقة وليست متقيّدة بشرط ولا سبب ، فهي لا بدّ أن تكون واحدة ، ولا يمكن فيها التعدّد ، لأنّ كلّ واحد على فرض التعدّد محدوداً بحدود في قبال الآخر وهو خلاف فرض اللامحدوديّة ». ويمكن الاستدلال أيضاً بما حاصله : « أنّه لو كان من الوجود واجب آخر لزم أن تكون حقيقة كلّ منهما مركّبة ، وكلّ مركّب ممكن لأنّه محتاج إلى اجزائه وهو خلاف الوجوب بالذات ». توضيحه : إنّه لو تعدّد الواجب لزم التركيب لأنّهما يشتركان في كونهما واجبي الوجود بحسب الفرض ، فلا بدّ أن يكون هناك مائز بينهما سواء كان ذاتيّاً كالفصل أم غير ذاتي كالعوارض يتغيّران مركبين من الجنس والفصل مثلاً وهذا يعني الإمكان وهو خلف. كما يمكن الإستدلال على التوحيد بأنّه لو كان هناك إله أو الهة اخرى ، لرأينا آثار ذلك في النظام الكوني وفي التشريع وإرسال الرسل والأنبياء في حين أنّ الملاحظ هو خلاف ذلك تماماً ، فالانسجام الرائع في النظام الكوني والتناسب بين المخلوقات بحيث يسدّ بعضها نقص بعض ويرفع حاجته يدلّ على وجود خالق واحد أوقع هذا الانسجام في مخلوقاته. مضافاً إلى أنّ كلّ الأنبياء والرسل اخبروا عن إله واحد لا أكثر ، فلو كان هناك إله آخر لأرسل رسله إلينا كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام في وصيّته لابنه الحسن عليه السلام : « وَاعْلَمْ ، يا بُنَيَّ ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبُّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ ، وَلَرَأَيْتَ آثارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَلَعَرَفْتَ اَفْعالَهُ وَصِفاتِهِ ... ... » . [ نهج البلاغة / الصفحة : 340 / الناشر : منشورات بنياد نهج البلاغة ] كما أنّ قوله تعالى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا ) [ الأنبياء : 22 ] ، يشير وينبّه إلى دليل حاصله أنّه لو فرض وجود إله آخر مختلفين ذاتاً وهو يقتضي اختلاف تدبيرهم للعالم وهو يستلزم فساد السماوات والأرض.